الثامن من شهر صفر ذكرى رحيل سلمان المحمدي رضوان الله عليه

 

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد في نشأة سلمان:

قال سلمان رضوان الله عليه: «كنت ابن دهقان قرية جي من أصبهان، وبلغ من حب أبي لي ان حبسني في البيت كما تحبس الجارية فاجتهدت في المجوسية حتى صرت قطن بيت النار... ».

الذي يبدو من هذا النص أن سلمان اعتنق المجوسية في بادىء أمره عندما كان يعيش في ظل أبويه شأن إنسان يعتنق دين أبائه وأجداده حين لا يجد مندوحةً عن ذلك، وحين يفتقد المرشد والموجه ويعيش بعيداً عن آفاق المعرفة، ومع هذا فان ذلك لا يمكن جعله خدشةً في نقاء الذات التي كان يحملها سلمان ولا وصمةً في طهرها سيما بعد أن يتضح لنا أن إرتباطه بالمجوسية كان شكلياً صورياً غير مستند إلى شيءٍ من قناعاته كما سيأتي.

وقبل البحث في هذه الناحية لا بد لنا من المرور في تأريخ«المجوسية» بشكل عابر سريع نظراً لارتباط سلمان بها تأريخياً، ومن ثم إيقاف القارئ على حقيقتها، إذ ان للمجوسية في أذهاننا صورة لم تشأ الذاكرة أن تحتفظ منها بأكثر من بيوت النيران وتقديس المجوس أو عبادتهم له حيث لم يوفوا لأنفسهم من هذا الدين سوى طابع الوثنية وتأطيرهم أنفسهم به عبر العصور، إذن طبيعة البحث تتطلب منا معرفة: ماهي المجوسية؟

المعروف عن المجوسية انهم المؤمنون بزرادشت، وكتابهم المقدس (أوستا) غير أن تاريخ حياته وزمان ظهوره مبهم جداً كالمنقطع خبره، وقد افتقدوا الكتاب باستيلاء الإسكندر على إيران، ثم جددت كتابته في زمن ملوك ساسان، فأشكل بذلك الحصول على حاق مذهبهم.

والمسلّم انهم يثبتون لتدبير العالم مبدأين، مبدأ الخير ومبدأ الشر «يزدان وأهريمن» أو «ويقدسون الملائكة ويتقربون إليهم من غير أن يتخذوا لهم أصناماً كما يفعل الوثنيون، وهم يقدسون البسائط العنصرية وخاصةً النار، وكانت لهم بيوت نيران بإيران، والصين، والهند، وغيرها، وينهون الجميع إلى «أهورا مزدا» موجد الكل».

 

هل اعتنق سلمان المجوسية ...؟

إلا أنه من المقطوع به أن سلمان لم يعتنق المجوسية حتى في صباه، بل كان موحداً الله سبحانه، نعم حكمت عليه بيئته التي عاش فيها أن يرتبط بالمجوسية ارتباطاً شكلياً، كما ورد ذلك في الأحاديث المأثورة عن النبي الكريم وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين.

من ذلك ما رواه الصدوق عن ابن نباتة عن علي عليه السلام في حديث جاء فيه: «حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمان بين يديه فدخل أعرابي فنحاه عن مكانه وجلس فيه. فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله حتى در العرق بين عينيه واحمرتا عيناه ثم قال: يا أعرابي أتنحي رجلاً يحبه الله تبارك وتعالى في السماء ويحبه رسوله في الأرض ... إلى أن قال: إن سلمان ما كان مجوسياً، ولكنه كان مظهراً للشرك مبطناً للإيمان».

وفي حديث الإمام الصادق عليه السلام: «إن سلمان كان عبداً صالحاً حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين».

قال الصدوق: «إن سلمان ما سجد قط لمطلع الشمس، إنما كان يسجد الله عزوجل، وكانت القبلة التي أمر بالصلاة إليها شرقيةٌ، وكان أبواه يظنّان أنه إنما يسجد للشمس كهيئتهم».

أجل، إن من يتتبع قصة إيمان هذا الرجل يلمس فيها شواهد على ذلك، أعماق نفسه: «قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ*إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» الأنعام:78و79 .

 

الهجرة إلى الله:

 كان إسمه روزبة وسماه رسول الله صلى الله عليه وآله سلمان، وكان اسم أبيه خشفوذان وكان هذا الأخير من دهاقين فارس ـ وقيل من أساورتها ـ له إمرة على بعض الفلاحين من أبناء أصفهان، وكان واسع الحال يملك بعض المزارع شأن غيره من الطبقة الوسطى في المجتمع الفارسي آنذاك، وكانت لولده سلمان مكانة خاصة في نفسه جعلته يستأثر بالنصيب الأكبر من إهتماماته، فهو لا يكلفه بأي عمل شاق شأنه في ذلك شأن بقية المترفين في معاملة أبنائهم.

وفي ذات اليوم كان خشفوذان مشغولاً ببناءٍ في داره فطلب من ولده أن يذهب الى مزرعةٍ له ليشرف على سير عمل الفلاحين فيها عن كثب وطلب منه أن لا يتأخر في العودة إليه، قائلاً له: «ولا تحتبس، فتشغلني عن كل ضيعةٍ بهمي بك ...».

