آخر رجب شهادة سيف الله وناصر حجته مالك الأشتر النخعي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 نسبه وكنيته:

أبو إبراهيم مالك الأشتر بن الحارث بن عبد يغوث بن سلمة بن ربيعة بن جديمة بن سعد بن مالك بن النخع الصحابي الجليل، استشهد في هذا الشهر سنة 38 هـ وكان رحمه الله حارساً شجاعاً رئيساً، من اكابر الشيعة وعظمائها، شديد التحقق بولاء أمير المؤمنين عليه السلام ونصره، مرقده في القلزم بمصر عليه بنية فوقها قبة صغيرة.

 

مكانته ومنزلته:

مالك بن الحارث الأشتر النخعي، سيف الله المسلول على اعدائه قدس الله روحه، جليل القدر عظيم المنزلة، واختصاصه بأمير المؤمنين عليه السلام أظهر من أن يذكر، ويكفيه شرفاً وعزاً قول أمير المؤمنين عليه السلام في حقه: «رحم اله مالكاً فلقد كان لي كما كنت لرسول الله صلى الله عليه آله».

وأرسله أمير المؤمنين الى مصر سنة 38 هـ وجعله والياً عليها وكتب لأهل مصر:

«اما بعد، فاني قد وجهت اليكم عبداً من عباد الله لا ينام ايام الخوف ولا ينكل عن الأعداء حذار الدوائر، أشد على الفَّجار من حريق النار وهو مالك إبن الحارث الأشتر أخو مذحج فاسمعوا له وأطيعوا فانه سيف من سيوف الله…».

وعهده للأشتر هو أطول عهد كتبه عليه السلام، ويشتمل على لطائف ومحاسن وحكم جمة بحيث يكون دستوراً وقانوناً لكل الامراء والسلاطين طوال الدهر، وفيه قوانين في الخراج والزكاة، ولا يبقى ظلم وجور اذا عمل بمضمونه، وهذا العهد معروف وقد شرح وترجم مراراً، فلما كتب عليه السلام ذلك العهد أمر مالكاً بالرحيل، فخرج في جمع من الجيش وتوجه نحو مصر، فلما وصل الخبر الى معاوية أرسل كتاباً الى (زارع عريش) أن يسمه ويقتله، وفي المقابل يعفيه معاوية عن الخراج والضرائب عشرين سنة.

 

عريش مصر:

فلما وصل الأشتر الى عريش مصر، سأل الزارع عن الأكلة التي يحبها الأشتر فقيل له: انه يحب العسل، فجاء الزارع بعسل مسموم الى الأشتر واهداه اليه، وذكر له جملة من خواص العسل وفوائده، فشرب منه فلم يستقر العسل في جوفه بعد، حتى ودع الدنيا ورحل عنها بذلك العسل المسموم.

وقال البعض: انه استشهد في قلزم، وقد سمه نافع مولى عثمان، ولما وصل خبر استشهاده الى معاوية فرح فرحاً كثيراً بحيث لم تسعه الدنيا من الفرح وقال: الا وان لله جنوداً من عسل ولما بلغ النبأ الحزين ذلك أمير المؤمنين عليه السلام حزن كثيراً وتأسف على مالك فصعد المنبر وقال:

«انا لله وانا اليه راجعون والحمد الله رب العالمين، اللهم اني أحتسبه عندك فان موته من مصائب الدهر، رحم الله مالكاً فلقد أوفى بعهده وقضى نحبه ولقى ربه مع اننا قد وطنّا أنفسنا على ان نصبر على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله صلى الله عليه وآله فانها من أعظم المصيبات».

 

مشايخ نخع:

فنزل عن المنبر وذهب الى داره فجاء اليه مشايخ النخع وكان عليه السلام متأسفاً متلهفاً على موت الأشتر ثم قال:

«لله در مالك! وما مالك؟ لو كان من جبل لكان فنداً ولو كان من حجر لكان صلداً، أما والله ليهدن موتك عالماً وليفرحن عالماً، على مثل مالك فلتبك البواكي وهل مرجّو كمالك؟ وهل موجود كمالك؟ وهل قامت النساء عن مثل مالك؟».

