الرابع من صفر وصول سبايا آل الرسول مجلس الطاغية يزيد بن معاوية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

لما علم يزيد لعنه الله بوصول أهل بيت الحسين عليه السلام الى الشام زيّن القصر وجلس على كرسيه وأحضر أصحابه، ثم جاء ركب الاسارى مع الرؤوس حتى وقف امام باب دار الامارة منتظرين الاذن، فأوّل من أذن له زحر بن قيس ـ حامل رأس الحسين عليه السلام ـ فدخل على يزيد، فسأله: ما وراؤك وما عندك؟

فقال: أبشر بفتح الله ونصره، ورد علينا الحسين بن عليّ في ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته، فسرنا اليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الامير عبيد الله بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال على الاستسلام، فعدونا عليهم مع شروق الشمس فاحطنا بهم من كّل ناحية حتى اذا اخذت السيوف مأخذها من هام القوم، جعلوا يهربون الى غير وزر ويلوذون منّا بالآكام والحفر لواذاً كما لاذ الحمائم من صقر.

فوالله يا امير المؤمنين ما كان الا جزر جزور أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجردة وثيابهم مرملة وخدودهم معفرة تصهرهم الشموس وتسفي عليهم الرياح، زوارهم العقبان والرخم.

فاطرق يزيد هنيئة ثم رفع رأسه وقال: قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، اما لو أنّي كنت صاحبه لعفوت عنه (فرحم الله الحسين).

 

خسران الدنيا والآخرة:

وقيل انّه: لما قص زحر القصة على يزيد قال يزيد، قد زرع ابن زياد بذر عداوتي في قلوب الناس، فلم يصل زحراً بشيء واخرجه من عنده، وهذه معجزة من سيد الشهداء عليه السلام حيث قال لزهير بن القين في طريقه الى كربلاء: ويحمل هذا من جسدي ـ يعني رأسه ـ زحر بن قيس فيدخل على يزيد ويرجو نائله فلا يعطيه شيئاً، كما ذكرها محمد بن جرير الطبري.

 

مخفر في مجلس يزيد:

ثم دخل مخفر بن ثعلبه ورفع صوته: هذا مخفر بن ثعلبه أتى امير المؤمنين باللئام الفجرة، فأجابه عليّ بن الحسين عليه السلام: ما ولدت أم مخفر أشر والأم.

وفي رواية ابن نما ـ رحمه الله ـ انّ يزيد هو الذي اجابه بذلك، ولعل هذا أولى لانّ عليّ بن الحسين عليه السلام قلّ ما تكلم مع هؤلاء الكفرة الفجرة.

وقد قال الشيخ المفيد ـ رحمه الله ـ انّه: ولم يكن عليّ بن الحسين يكلم احداً من القوم الذين معهم الرأس في الطريق كلمة.

 

يزيد والثأر:

وقول يزيد ذلك اعلاماً للناس واقناعاً لهم بأنه لم يرتض قتل الحسين ـ عليه السلام ـ ولم يأمر بقتله وقد قال جمع من أهل التاريخ انّه: كان يزيد حينما قدم ركب الاسارى الشام، في منظر قصر جيرون، فلما رأى الرؤوس من بعيد أنشد البيتين طرباً ونشاطاً:

لما بدت تلك الحمول وأشرقت

                                 تلك الشموس على ربى جيرون

نعب الغراب فقلت صح أو لا تصح

                                  فلقد قضيت من الغريم ديوني

وكان غرضه لعنه الله أخذ الثأر من رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قتل اجداده في معركة بدر كما صرح بهذا المطلب في انشاده  لما دخلت عليه الرؤوس:

قد قتلنا القرم من ساداتهم   وعدلنا قتل بدر فاعتدل

ثم وضعوا رأس الحسين عليه السلام الشريف في طست من ذهب وجاءوا به الى يزيد وهو في سكره كعادته فلما رأى الرأس الشريف فرح وقال:

يا حسنه يلمع باليدين                 يلمع في طست من اللجين

كأنما حف بوردتين                 كيف رأيت الضرب ياحسين

شفيت غلي من دم الحسين                ياليت من شاهد في الحنين

يرون فعلي اليوم يالحسين

قال الشيخ المفيد: ولما وضعت الرؤوس بين يدي يزيد وفيها رأس الحسين عليه السلام قال يزيد:

نفَلّقُ هاماً من رجالٍ أعزّةٍ            علينا وهُم كانوا أعقّ وأظلما

 

إعتراض:

فقال يحيى بن الحكم أخو مروان بن الحكم وكان جالسنا مع يزيد:

لهامٌ بأدنى الطّف أدنى قرابة        من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغلُ

أميّة أمسى نسلها عدد الحصى             وبنتُ رسول الله ليس لها نسل

فضرب يزيد بيده في صدر يحيى وقال: اسكت.