يقول سلمان: «فخرجت لذلك، فمررت بكنيسة النصارى وهم يصلِّون، فملت إليهم وأعجبني أمرهم، وقلت: والله هذا خير من ديننا، فأقمت عندهم حتى غابت الشمس، لا أنا أاتيت الضيعة، ولا رجعت إليه...!».

لوحة رائعة يرسمها لنا سلمان وهو يسرد قصة إسلامه، حيث يجسد لنا فيها كيف كانت بداية هجرته نحو الإيمان ... الإيمان بالله وحده، بعزم وتصميم وإرادة قوية لا يقف دونها حاجز ولا تتحكم فيها عاطفة، وكيف إختار لنفسه موقفاً مميزاً جعله فيما بعد من جمله عظماء البشر الذين بهم ملئ التاريخ الإنساني صفحاته، فكان بذلك «سابق فارس» ورائدها وداعيها إلى الله.

لقد كانت نفسه التواقة إلى المعرفة تدفعه نحو تخطي الحواجز التي عاش بين قضبانها في ظل أب جمد عقله على طقوس المجوسية دون أن تحرك آيات المبدع سبحانه في نفسه أي تحولٍ نحو الأفضل.

أراد سلمان تخطي تلك الحواجز لكي يرى الحقائق الكامنه ورائها، وكان له ما أراد، فهل هو يعثر على دين خير من دينه حيث ساقته قدماه ـ عن قصد أو غير قصد ـ إلى الكنيسة، فرأى فيها اناساً يصلون، وربما يرتلون فصلاً من الإنجيل بصوت وخيم يأخذ بمجامع القلوب فيه رجع وصدىً لترانيم الراهب الحزين الذي يبكي المسيح! ولا بد أن فقرات من الإنجيل شدته ـ في تلك اللحظات الغامرة ـ إلى الاستغراق والتأمل في عالم اللاهوت ضمن أجواء هي مزيج من الحزن، والفرح، والسأم، واللذة طافت به وراء الغيب، ثم انتهت لتوقظ في نفسه مكامن الألم الطويل الذي عاناه في ظل أبيه.

دارت في رأس سلمان زوبعة من التفكير.. انها فرصة قبضتها له يد الغيب، وما عليه الآن إلا أن يختار. نعم؛ لقد أعجبه هذا الدين، ولكن؛ هل ينتهي به المطاف إلى هنا فتكون هذه الكنيسة المحطة الأولى والأخيرة في حياته؟ ومن يدري، فلعل يد التشويه قد امتدت إليها أو إلى ذلك الكتاب الذي يتلى فيها فأخرجتهما عن مسارهما الصحيح، وعندها فما الفائدة إذن؟ أيترك دين أبائه وأجداده ليعتنق ديناً ربما كان مثله في المحتوى أو أميز منه بقليل؟ لم يطل تردده في الأمر، وحانت منه التفاتة ذكية تنم عن عمق روحي وأصالة في التفكير حيث بدا له ان يسأله عن تواجد أصل هذا الدين، وبذلك يحفظ خطوط الرجعة على نفسه، فاندفع يسأل من حوله من النصارى قائلاً لهم: «وأين أصل هذا الدين ...؟».

قالوا: بالشام. أما خشفوذان فقد طال عليه غياب ولده حتى صار نهباً للقلق عليه مما حدا به أن يرسل جماعةً في طلبه، وبينما هو يتلدد في داره مفكراً حائراً في أمره وإذا بسلمان عائد بعد الغروب بقليل، عاد إلى بيته ليجد أباه بتلك الحالة، وهنا بادره أبوه بنبرةٍ فيها شيء من الغضب، قائلاً له: لماذا تأخرت؟ ولم يجد سلمان سبيلاً لكتمان ما رأى وسمع، فالتفت إلى أبيه قائلاً:

«قد مررت بقوم يصلّون في كنيسة فأعجبني ما رأيت من أمرهم، وعلمت أن دينهم خير من ديننا...».

قال هذا بكل جرءةٍ وثقة، غير ان خشفوذان لم يصدق ما سمعه، وخالطته حيرة ودهشة، لكنه تمالك أعصابه وخاطب ولده باسلوب عاطفي هادىء قائلاً له: «يا بني؛ دينك ودين آبائك خير من دينهم.» طمعاً فيه بأن يرجع عن ذلك.

لكن سلمان بادره بكل إصرار قائلاً: «كلا، والله..»

وحين لم يجد خشفوذان وسيلةً في اقناع ولده عمد إلى استخدام القسوة لتأديبه، فوضع القيود في رجليه، وتركه في البيت رهين محبَسِين، فعل معه ذلك خوفاً من أن يهرب عنه، عقاباً له كي لا يعود لمثلها.