وقال أيضاً في مالك: «لو كان صخراً لكان صلداً ولو كان جبلاً لكان قيداً وكأنه قُدَّ مني قداً».

وقال أيضاً: «أما والله هلاكه فقد أعزَّ أهل المغرب وأذل أهل المشرق» ... ثم قال: «لا أرى مثله بعده أبداً».

 

فرح العداء:

وقال القاضي نور الله في المجالس: ذكر صاحب البلدان في ذيل أحوال بعلبك ان معاوية أرسل شخصاً الى مالك كي يلاقيه في طريقه الى مصر، فلقيه وسقاه العسل المسموم، فمات به حوالي قلزم فلما بلغ معاوية ذلك أظهر السرور والفرح وقال: الا ان الله جنوداً من عسل، ثم حمل بدنه الطاهر الى المدينة ودفن هناك وقبره المنور معروف ومشهور،وقال أيضاً: لا يخفى ان مالكاً مضافاً الى تمتعه بالعقل والشجاعة والعظمة والفضيلة كان متحلياً بجلي العلم والزهد والفقر والدروشة.

 

الخلق الحسن:

وجاء في مجموعة ورام لا بن فارس رحمه الله: ان مالكاً كان مجتازاً بسوق الكوفة وعليه قميص خام وعمامة منه، فرآه بعض السوقة فازدرى بزيّه، فرماه ببندقة تهاوناً به، فمضى ولم يلتفت، فقيل له: ويلك أتدري بمن رميت؟ فقال: لا، فقيل له: هذا مالك الأشتر صاحب أمير المؤمنين عليه السلام.

فارتعد الرجل ومضى اليه ليعتذر منه، فرآه وقد دخل مسجداً وهو قائم يصلي، فلما انفتل أكب الرجل على قدمية يقبلهما، فقال: ما هذا الامر؟ فقال: أعتذر إليك مما صنعت (لأني لم أعرفك) فقال: لا بأس عليك فو الله ما دخلت المسجد الا لأ ستغفرن لك.

نلاحظ من خلال القصة: لا حظ كيف اكتسب هذا الرجل الاخلاق الحميدة من امامه أمير المؤمنين عليه السلام مع كونه من امراء الجيش وشجاعاً شديد الشوكة.

 

وقال ابن أبي الحديد:

لو ان انساناً يقسم ان الله تعالى ما خلق في العرب ولا في العجم أشجع منه الا استاذه علي بن أبي طالب عليه السلام لما خشيت عليه الاثم ... ما أقول في رجل هزمت حياته أهل الشام وهزم موته أهل العراق، وقال أمير المؤمنين عليه السلام في حقه: رحم الله مالكاً فلقد كان لي كما كنت لرسول الله صلى الله عليه وآله.

وقال لأصحابه: ليت فيكم رجلين مثله بل رجل واحد مثله، ونرى شدة شوكته على الأعداء من هذه الأبيات التي انشدها:

بقيت وفري وانحرفت عن العـلى              ولقيت أضيافي بوجه عبـوس

ان لم أشن على ابن هنـد غـارة              لم تخل يوماً من نهاب نفـوس

خيلاً كأمثال السعـــال شزِّباً              تغدو ببيض في الكريهة شوس

حمى الحديـد عليهـم فكأنـه              ومض ان برق أو شعاع شموس

على أي حال، فهو مع هذه الجلالة والعظمة وصل الى مرتبة من حسن الخلق بحيث يهينه سوقي ويستهزأ به فلم يتغير أبداً، ولم يظهر شيئاً من أمارات الغضب بل يذهب الى المسجد فيصلي ويدعوا لذلك الرجل ويتسغفر له، ولولا حظت جيداً ترى ان شجاعته هذه وغلبة هواه أعلى وأرفع من شجاعته البدنية، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: «أشجع الناس من غلب هواه».