 

إستهزاء يزيد:

قال الرضا عليه السلام: «لما حمل رأس الحسين عليه السلام الى الشام امر يزيد لعنه الله فوضع ونصب عليه مائدة، فأقبل هو لعنة الله وأصحابه يأكلون ويشربون الفقاع، فلما فرغوا أمر بالرأس فوضع في طست تحت سريره وبسط عليه رقعه الشطرنج وجلس يزيد عليه اللعنه يلعب بالشطرنج ويذكر الحسين واباه وجدّه صلوات الله عليهم ويستهزيء بذكرهم، فمتى قمر صاحبه تناول الفقاع فشربه ثلاث مرات، ثم صب فضلته مما يلي الطست من الارض.

فمن كان من شيعتنا فليتورع عن شرب الفقاع واللعب بالشطرنج فليذكر الحسين عليه السلام وليلعن يزيد وآل زياد، يمحو الله بذلك ذنوبه ولو كانت بعدد النجوم».

وفي كامل البهائي عن كتاب الحاوية: انّ يزيد شرب الخمر وصب منها على الرأس الشريف، فأخذته امرأة يزيد وغسلته بالماء وطيبته بماء الورد فرأت تلك الليلة في منامها سيدة النساء فاطمة الزهراء عليه السلام وهي تعتذر اليها بحسن صنيعها.

 

الإمام زين العابدين عليه السلام ويزيد:

على أي حال، ادخلوا الرؤوس عليه مع أهل البيت عليهم السلام وهم موثقون بالاغلال وفي عنق الإمام زين العابدين عليه السلام الجامعة فلما رأى يزيد تلك الهيئة قال: قبح الله ابن مرجانه لو كانت بينكم وبينه قرابة ورحم ما فعل هذا بكم ولا بعث بكم على هذه الحالة.

قال الشيخ ابن نما رحمه الله: قال عليّ بن الحسين عليه السلام: أدخلنا على يزيد ونحن اثنا عشر رجلاً مغلّلون فلما وقفنا بين يديه قلت: أتأذن لي في الكلام؟

فقال: قل ولا تقل هجراً، قلت: لقد وقفت موقفاً لا ينبغي لمثلي أن يقول الهجر، ما ظنّك برسول الله صلى الله عليه وآله لو رآني في غل فقال لمن حوله: حلّوه.

وقالت فاطمة بنت الحسين عليه السلام: كيف يجرأ أحد على أخذ بنات رسول الله أسرى؟ فبكى من كان في المجلس عند سماعهم لهذا الكلام وارتفع صوت البكاء والنحيب من بيت يزيد.

 

رواية القمي:

روى الشيخ الجليل على بن ابراهيم القمي عن الصادق عليه السلام قال: لما أدخل رأس الحسين بن عليّ عليه السلام على يزيد لعنه الله وأدخل عليه عليّ بن الحسين عليه السلام وبنات امير المؤمنين عليهن السلام وكان عليّ بن الحسين مقيداً مغلولاً، فقال يزيد لعنه الله: يا عليّ بن الحسين، الحمد الله الذي قتل أباك، فقال علي بن الحسين عليه السلام، لعن الله من قتل أبي.

قال: فغضب يزيد وأمر بضرب عنقه عليه السلام فقال عليّ بن الحسين عليه السلام: فاذا قتلتني فبنات رسول الله من يردهم الى منازلهم وليس لهم محرم غيري.

 

فك القيود:

فقال: أنت تردهم الى منازلهم، ثم دعا بمبرد فأقبل يبرد الجامعة عن عنقه بيده: ثم قال له: يا عليّ أتدري ما الذي أريد بذلك؟ قال: بلى تريد أن لا يكون لأحد عليّ منة غيرك، فقال يزيد: هذا والله ما أردت، ثم قال يزيد: يا عليّ بن الحسين: «وَمَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ».

فقال عليّ بن الحسين عليه السلام كلا ماهذه فينا نزلت، انما نزلت فينا:

(مَا أَصَابَ مِن مُصِيَبةٍ فِي الْأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ«22» لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى‏ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ).