وظل سلمان رهين قيده وبيته مدةً من الزمن كادت الدنيا أن تسوَدَّ في عينيه لولا حلم الشام الذي ظل يدغدغ فؤاده ويزرع في نفسه الأمل الأخضر الذي يبشره بأزوف الموعد وساعة الخلاص، فعمد إلى بعض من يثق بهم وأرسله إلى النصارى الذين تعرف إليهم في الكنيسة يعلمهم عن لسانه: بأنه قد أعجبه دينهم ويطلب منهم أن يعلموه بتحرك أول قافلةٍ نحو الشام حتى يكون فيها.

فأخبروه.

 

ابتداء الهجرة:

قال سلمان: «فألقيت الحديد من رجلي، وخرجت معهم». وبدأت الرحلة الطويلة نحو الإيمان، والهجرة إلى الله.

بدأ سلمان هجرته هذه مصوباً كل تفكيره نحو الشام، ولكن ما أن استوى على راحلته حتى بدأت الشكوك تشاوره، واخذ القلق بسيطر عليه، فقد خاف أن ينكشف أمره لدى أبيه فيرسل في طلبه جماعة من علوج أصفهان يرجعونه إليه بالقوة فيعيده إلى محبسية، وربما لا يكتفي بذلك بل يقيم عليه الرقباء والعيون يحصون عليه أنفاسه وعندها سيخسر سلمان كل شيء، وسيكون الفشل نصيب أولى تجاربه في الحياة.

ظلت هذه الوساوس تساوره في بداية الرحلة، حتى إذا قطع شوطاً من الطريق أمن معه الطلب، هدأت نفسه وارتاح ضميره وعاد الفرح إلى قلبه، فمال بتفكيره ثانيةً نحو الشام، ولكن سرعان ما هومت فوق صدره سحابه من الحزن لفراق أبويه الكهلين الذين دأبا على اسعاده وحرصا على أن يبقى بحانبهما يؤنس وحشتهما كلما تقدمت بهما السن، لقد تركهما أسيرين الهمَّ والحزن عليه، وكاد الأسى أن يعصف بقلبه لولا أن تذكر عناد أبيه ووقوفه سداً في طريق سعادته، فتابع سيره وصمم أن لا يلتفت.

أما خشفوذان وزوجه فقد باتا أياماً وليالي لا يغمض لهما جفن ولا ترقأ لهما دمعه لغياب سلمان المدلل ففراقه أقض مضجعهما، فهما لا يعلمان أين أمسى وأين أصبح، ولم يتركا استحفاء السؤال عنه في كل مكان، لقد انقطعت أخباره ... أين هو ياترى؟ وربما تناهى إلى سمع خشفوذان أن ابنه رحل إلى الشام فزاد ذلك في همه وحزنه، فأين الشام وأين فارس ومئات الأميال تفصل بينهما...

ويطرق الأب الحزين برأسه إلى الأرض ويستسلم مع زوجته للقدر، وربما توسلا إلى النار التي يقدسانها أن ترجع إليهما ولدهما الهارب، ولكن دون جدوي. وهكذا ظل يندب حظه التعس.

أما سلمان، فظل يتابع سيره حتى إذا بانت له مشارف الشام حرك لسانه بآيات الشكر الله سبحانه الذي أنقذه من النار وتفاهاتها وحماقات أهلها لينعم بين ظلال الرحمة في مهد الأنبياء وأرض الرسالات في الشام، التي هي «صفوة الله من بلاده وإليها يجتبي صفوته من عباده» على حد تعبير النبي صلى الله عليه وآله».

وبعد قليل من الزمن، حط الركب الفارسي رحاله ليستريح من وعثاء السفر المضني الطويل، ولينصرف بعد ذلك كل منهم إلى شؤونه، عدا سلمان الذي لم يستقر به مكان بعد، فهو لم يصل إلى ما يريد! إنه يطلب العالِم الذي يعطيه أصول النصرانية التي جاء بها عيسى عليه السلام عن الله سبحانه وتعالى، فاندفع يسأل هذه وذاك من أهل الشام عن رجل الدين الذي يولونه ثقتهم، ويأخذون عنه معالم دينهم، فأرشدوه إلى الأسقف فسألهم عن مكان إقامته.؟

قالوا: هو مقيم في صومعته على رأس جبل، ودلوه عليه.

كانت الصومعة في قمة جبل يشرف على الشام وقد استدارت حولها غابة من السنديان والصنوبر، ويخيل للناظر إليها من بعيد أنها جزيرة صغيرة وسط بحيرة خضراء.

قصد سلمان تلك الصومعه والفرح يغمر قلبه، فلما وصل إليها تكلم بكلمات تركت الأسقف ينفتل من عبادته لينظر من هو المتكلم وكان الأسقف شيخاً طاعناً في السن مربوع القامة، في ظهره جنأ كث اللحية أبيضها، ذو عينين غارقتين تهدل فوقهما حاجبان انعقفا حتى اتصلا بصدغية ترتسم على وجهه سيماء الصالحين ... تطلع سلمان إليه فأدرك فيه ملامح من سيرة المسيح عليه السلام فانتابته حالة من الذهول أطرق معها إلى الأرض، إلا أن كلمات الأسقف هزته حيث اندفع نحوه متسائلاً من أنت؟ ماذا تريد؟

فرفع رأسه وقال: أنا رجل من أهل جي جئت أطلب العمل وأتعلم العلم، فضمني إليك أخدمك وأصحبك، وتعلمني شيئاً مما علمك الله!؟

قال الأسقف: نعم، إصعد إلي.

