السابع عشر من ربيع الأول انبلاج نور النبوة الخاتمة في مكة المعظمة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المشهور بين علماء الامامية أن ولادة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله كانت في السابع عشر من ربيع الأول ونقل العلامة المجلسي الإجماع عليه، والمشهور في ولادته كانت عند طلوع الفجر من يوم الجمعة في العام الذي جاؤوا بالفيل لتخريب الكعبة المعظمة فاهلكهم الله تعالى بحجارة من سجيل.

وكانت ولادته في داره المباركة بمكة ثم وهبها النبي صلى الله عليه وآله لعقيل بن ابي طالب، فباعها أولاده لمحمد بن يوسف أخي الحجاج فأدخلها في داره، فلما كانت خلافة هارون، أخذتها الخيزران امه فأخرجتها من بيت محمد بن يوسف وجعلتها مسجداً يصلي فيه الناس، وفي سنة (659هـ) سعى الملك المظفر ـ والي اليمن ـ في عمارته.

 

عجائب حين الولادة:

قال الامام الصادق عليه السلام: «كان ابليس لعنه الله يخترق السماوات السبع، فلما ولد عيسى حجب عن ثلاث سماوات كان يخترق اربع سماوات، فلما ولد رسول الله حجب عن السبع كلها، ورميت الشياطين بالنجوم وقالت قريش: هذا قيام الساعة الذي كنا نسمع أهل الكتب يذكرونه وقال عمرو بن أمية ـ وكان من ازجر أهل الجاهلية ـ انظروا هذه النجوم التي يهتدى بها ويعرف بها أزمان الشتاء والصيف، فان كان رمي بها فهو هلاك كل شيء، وان كانت ثبتت ورمي بغيرها فهو أمر حدث، واصبحت الاصنام كلها صبيحة ولد النبي ليس منها صنم الا وهو منكب على وجهه، وارتج في تلك الليلة أيوان كسرى، وسقطت منه اربعة عشر شرفة، وفاضت بحيرة ساوة، وفاض وادي السماوة، وخمدت نيران فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأى المؤبذان في تلك الليلة في المنام أبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً، قد قطعت دجلة، وانسربت في بلادهم، وانقصم طاق الملك كسرى من وسطه، واتخرقت عليه دجلة العوراء، وانتشر في تلك الليلة نور من قبل الحجاز ثم استطار حتى بلغ المشرق، ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا الا أصبح منكوساً والملك محزوناً لا يتكلم يومه ذلك، وانتزع علم الكهنة، وبطل سحر السحرة، ولم تبق كاهنة في العرب الا حجبت عن صاحبها، وعظمت قريش في العرب وسموا آل الله عزوجل».

 

آل الله:

قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: «انما سموا آل الله لأنهم في بيت الله الحرام»، وقالت آمنة: «انما سموا آل الله لأنهم في بيت الله الحرام»، وقالت آمنة: ان ابني والله سقط فاتقى الارض بيده، ثم رفع رأسه الى السماء فنظر اليها (ثم خرج منه نور حتى نظرت الى قصور بصرى) وسمعت في الضوء قائلاً يقول: انك قد ولدت سيد الناس فسميه محمداً.

 

الرسول وعبد المطلب:

وأتى به عبد المطلب فأخذه فوضعه في حجره، ثم قال:

الحمد الله الذي اعطاني                                   هذا الغلام الطيب الأردان

قد ساد في المهد على الغلمان

ثم عوذه بأركان الكعبة وقال فيه اشعاراً.

 

إبليس يوم الولادة:

«وصاح ابليس لعنه الله في أبالسته، فاجتمعوا اليه فقالوا: ما الذي أفزعك ياسيدنا؟ فقال لهم: ويلكم لقد انكرت السماء والارض منذ الليلة، لقد حدث في الارض حدث عظيم، فاخرجوا وانظروا ما هذا الحدث الذي قد حدث، فافترقوا ثم اجتمعوا اليه فقالوا: ما وجدنا شيئاً، فقال ابليس لعنه الله: أنا لهذا الامر ثم انغمس في الدنيا فجالها حتى انتهى الى الحرم فوجد الحرم محفوظاً بالملائكة فذهب ليدخل فصاحوا به، فرجع ثم صار مثل الصر وهو العصفور فدخل من قبل حرى، فقال له جبرئيل: ما وراك لعنك الله، فقال له: حرف أسألك عنه ياجبرئيل! ما هذا الحدث الذي حدث منذ الليلة في الارض؟ فقال له: ولد محمد صلى الله عليه وآله، فقال له: هل لي فيه نصيب؟ قال: لا، قال: ففي آمته؟ قال: نعم، قال: رضيت».

 

كرامات أُخرى:

وعن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: «لما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله القيت الاصنام في الكعبة على وجوهها فلما أمسى سمع صيحة من السماء: جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقاً».

وورد انه: «أضاء تلك الليلة جميع الدنيا، وضحك كل حجر ومدر وشجر وسبح كل شيء في السماوات والارض الله عزوجل، وانهزم الشيطان وهو يقول: خير الامم، وخير الخلق واكرم العبيد واعظم العالم محمد صلى الله عليه وآله».

ونقل الشيخ احمد بن ابي طالب الطبرسي في كتابه الاحتجاج عن الامام موسى بن جعفر عليه السلام انه قال: «... ومحمد صلى الله عليه وآله سقط من بطن امه واضعاً يده اليسرى على الارض ورافعاً يده اليمنى الى السماء ويحرك شفتيه بالتوحيد وبدا من فيه نور ورأى أهل مكة منه قصور بصرى والشام وما يليها والقصور الحمر من أرض اليمن وما يليها والقصور البيض من اصطخر وما يليها، ولقد أضاءت الدنيا ليلة ولد النبي صلى الله عليه وآله حتى فزعت الجن والانس والشياطين وقالوا: حدث في الارض حدث ولقد رأت الملائكة ليلة ولد تصعد وتنزل وتسبح وتقدس، وتضطرب النجوم وتتساقط، علامات لميلاده، ولقد هم ابليس بالظعن في السماء لما رأى من الأعاجيب في تلك الليلة وكان له مقعد في السماء الثالثة والشياطين يسترقون السمع فلما رأوا الأعاجيب ارادوا أن يسترقوا السمع فاذا هم قد حجبوا من السماوات كلها، ورموا بالشهب دلالة لنبوته صلى الله عليه وآله».

 

رضاعته المباركة:

روى ابن شهر آشوب والقطب الراوندي وجمع آخر انه:

«ذكرت حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحرث من مضر، زوجة الحرث بن عبد العزى المضري، ان البوادي اجدبت، وحملنا الجهد على دخول البلد، فخرجت على أتان لي قمراء، معنا شارف لنا والله ما تبض بقطرة ما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع ما في الثدي ما يغنيه، وما في شارفنا يغذيه، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما منا امرأة الا وقد عرض عليها رسول صلى الله عليه وآله فتأباه وذلك انّا، انما كنا نرجوا المعروف من أبي الصبي، فاذا برجل ينادي ايتها المرضعات هل منكن من لم تأخذ طفلاً؟ فقلت من هو هذا؟ قيل: عبد المطلب بن هاشم سيد مكة، فذهبت اليه، فقال لي: من انت؟ قلت حليمة من بني سعد فتبسم وقال: بخ بخ خصلتان جيدتان سعد وحلم فيهما عز الدهر وعز الابد، ثم قال يا هذه عندي بني لي يتيم اسمه محمد وأبين المرضعات أخذه، لانه يتيم، وانما يكرم الظئر الوالد فحملته لأني لم أجد غيره وذهبت الى بيت آمنة فلما وضعته في حضني فتح عينه لينظر بهما الي فسطع منهما نور فشرب من ثدي الايمن ساعة ولم يرغب في الايسر اصلاًُ واستعمل في رضاعه عدلاً، فناصف فيه شريكه فاقبل ثدياي باللبن، وقام زوجي الى شارفنا تلك يلمسها بيده، فاذا هي حافل فحللها وأرواني من لبنها وروى الغلمان.

  

معجزات في الطريق:

فقال: يا حليمة لقد اصبنا سمة مباركة فحملته على الاتانٍ وكانت قد ضعفت عند قدومي مكة فجعلت تبادر سائر الحمر اسراعاً وقوةً ونشاطاً، واستقبلت الكعبة وسجدت له ثلاث مرات، وقالت: برئت من مرضي وسلمت من غثي وعلي سيد المرسلين وخاتم النبين وخير الاولين والاخرين، فكان الناس يتعجبون منها ومن سمني وبرئي ودر لبني.

فلما انتهينا الى غار خرج رجل يتلألأ نوره الى عنان السماء وسلَّمَ عليه وقال: ان الله تعالى وكلني برعايته، وقابلنا ظباء وقلن: يا حليمة لا تعرفين من تربين هو أطيب الأطيبين وأطهر الأطهرين وما علونا قلعة ولا هبطنا وادياً الا سلموا عليه فعرفت البركة والزيادة في معاشنا ورياشنا حتى اثرينا وكثرت مواشينا واموالنا ولم يحدث في ثيابه ولم تبد عورته ولم يحتج في اليوم الا مرة وكنت ارى شاباً على فراشه يعدل له ثيابه، فربيته خمس سنين ويومين.

 

في بادية بني سعد:

فقال لي يوماً: أين يذهب اخواني كل يوم؟ قلت: يرعون غنماً، فقال: انني اليوم أرافقهم فلما ذهب معهم أخذه ملائكة وعلوه على قلة جبل وقاموا بغسله وتنظيفه فأتاني ابني وقال: ادركي محمداً فانه قد سلب، فأتيته فاذا هو بنور يسطع في السماء فقبلته، فقلت: ما أصابك؟ قال: لا تحزني ان الله معنا، فانتشر منه فوح مسك أذفر، فرآه كاهن وصاح وقال: هذا الذي يقهر الملوك ويفرق العرب».

وروي عن ابن عباس انه قال: كان يقرب الى الصبيان يصبحهم فيختلسون ويكف ويصبح الصبيان غمصاً رمصاً ويصبح صقيلاً دهيناً.

ونادى شيخ على الكعبة يا عبد المطلب ان حليمة امرأة عربية وقد فقدت ابنها اسمه محمد، فغضب عبد المطلب وكان اذا غضب خاف الناس منه، فنادى يا بني هاشم، يابني غالب اركبوا فُقِدَ محمدٌ، وحلف ان الا أنزل حتى اجد محمداً أو أقتل ألف اعرابي ومائة قرشيً وكان يطوف حول الكعبة وينشد اشعاراً منها:

يا رب رد راكبي محمداً                                رداً اليَّ واتخذ عندي يداً

يا رب ان محمداً لن يوجدا                             تصبح قريش كلهم مبدداً

فسمع نداءاً: ان الله لا يضيع محمداً، فقال: أين هو؟ قال: في وادي فلان، تحت شجرة أم غيلان، فلما ذهبوا الى الوادي رأوه يأكل الرطب من أغيلان وحوله شابان، فلما قربوا منه ذهب الشابان وكانا جبرائيل وميكائيل عليهما السلام فسأله من انت؟ وماذا تصنع؟ قال: انا بن عبد الله بن عبد المطلب، فحمله عبد المطلب على عنقه وطاف به حول الكعبة وكانت النساء قد اجتمعن عند آمنة على مصيبته فلما رآها تمسك بها، وما التفت الى أحد.

فلما أتى الى امه ربته أم ايمن الحبشية جارية ابيه عبد الله وقد ورثها النبي صلى الله عليه وآله، وكان لا يشكو من الجوع والعطش وكان يأتي زمزم فيشرب منها شربة ولا يحتاج الى الطعام، وربما عرض عليه الطعام فيقول: انا شبعان.

والحمد لله رب العالمين.