فنحن الذين لا نأسا على ما فاتنا ولا نفرح بم آتانا منها.

 

مواقف محزنة:

ثم وضع رأس الحسين عليه السلام بين يديه وأجلس النساء خلفه لئلا ينظرون اليه، فرآه عليّ بن الحسين عليه السلام فلم يأكل من رأس الغنم بعد ذلك أبداً، واما زينب فانها لما رأته أهوت الى جيبها فشقته ثم نادت بصوت حزين يقرع القلوب: ياحسيناه ياحبيب رسول الله يابن مكة ومنى يا بن فاطمة الزهراء سيدة النساء يا بن بنت المصطفى، فابكت كل من كان في المجلس ويزيد عليه لعائن الله ساكت.

ومما يزيل القلب عن مستقرها           ويترك زند الغيظ في الصدر واريا

وقوف بنات الوحي عند طليقها             بحال بها يشجين حتى الاعاديا

ثم جعلت امرأة من بني هاشم كانت في دار يزيد تندب الحسين عليه السلام وتنادي: ياحبيباه ياسيد أهل بيتاه، يا بن محمداه يا ربيع الارامل واليتامى ياقتيل اولاد الادعياء.

فابكت كل من سمعها ولكن يزيد اللعين لم يتأثر، بل دعا بقضيب من خيزران، فجعل ينكتُ به ثنايا الحسين عليه السلام وأخذ يقول:

ليت أشياخي ببدر شهدوا               جزع الخزرج من وقع الأسل

لا هلوا واستهلوا فرحاً                  ثم قالوا يا يزيد لا تشل

 

شجاعة الموقف:

فلما رأى أبو برزة الأسلمي ذلك وقد كان صحابي رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ويحك يا يزيد أتنكت بقضيبك ثغر الحسين بن فاطمة، اشهد لقد رأيت النبي صلى الله عليه وآله يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن ويقول:

«انتما سيدا شباب أهل الجنة فقتل الله قاتلكما ولعنه وأعد له جهنم وساءت مصيراً».

فغضب يزيد وأمر فأخرج، فأخرج سحباً

 

الخطبة التأريخية:

ثم قامت زينب بنت عليّ بن أبي طالب عليها السلام فقالت:

الحمد الله ربّ العالمين وصلى الله على رسوله وآله أجمعين صدق الله سبحانه كذلك يقول: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوء‏ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ) الروم: الآية 11.

أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا اقطار الارض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الاسارى أن بنا على الله هواناً وبك عليه كرامة وأنّ ذلك لعظم خطرك عنده؟ فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسروراً حيث رأيت الدنيا لك مستوثقة والامور متسقة وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا.

فمهلاً مهلاً أنسيت قول الله عزوجل: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ).

أمن العدل يا بن الطلقاء تخديرك حرائرك وآمائك وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدو بهن الاعداء من بلد الى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد والدني والشريف، ليس معهنّ من رجالهن ولي ولا من حماتهن حمي، وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الازكياء ونبت لحمه من دماء الشهداء وكيف لا يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر الينا بالشنف والشنآن والاحن والاضغان، ثم نقول غير متأثم ولا مستعظم:

لا هلوا واستهلوا فرحاً   ثم قالوا يا يزيد لا تشل

منتحياً على ثنايا ابي عبد الله سيد شباب أهل الجنة، تنكتها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة باراقتك دماء ذريّة محمد صلى الله عليه وآله ونجوم الارض من آل عبد المطلب، وتهتف بأشياخك زعمت انك تناديهم، فلتردنّ وشيكاً موردهم ولتودنّ انّك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت.

 

دعاء:

اللهم خذ لنا بحقنا وانتقم ممن ظلمنا واحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا، فو الله ما فريت الّا جلدك ولا حززت الّا لحمك ولتردن على رسول الله صلى الله عليه وآله بما تحملت من سفك دماء ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).

وحسبك بالله حاكماً، وبمحمد خصيماً، وبجبرئيل ظهيراً، وسيعلم من سوّل لك ومكنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلاً وأيّكم شرّ مكاناً وأضعف جنداً.

 

توبيخ وإستحقار:

ولئن جرت عليّ الدواهي مخاطبتك انّي لا ستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك، لكنّ العيون عبرى والصدور حرّى، ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الايدي تنطف من دمائنا والأفواه تتحلّب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل وتعفوها أمّهات الفراعل.