صعد سلمان إليه ليبقى إلى جانبه يخدمه ويتعلم منه، وكان الغالب في مأكله: الخل والزيت، والحبوب، وجرايهً تجري له، يقول سلمان: «فأجرى علي مثل ما كان يجري عليه ...» وبدأ الأسقف يعلمه شريعة الله التي أنزلها على المسيح ويقرأ عليه صحائف من الإنجيل كان قد احتفظ بها، ويطلعه على بعض الأسرار الإلهية التي تناهت إليه من حواريي عيسى عليه السلام، وقد وجد في سلمان الرجل القوي الأمين الذين يمكن أن يدفع أمانته ووجد سلمان فيه الأب المشفق والعالم الروحاني الذي يوقفه على غامض العلم ويطلعه على شرائع الأنبياء.

ومرت الأيام تتوالى مسرعةً، وانطوت سنين عديدة كان الأسقف خلالها يتقدم نحو أرذل العمر، وفي ذات يوم اشتكى علةً في جسده سرعان ما ألزمته سريره، وأدرك سلمان أنها الشيخوخة التي لا ينفع معها دواء، فظل دائباً في خدمته والعناية به ليله ونهاره، حتى إذا قوضت أيامه ودارت في صدره حشرجات الموت، علم سلمان أن صاحبه يحتضر، وأنه مفارق هذه الدنيا عن قريب فجلس عند رأسه يبكي.

وكان تعلق الأسقف به شديداً لما لمسه فيه من الخصال الحميدة النادرة، فكان يؤلمه أن يراه حزينا أو مفكراً في أمره يشغل باله، وحانت منه إلتفاتة خاطفة، فرأى سلمان يكفكف دموعه، وألمه ما رأى، فالتفت إليه قائلاً: «ما يبكيك يا ولدي...؟».

قال سلمان ـ وهو يردٌ غصّته ـ: «خرجت من بلادي أطلب الخير، فرزقني الله صحبتك فنزل بك الموت ولا أدري أين أذهب...؟».

وهنا أطرق الراوي إطراقة طويلة وفكر في أن يقف عند هذا الحد ولا يكمل روايته، والسر في ذلك هو أن محدثيه كانوا كثراً وكلهم يروي عن سلمان سيرته كما جاءت على لسانه، ولكن ما يروونه فيه إختلاف كبير بالنسبة للشكل والصياغة، وإن كان متقارباً في أصل المضمون، فالروايات كلها متفقة على أن سلمان إنتقل من راهب إلى راهب ومن دير إلى دير، وجاب البلاد طولاً وعرضاً في سبيل الوقوف على أصول الدين يمكن الركون إليه. ولكن يبقى العرض للكيفية التي تم بها ذلك مختلفاً غاية الإختلاف.

قال الراوي: وعلى هذا فلا يمكنني إختيار واحدة من تلك الروايات والإكتفاء بسردها لكم، لا حتياجها إلى ما في الروايات الأخرى وافتقار تلك الروايات لها مما يجعل بعضها يكمل بعضاً، فالأفضل إذن أن تصاغ القصة من مجموع تلك الروايات في حلةٍ جديدة لائقةٍ بسلمان، مكانته، تنسج خيوطها من سيرته ذاتها وليست بنشاز عنها، لأنها كلها بلسانه رضي الله عنه.

ثم استطرد في سرد الرواية قائلاً:

«فقال الأسقف وهو يعاني سكرات الموت: يابني؛ لقد ترك الناس دينهم، ولا أعلم أحداً يقول بمقالتي إلا راهباً في إنطاكية، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام، وادفع إليه هذا اللوح، وناولني لوحاً، ثم مات الأسقف، ولم يكشف لنا سلمان شيئاً عن سر ذلك اللوح، لكن من المعتقد أنه أثر كريم بقي من المسيح عليه السلام تركه للحواريين بتداولونه فيما بينهم ثم يسلمونه إلى ذوي الكفاءة من أوصيائهم.

يقول سلمان: فلما مات، غسلته وكفنته ودفنته، وأخذت اللوح وسرت به إلى انطاكية «وهي بلدة قريبة من حلب بعيدة عن الشام موصوفة بالحسن وطيب الهواء وعذوبة الماء لها سور ضخم، وشكلها كنصف دائرة قطرها يتصل بجبل، والسور يصعد مع الجبل الى قمته فتتم دائرة، وفي السور داخل الجبل قلعة في وسطها بيعة «القسيان» وهي هيكل طوله مائة خطوة، وعرضه ثمانون، وعليه كنيسة على آساطين، وحول الهيكل أروقه يجلس عليها القضاء والعلماء، وهناك من الكنائس ما لا يجد كلها معمولة بالذهب والفضة والزجاج الملون، والبلاط المجزع.

ومضى سلمان يجد السير حتى وصل إليها، وكان قد عرف مواصفات الراهب واسمه، فلما وصل إلى الهيكل سأل عنه، فدلوه عليه، وكان في إحدى الكنائس، فلما وصل إليها تكلم بكلمات فأطل عليه الراهب يسأله من هو وماذا يريد؟

ونظر إليه سلمان، فرأى فيه سمات التقى والصلاح والزهادة في الدنيا والرغبة عنها إلى الآخرة، فارتاحت لذلك نفسه، وعلم أن صاحبه الراحل لم يفرط فيه، بل اوصى به إلى يدٍ امينة ... وردَّ سلمان على أسئلة الراهب، ثم أبلغه سلام الأسقف الراحل وسلمه الامانة.

أخذ الراهب اللوح من يد سلمان بلهفة وزاد في الترحيب به، وأنزله معه، وظل سلمان في خدمته مدةً طويلة ياخذ عنه معالم الدين، حتى إذا مرت سنين، مرض الراهب مرض الموت ولزم الفراش وسلمان إلى جانبه وأحس الراهب أنه مفارق هذه الدنيا، فالتفت إلى سلمان قائلاً:

«إني ميت!»

صكت هذه الكلمة مسامع سلمان، وأخذت من نفسه مأخذاً حيث خاف الضياع من بعده، فقال له بنبرة فيها شيء من الحزن:

فعلى من تخلفني...؟

قال الراهب: لا أعرف أحداً على طريقتي إلا راهباً بالاسكندرية، فإذا أتيته فاقرأه عني السلام، ادفع إليه هذا اللوح.

وما لبث الراهب أن توفي، فقام سلمان بتجهيزه، فغسله، وكفنه، ودفنه، ثم أخذ اللوح معه وخرج قاصداً الإسكندرية.

وكانت الإسكندرية في ذلك الوقت هي أم الأساطير ـ كما يقال عنها ـ فكان الناس يتحدثون عنها وعن عجائبها فحيكت عن كيفية بنائها قصص كثيرة، منها: أن الذي بناها هو الاسكندر الأكبر فسميت باسمه، وقيل: أن الإسكندرية وأخوه الفرما قاما ببناء مدينتين في أرض مصر سميت باسمها، فلما فرغ الاسكندر من بناء مدينته قال قد بنيت مدينة إلى الله فقيرة وعن الناس غنية، وقال أخوه بعكسه، فبقيت مدينة الإسكندر، وتهدمت مدينة أخيه.

وأسطورة تقول: أن الذي بناها هو جبير المؤتفكي، وكان قد سخَّر فيها سبعين ألف بنَّاء، وسبعين ألف مخندق، وسبعين ألف مقنطر، واستغرق بناؤها مائتا سنة، وكتب على العمودين الذين يقال لهما: المسلتين: أنا جبير المؤتفكي عمرت هذه المدينة في شدتى وقوتي حين لا شيبة ولا هرم أضناني، وكنزت أموالها في مراجل جنبيرية، وأطبقتها بطبق من نحاس وجعلتها داخل البحر.

واسطورة ثانية تقول: ان جبير المؤتفكي وجد بالقرب منها مغارةً على شاطىء البحر فيها تابوت من نحاس، ففتحة فوجد فيه تابوتاً من فضة، ففتحه فإذا فيه درج من حجر الماس، ففتحه فإذا فيه مكحلة من ياقوتهٍ حمراء مرودها عرق زبرجد أخضر، فدعا بعض غلمانه فكحل إحدى عينيه بشيء مما كان تلك المكحلة فعرف مواضع الكنوز، ونظر إلى معادن الذهب ومغاص الدرر، فاستعان بذلك على بناء الإسكندرية ..إلى غير ذلك من الأساطير التي ترسمها مخيلة القصاصين.

ولقد كان الركبان الذين يقصدون الإسكندرية يتحدَّثون بهذا وأمثاله، يسلون به أنفسهم سيما إذا كان سفرهم عن طريق البحر فإن ذلك يشغلهم عن تذكر البحر وأهواله ... ولكن ماذا يعني سلمان من ذلك كله فهو يسمع ما يروونه عن الإسكندرية لكنه لا يلتفت إلى مايقولون، ولا يعبأ  بما يتحدثون، بل كل همه وتفكيره منصبان على كيفية اللقاء بالراهب الذي سيصل إليه، وكيف سيكون معه، وهل سيرته كسيرة صاحبيه.

وصل سلمان إلى الاسكندرية، وسأل عن الراهب الذي أخذ إسمه ومواصفاته من سلفه الراحل، واستدل على مكانه، فوصفوا له صومعةً كان يقطن فيها شأن غيره من الرهبان فلما وصل إليها وقف خارجها وتكلم بكلمات مالبث بعدها أن أطل الراهب عليه، ونظر سلمان إليه فوجد فيه مثل ما وجد في صاحبيه من الهدى والصلاح والزهد فاطمأن به المكان بعد أن رحب به الراهب اجمل ترحيب وأبلغه سلمان سلام سلفه الراحل وسلمه اللوح.

وبقي سلمان معه مدةً من الزمن، وكانت الأيام تمر سراعاً، والسنين تتوالى والبشارة تقترب.

ومرض الراهب مرض الموت، واستمر به المرض حتى إذا إحتضر إلتفت إلى سلمان قائلاً: «إني ميّت!» وكأنة ينظر منه سؤالاً ليجيبه عليه، وهنا بادره سلمان قائلاً له: «فعلى من تخلفني؟»

قال الراهب: لا أعرف أحداً على طريقتي، وما بقي أحد أعلمه على دين عيسى بن مريم في الأرض، وقد اظلك زمان نبي يبعث بأرض العرب، إن محمد بن عبد الله بن عبد الله بن عبد المطلب قد حانت ولادته، فإذا بلغك أنه قد خرج، فانه النبي الذي بشر به عيسى صلوات الله وسلامه عليهما، وآية*ذلك: أن بين كتفيه خاتم النبوة، وأنه ياكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فان أتيته فاقرأه السلام، وادفع إليه هذا اللوح.

ثم أغمض الراهب الصالح عينيه مسلِّماً الروح إلى بارئها فقام سلمان بتجهيزه ودفنه.

 

الهجرة الى الحجاز:

غادر سلمان الدير حاملاً بيده اللوح، ووقف حائراً كيف يصنع إنه يريد ارض تهامة وحب النبي الموعود قد نبت عشقاً في قلبه، وفي الاثناء رأى ركبان يقصدون أرض الحجاز فخاطبهم قائلاً: ياقوم، اكفوني الطعام والشراب أكفكم الخدمة..

وهكذا سار سلمان معهم يخدمهم في رحلتهم تلك ويهيء لهم ما يحتاجون فلما صار وقت الطعام عمدوا الى شاة فقتلوها بالضرب، ثم أخذوا لحمها وجعلوا بعضه كباباً وبعضه شواء واخذوا ياكلون، اما هو فلم يعجبه هذا الامر فجلس ناحية ولفت انتباههم ذلك فقالوا له كل، لكنه رفض وقال: «اني غلام ديراني، والديرانيون لا يأكلون اللحم».

ووجد خلاف ما كان يتوقع فالذي ظهر ان القوم يكرهون الاديرة فقاموا وضربوا سلمان وكادوا يقتلونه، فقال احدهم امسكوا عنه حتى ياتيكم الشراب فانه لايشرب.

جاء الشراب فقالوا لسلمان: إشرب، فرفض ولم يشرب، وقال: إني غلام ديراني الديرانيون لا يشربون الخمر.

وهنا شدو عليه ضرباً وارادوا قتله فقال لهم: «لا تضربوني فاني أقرلكم بالعبودية فأقررت لواحد منهم فأخرجني وباعني بثلاثمائة درهم من رجل يهودي».

وحين سأله الذي اشتراه عن قصته وحدثه سلمان بها ولما سمع اليهودي باسم الرسول الاعظم قال له: (اني ابغضك وابغض محمداً).

قال سلمان: ثم أخرجني خارج الدار وإذا رمل كثير على بابه، فقال: والله يا روزبة، لئن أصبحت ولم تنقل هذا الرمل كله من هذا الموضع لأقتلنك.!

وحار سلمان في أمره وهو يسمع تهديد سيده، فلم يدر ما يفعل، أنىّ له بنقل تلًّ من الرمل في فترة قصيرة من الزمان، وشعر أن الرجل يريد الإنتقام منه بإيجاد وسيلة لذلك.

 

كرامة من الله:

قال: فجعلت أحمل طول ليلتي، فلما أجهدني التعب رفعت يدي إلى السماء وقلت: يا ربي انك حبَّبت محمداً إليّ، فبحق وسيلته عجل فرجي، وأرحني مما أنا فيه.

فبعث الله ريحاً قلعت ذلك الرمل من مكانه إلى المكان الذي قال عنه اليهودي، فلما أصبح نظر إلى الرمل نقل، ودهش لما رأى وخيّل إليه أنه ضرب من السحر، فقال مخاطباً سلمان:

يا روزبة، أنت ساحر وأنا لا أعلم، فلأخرجنك من هذه القرية لئلا تهلكها!.

ونفذ اليهودي قوله، فأخرجني فباعني لإمرأةٍ سلمية، فأحبتني حباً شديداً، وكان لها حائط بستان فقالت: هذا الحائط لك، كل منه ماشئت، وتصدق بما شئت.

مكث سلمان مع هذه المرأة فترةً طويلة يدير لها شؤون بستانها يسقي الزرع، ويؤبر النخل وما إلى ذلك بكل أمانةٍ وإخلاص، ويدعو الله بين الحين والحين بقرب الفرج واللقاء بالنبي الموعود صلى الله عليه وآله.

 

اللقاء بالرسول الاعظم:

قال: فبقيت في ذلك الحائط ما شاء الله، فبينا انا ذات يوم في الحائط وإذا بسبعة رهط قد أقبلوا تظلهم غمامة، فقلت في نفسي: والله ما هؤلاء كلهم أنبياء، وإن فيهم نبياً.

لقد كان هؤلاء النفر هم: محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب والحمزة بن عبد المطلب وعقيل ابن أبي طالب وزيد بن حارثه والمقداد، وأبو ذر الغفاري، وكانت الصفات الظاهرية للرسول تميزة عما سواه، فكان وسيم الطلعة ربعةً في الرجال ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير المتردد، ضخم الرأس، ذا شعر رجل شديد سواده، مبسوط الجبين فوق حاجبين سابغين منَّونين متلين، واسع العينين أدعجهما تشوب بياضهما في الجوانب حمرة خفيفة وتزيد في قوة جاذبيتهما أهداب طوال حوالك، مستوى الأنف دقيقة، مفلج الاسنان كث اللحية، وطويل العنق جميله، عريض الصدر، رحب الساحتين، أزهر اللون، شثن الكفين والقدمين يسر ملقياً جسمه الى الإمام، إذا مشى كأنما ينحدر من صبب، وإذا قام كأنما ينقلع من صخر، وإذا التفت التفت جميعاً.

نظر إليه سلمان، فرآه مميزاً عن باقي أصحابه، ولكن هذا لا يكفي، المهم العلامات الثلاث: لا يأكل الصدقة، ويأكل الهدية، وفي كتفيه خاتم النبوة..

 

التأكد من العلامات:

لقد حان وقتها .. دخل الرسول صلى الله عليه وآله ومن معه إلى ذلك البستان، فجعل أصحابه يتناولون من حشف النخل، والرسول يقول لهم: كلوا ولا تفسدوا على القوم شيئاً.

وهنا اغتنم سلمان الفرصة التي قيضها الله له، والتي كانت بداية خلاصه والتحاقه بركب الإسلام، فأقبل إلى مولاته مستميحاً إياها أن تهبه قليلاً من الرطب قائلاً: «هبي لي طبقاً من الرطب».

وكانت المرأة كما ذكرنا تحبه حباً شديداً فقالت له لك ستة أطباق! قال: فحملت طبقاً فقلت في نفسي إن كان فيهم نبي فانه لا يأكل الصدقة ويأكل الهدية، فوضعته بين يديه فقلت: هذه صدقة.

فقال الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلوا، وأمسك هو وعليٌ وأخوه عقيل وعمه حمزة.

فقلت في نفسي: هذه علامة!

فذهبت إلى مولاتي فقلت: هبي لي طبقاً آخر، قالت: لك ستة أطباق! فحملتُ طبقاً ووضعته بين يديه وقلت: هذه هدية.

فمدّ النبي صلى الله عليه وآله يده وقال: بسم الله، كلوا، ومدّ القوم جميعاً أيديهم فأكلوا، فقلت في نفسي هذه أيضاًَ علامة أخرى.

قال: ورجعت إلى خلفه وجعلت أتفقد خاتم النبوة، فحانت من النبي صلى الله عليه وآله إلتفاتة فقال: يا روزبة؛ تطلب خاتم النبوة!؟.

قلت: نعم.

فكشف عن كتفية فإذا بخاتم النبوة معجون بني كتفيه عليه شعرات!، فسقطت على قدميه أقبِّلهما..

 

سلمان والإسلام:

هو اول الاركان الأربعة والمخصوص بشرافة (سلمان منا أهل البيت) والمنخرط في سلك بيت النبوة والعصمة، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله في فضله: «سلمان بحر لا ينزف، وكنز لا ينفذ، سلمان منا أهل البيت سلسل يمنح الحكمة ويؤتي البرهان» وجعل أمير المؤمنين عليه السلام مثله مثل لقمان بل جعله الصادق عليه السلام أفضل من لقمان وقال الباقر عليه السلام: «كان سلمان من المتوسمين» يستفاد من الروايات أنه علم الإسم الأعظم وإنه من المحدَّثين بالفتح، وإن الإيمان عشر درجات وهو في العاشرة وكان عالماً بالغيب والمنايا، وتناول في الدنيا من تحف الجنة، وكانت الجنة تحبه وتشتاق إليه وأن الله ورسوله يحبانه وأن الله أمر رسوله صلى الله عليه وآله إن يحب أربعة أشخاص منهم سلمان وقد وردت آيات في مدحه ومدح أقرانه.

 

علم سلمان:

وكان جبرئيل كلّما ينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله يبلغه سلام الله تعالى على سلمان والله أمر بتعليمه علم المنايا والبلايا والأنساب وكان سلمان يخلو مع رسول الله صلى الله عليه وآله في أكثر الليالي.

وعلّمه رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما من مخزون العلم ومكنونه ما لا يقدر أحد على حمله إلا هو وبلغ مرتبة حتى قال الصادق عليه السلام فيه: «أدرك سلمان العلم الأول والعلم الآخر وهو بحر لا ينزح وهو منّا أهل البيت».

قال القاضي نور الله: كان سلمان طالباً للدين وساعياً بتحصيله منذ عنفوان شبابه وكان يتردد على علماء الأديان من اليهود والنصارى وغيرهم ويصبر على الشدائد والمصائب التي يتلقاها في هذا الطريق.

وقد خدم عشرة موالي فباعوه كلّهم الى أن إنتهى الأمر الى رسول الله صلى الله عليه وآله فاشتراه من اليهود وبلغت محبته وإخلاصه ومودته للنبي صلى الله عليه وآله حتى قال عنه صلى الله عليه وآله لبيان فريد عنايته به (سلمان منا أهل البيت) وانعم ما قيل:

كانت مودة سلمان له نسباً                 ولم يكن له بين نوح وابنه رحماً

 

سلمان والإمام الصادق:

روى الشيخ الجليل أبو جعفر الطوسي (نور الله مشهده) في كتابه الأمالي عن منصور بن بزرج أنه قال: قلت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام:

ما أكثر ما أسمع منك ذكر سلمان الفارسي فقال: لا تقل سلمان الفارسي ولكن قل: سلمان المحمدي، أتدري ما كثرة ذكري له؟

قلت: لا، قال: لثلاث خلال: أحدها إيثاره هوى أمير المؤمنين عليه السلام على هوى نفسه، والثانية حبه للفقراء وإختيارهم إياه على أهل الثروة والعدد والثالثة حبّه للعمل والعلماء، إنَّ سلمان كان عبداً صالحاً حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين.

 

التفاخر بالأنساب:

وروى أيضاً باسناده عن سدير الصيرفي عن الباقر عليه السلام أنّه:

كان سلمان جالساً مع نفر من قريش في المسجد فأقبلوا ينتسبون ويرفعون بأنسابهم حتى بلغوا سلمان فقال له عمر بن الخطاب: أخبرني من أنت؟ ومن أبوك؟ وما أوصلك؟

فقال: أنا سلمان بن عبد الله كنت ضالاً فهداني الله جل وعزّ بمحمد صلى الله عليه وآله وكنت عائلاً فأغناني الله بمحمد صلى الله عليه وآله وكنت مملوكاً فأعتقني الله بمحمد صلى الله عليه وآله، هذا نسبي وهذا حسبي يا عمر.

 

كرامته:

وفي الخبر أنه: دخل أبو ذر على سلمان وهو يطبخ قدراً له فبينما هما يتحدثان إذا إنكبت القدر على وجهها على الأرض فلم يسقط من مرقها ولا ودكها (الدسم) شيء فعجب من ذلك أبو ذر عجباً شديداً وأخذ سلمان القدر ووضعها على وجهها حالها الأول على النار ثانية وأقبلا يتحدّثان.

فبينما هما يتحدثان اذا انكبت القدر على وجهها فلم يسقط منها شيء من مرقها ولا ودكها، قال فخرج أبو ذر وهو مذعوراً من عند سلمان فبينا هو متفكر اذ لقى أمير المؤمنين عليه السلام ـ على الباب فقصّ عليه القصّة ـ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا ابا ذر أنّ سلمان لو حدثك بما يعلم لقلت: رحم الله قاتل سلمان، يا ابا ذر إنَّ سلمان باب الله في الأرض من عرفه كان مؤمناً ومن أنكره كان كافراً وإن سلمان منا أهل البيت.

 

الثانية الأخرى:

ودخل المقداد ذات يوم على سلمان فرأى عنده قدراً تفور من دون نار وحطب فقال لسلمان: يا ابا عبد الله إنَّ هذه القدر تفور من دون نار فرفع سلمان حصاة فجعلها تحت القدر فخرج منها النار كأنّها حطب فازداد فوران القدر، ثم قال سلمان للمقداد: اخلط ما في القدر قال: ليس عندي شيء كي اخلط به فادخل سلمان يده المباركة فيه وجعل يخوط ما في القدر وهي تفور ثم أخذ شيئاً مما في القدر بيده فتناوله ثم أعطى منه للمقداد، فتعجَّب من ذلك وذهب الى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره الخبر.

على أي حال؛ فقد كثرت الروايات في مدح سلمان وهي اكثر من أن تحصى.

 

الوفاة المحطة الأخيرة:

وتوفي في سنة 36هـ في المدائن وحضر أمير المؤمنين جنازته بطيّ الأرض فغسّله وكفّنه وصلى عليه ثم دفنه.

وفي رواية أنه: دخل وكشف الرداء عن وجهه فتبسّم سلمان الى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له مرحباً يا أبا عبد الله اذا لقيت رسول الله فقل له ما مرّ على أخيك من قومك، ثم أخذ في تجهيزه فلما صلى عليه كنا نسمع من أمير المؤمنين عليه السلام تكبيراً شديداً وكنت رأيت معه رجلين فقال أحدهما جعفر أخي والآخر الخضر عليه السلام، ومع كل واحد منهما سبعون صفاً من الملائكة في كل صف ألف ألف ملك، ثم رجع عليه السلام في تلك الليلة الى المدينة.

وقبر سليمان حالياً في المدائن في صحن كبير وهو مزار البادي والحاضر، وقد ذُكرت زيارته في هدية الزائرين ومفاتيح الجنان.