ولئن اتخذتنا مغنماً لتجدنا وشيكاً مغرماً حين لا تجد الّا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد، فالى الله المشتكى وعليه المعول، فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فو الله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا تدرك امدنا ولا تدحض عنك عارها، وهل رأيك الّا فند وأيامك الّا عدد وجمعك الابدد، يوم ينادي المنادي: ألا لعنة الله على الظالمين.

 

حمد وشكر:

فالحمد الله رب العالمين الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل له الثواب ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة انّه رحيم ودود وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

غضب يزيد:

فعظم على يزيد كلام زينب عليها السلام واستشاط غضباً وأراد أن يلفّق لنفسه عذراً فأشار الى أنّ النوائح يقلن شعراً، وهذا القسم من الكلام يغفر لهنّ ولا يعاقبن عليه فقال لعنه الله:

يا صيحة تحمد من نوائح                     ما أهون النوح على النوائح

 

إستشارة:

ثم استشار أهل الشام فيما يصنع بهم، فأشاروا عليه بقتلهم وقالوا له الكلمة الخبيثة التي طويت كشحاً عن نقلها، فقال النعمان بن بشير: انظر ما كان الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ يصنع بهم فاصنعه بهم.

 

كلام الإمام الباقر في مجلس يزيد:

قال المسعودي(في اثبات الوصية): فابتدر أبو جعفر (الباقر) عليه السلام الكلام ـ وكان عمره الشريف آنذاك سنتان وأشهر ـ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال ليزيد:

لقد أشار عليك هؤلاء بخلاف ما أشار جلساء فرعون عليه حيث شاورهم في موسى وهارون فانهم قالوا له: «أرجه وأخاه» وقد اشار هؤلاء عليك بقتلنا لهذا سبب.

فقال يزيد: ما السبب؟ فقال: انّ هؤلاء كانوا لرشدة (ابناء الحلال) وهؤلاء لغير رشدة (أولاد زنا) ولا يقتل الانبياء وأولادهم الّا أولاد الأدعياء، فأمسك يزيد مطرقاً.

 

فاطمة بنت الحسين:

قال السيد والمفيد: قالت فاطمة بنت الحسين عليها السلام: لما جلسنا بين يدي يزيد رقّ لنا، فقام اليه رجل من أهل الشام أحمر، فقال: يا امير المؤمنين هب لي هذه الجارية (يعنيني) وكنت جارية وضيئة، فأرعدت وظننت انّ ذلك جائز لهم، فأخذت بثياب عمّتي وكانت تعلم انّ ذلك لا يكون، فقلت: أوتمتُ وأُستخدم؟ (أي صرت يتيمة ثم أصبح خادمة؟)

فقالت عمّتي للشامي: كذبت والله ولؤمت والله ما ذلك لك ولا له، فغضب يزيد وقال: كذبت والله انّ ذلك لي ولو شئت ان أفعل لفعلت، قالت: كلاّ والله ما جعل الله لك ذلك الّا أن تخرج من ملّتنا وتدين بغيرها.

فاستطار يزيد غضباً وقال: ايّاي تستقبلين بهذا؟ انّما خرج من الدين أبوك وأخوك، قالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي اهتديت أنت وأبوك وجدّك ان كنت مسلماً، قال: كذبت يا عدوة الله، قالت: أنت أمير تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك، فكأنّه استحيا وسكت.

 

قتل الشامي:

وعاد الشامي فقال: هب لي هذه الجارية، فقال له يزيد: اعزب وهب الله لك حتفاً قاضياً، فقال الشامي: من هذه الجارية؟ فقال يزيد: هذه فاطمة بنت الحسين وتلك زينب بنت عليّ بن أبي طالب، فقال الشامي: الحسين بن فاطمة وعليّ بن أبي طالب؟ قال: نعم، قال الشاميّ: لعنك الله يا يزيد تقتل عترة نبيك وتسبي ذريته، والله ما توهّمت الّا انهم سبي الروم، فقال يزيد: والله لأ لحقنك بهم ثم أمر به فضرب عنقه.

 

في خربة الشام:

قال الشيخ المفيد: ثم أمر يزيد بالنسوة أن ينزلن في دار مستقلة جانبية معهنّ أخوهنّ عليّ بن الحسين عليه السلام فافرد لهم دار تتصل بدار يزيد، لا يكنهم (يحميهم) من حر ولا برد، فأقاموا به حتى تقشرت وجوههم، وكانوا مدة اقامتهم في البلد ينوحون على الحسين عليه السلام.

وفي رواية انّه: لما قتل الحسين عليه السلام لم يبق ببيت المقدس حصاة الّا وجد تحتها دم عبيط.

 

صلب الرأس الشريف:

وحكي أن يزيد لعنه الله أمر بأن يصلب الرأس على باب داره وأمر باهل بيت الحسين عليه السلام ان يدخلوا داره، فلما دخلت النسوة دار يزيد لم يبق من آل معاوية ولا آل أبي سفيان أحد الّا استقبلهن بالبكاء والصراخ والنياحة على الحسين عليه السلام وألقين ما عليهن من الثياب والحليّ وأقمن المأتم عليه ثلاثة أيام، وخرجت هند بنت عبد الله بن عامر زوجه يزيد ـ وكانت قبل ذلك تحت الحسين عليه السلام ـ وجاءت الى مجلس يزيد ـ وكان الملعون جالساً في مجلس عام، فقالت: يايزيد أرأس ابن فاطمة بنت رسول الله مصلوب على فناء داري؟ فوثب اليها يزيد فغطاها وقال: نعم فأعولي عليه يا هند وأبكي على ابن بنت رسول الله وصريخة قريش، عجل عليه ابن زياد لعنه الله فقتله قتله الله.

 

في جامع الشام:

قال العلامة المجلسي في جلاء العيون بعد ذكره لحكاية الشامي الأحمر: ثم أمر يزيد أهل البيت عليهم السلام الى السجن وأخذ زين العابدين عليه السلام معه الى المسجد، ثم دعا الخطيب وأمره ان يصعد المنبر، فصعد وبالغ في ذمّ امير المؤمنين والحسين الشهيد عليه السلام والمدح لمعاوية ويزيد فصاح به عليّ بن الحسين عليه السلام: ويلك أيهّا الخاطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق فتبوّأ مقعدك من النار.

ثم قال عليّ بن الحسين عليه السلام: يا يزيد ائذن لي حتى أصعد هذه الاعواد فأتكلّم بكلمات لله فيهن رضا، ولهؤلاء الجلساء فيهنّ أجر وثواب، فأبى يزيد عليه ذلك، فقال الناس: ياأمير المؤمنين أئذن له فليصعد المنبر فلعلّنا نسمع منه شيئاً.

فقال يزيد: أنّه ان صعد المنبر لم ينزل الّا بفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان، فقيل له: يا أمير المؤمنين وما قدر ما يحسن هذا؟ فقال: أنّه من أهل بيت قد زقوا العلم زقًاً، فلم يزالوا به حتى أذن له فصعد المنبر.

 

خطبة عصماء:

فحمد الله وأثنى عليه ثم خطب خطبة أبكى منها العيون وأوجل منها القلوب.

ثم قال: أيّها الناس أعطينا ستاً وفضّلنا بسبع: أعطينا العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة، والمحبة في قلوب المؤمنين، وفُضّلنا بأنّ منّا النبي المختار محمداً، ومنّا الصدّيق، ومنا الطيّار، ومنّا أسد الله وأسد رسوله، ومنّا سبطا هذه الامة، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي.

أيّها الناس أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا، أنا ابن خير من أئتزر وارتدى ... فذكر جميع مفاخره ومدائح أبائه ـ الى ان قال: ـ

انا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيدة النساء، فلم يزل يقول أنا أنا حتى ضجّ الناس بالبكاء والنحيب وخشي يزيد لعنه الله أن يكون فتنة، فأمر المؤذّن فقطع عليه الكلام ـ ولم يكن في وقت أذان ـ، فلمّا قال المؤذن: الله اكبر، الله اكبر، قال عليّ: لا شيء اكبر من الله، فلما قال: أشهد أن لا اله الّا الله، قال عليّ بن الحسين:شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي، فلما قال المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله، التفت من فوق المنبر الى يزيد فقال/ محمدٌ هذا جديّ أم جدّك يا يزيد؟ فان زعمت انّه جدّك فقد كذبت، وان زعمت انّه جدي فلم قتلت عترته؟

فلم يجبه شيئاً، فقام وشرع بالصلاة لعنه الله وأخزاه.

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين.