غرة شهر صفر ذكرى ورود سبايا أهل البيت عليهم السلام الشام

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على اعدائهم اجمعين الى قيام يوم الدين...

وبعد: قال الشيخ الكفعمي والشيخ البهائي وغيرهما: أُدخل رأس الحسين عليه السلام الى دمشق في الأول من شهر صفر، ـ  وهو عيد عند بني امية ـ وتتجدد فيه الاحزان.

قلت: ويحق أن يقال:

كانت مآتم بالعراق تعدها           أمية بالشام من أعيادها

 

الشمر وحرم الرسول:

روى السيد ابن طاووس رحمه الله انّه: سار القوم برأس الحسين ونسائه والأسرى من رجاله فلما قربوا من دمشق دنت أم كلثوم من الشمر (لعنه الله) وكان من جملتهم، فقالت له: لي إليك حاجة، فقال: ما حاجتك؟ قالت: اذا دخلت بنا البلدَ فاحملنا في درب قليل النظَّّارة، وتقدم اليهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحّونا عنها فقد خزينا من كثرة النظر الينا ونحن في هذه الحال.

فأمر في جواب سؤالها أن يجعل الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل بغياً منه وكفراً، وسلك بهم بين النظارة على تلك الصفّة حتى أتى بهم باب دمشق فوقفوا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبي.

 

سهل بن سعد الساعدي:

روى المجلسي في جلاء العيون نقلاً عن بعض كتب المناقب القديمة عن سهل بن سعد انّه قال:

خرجت الى بيت المقدس حتى توسطت الشام فاذا أنا بمدينة مطرّدة الانهار، كثيرة الاشجار قد علقوا الستور والحجب والديباج، وهم فرحون مستبشرون وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول، فقلت في نفسي: لا نرى لأهل الشام عيداً لا نعرفه نحن، فرأيت قوماً يتحدثون فقلت: ياقوم لكم بالشام عيد لا نعرفه نحن؟ قالوا: ياشيخ نراك اعرابياً.

فقلت: أنا سهل بن سعد قد رأيت محمداً صلى الله عليه وآله قالوا: ياسهل ما أعجبك السماء لا تمطر دماً والارض لا تنخسف بأهلها؟ قلت: ولم ذلك؟ قالوا: هذا رأس الحسين عليه السلام عترة محمد صلى الله عليه وآله يهدى من أرض العراق.

فقلت واعجباه يهدى رأس الحسين والناس يفرحون؟ قلت: من أي باب يدخل؟ فأشاروا الى باب يقال له باب الساعات، فبينما أنا كذلك حتى رأيت الرايات يتلو بعضها بعضاً فإذا نحن بفارس بيده لواء منزوع السنان عليه رأس من أشبه الناس وجهاً برسول الله صلى الله عليه وآله فاذا أنا من ورائه رأيت نسوة على جمال بغير وطاء.

 

سعد والآل:

فدنوت من اولادهم، فقلت: ياجارية من أنت؟ فقالت: أنا سكينة بنت الحسين، فقلت لها: ألك حاجة اليّ؟ فأنا سهل بن سعد ممن رأى جدّك وسمع حديثه، قالت: ياسهل قل لصاحب هذا الرأس أن يقدم الرأس أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر اليه ولا ينظروا الى حرم رسول الله صلى الله عليه وآله، قال سهل: فدنوت من صاحب الرأس فقلت له: هل لك أن تقضي حاجتي وتأخذ منّي اربعمائة دينار؟ قال: ماهي؟ قلت: تقدم الرأس امام الحرم، ففعل ذلك فدفعت اليه ما وعدته.

وفي رواية ابن شهر أشوب انّه: فلما كان الغد أخرج الدراهم وقد جعلها الله حجارة سوداء مكتوب على أحد جانبيها:

«وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ » وعلى الجانب الاخر: «...وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ».

 

معجزة رأس الحسين عليه السلام:

روى القطب الراوندي عن منهال بن عمرو انّه قال: أنا والله رأيت رأس الحسين ـ عليه السلام ـ حُمل وأنا بدمشق وبين يديه رجل يقرأ الكهف حتى بلغ قوله: «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً».

فأنطق الله الرأس بلسان ذرب ذلق، فقال: أعجب من أصحاب الكهف قتلي وحملي.

 

الآل في جامع دمشق:

عندما نزل حريم النبوة في مسجد الجامع بدمشق وهو محل الاسرى، فجاء شيخ ودنا من نساء الحسين وعياله فقال: الحمد الله الذي قتلكم وأهلككم وأراح البلاد من رجالكم وامكن امير المؤمنين (يزيد) منكم، فقال له علي بن الحسين عليه السلام: يا شيخ هل قرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: فهل عرفت هذه الاية: «...قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى‏».

قال الشيخ: نعم، قد قرأت ذلك، فقال له علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ: فنحن القربى ياشيخ فهل قرأت هذه الآية: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى‏».

قال: نعم، قال علي ـ عليه السلام ـ: فنحن القربى ياشيخ وهل قرأت هذه الاية: «...إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا».

قال الشيخ: قد قرأت ذلك، فقال علي: فنحن أهل البيت الذين خصنا الله بآية الطهارة يا شيخ.

قال: فبكي الشيخ ساكناً نادماً على ما تكلم به وقال: بالله انّكم هم؟ فقال علي بن الحسين عليه السلام: تالله انا لنحن من غير شك وحقّ جدنا رسول الله انا لنحن هم، فبكى الشيخ ورمى عمامته ورفع رأسه الى السماء وقال: «اللهم إنّا نبرأ إليك من عدوّ آل محمد من جن وانس»

ثم قال: هل لي من توبة؟ فقال له: نعم، ان تبت تاب الله عليك وأنت معنا، فقال: أنا تائب، فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ فأمر به فقتل.

 

نحن سبايا آل محمد:

وروي عن الباقر عليه السلام ما مضمونه: انّه لما أدخل نساء واطفال سيد الشهداء عليه السلام الشام وكانوا على أقتاب الجمال بلا غطاء ولا ستر فقال رجل من أهل الشام: لم نر سبايا أحسن وجوهاً من هؤلاء فقالت سكينة: أيها الاشقياء نحن سبايا آل محمد صلى الله عليه وآله.

 

الشام عند وصول سبايا الرسول:

قال الشيخ الجليل والعالم الخبير الحسن بن عليّ الطبري، معاصر العلامة والمحقق، في كتابه كامل البهائي ـ الذي ألف قبل 660سنة ـ في ذكر ورود أهل بيت الحسين عليه السلام الشام:

كانوا يسيرون بأهل البيت منزلاً منزلاً حتى وصلوا الى منطقة تبعد أربعة فراسخ عن دمشق، ثم أوقفوا أهل البيت عليهم السلام على باب الشام ثلاثة أيام حتى يزينوا البلدة، فزينوها بكل حلية وزينة ومرآة كانت فيها، حتى لم تر عين مثلها، ثم استقبلهم من أهل الشام زهاء خمسمائة الف من الرجال والنساء مع الدفوف.

وخرج امراء الناس مع الطبول والصنوج والبرقات وكان فيهم الوف من الرجال والشبان والنسوان يرقصون ويضربون بالدف والصنج والطنبور وقد تزين جميع أهل الشام بالوان الثياب والكحل والخضاب وكان ذلك يوم الاربعاء في السادس عشر من شهر ربيع الاول، وكان خارج البلد من كثرة الخلائق كعرصة المحشر، يموج بعضها في بعض.

فلما ارتفع النهار ادخلوا الرؤوس البلد ووصلوا وقت الزوال الى باب دار يزيد بتعب شديد من كثرة الازدحام، ونصب ليزيد سرير مرصّع وزيّنت داره بانواع الزينة ونصب أطراف سريره كراسي من الذهب والفضة، فخرج حجّاب يزيد وأدخلوا الذين معهم الرؤوس، فلما دخلوا على يزيد قالوا: بعزّّة الامير قتلنا أهل بيت أبي تراب واستأصلناهم.

ثم شرحوا الاحوال ووضعوا الرؤوس عنده.

وفي هذه المدة التي كان أهل البيت عليهم السلام اسارى في أيديهم وهي ستة وستون يوماً لم يتمكن بشر أن يسلم عليهم.

 

شهادة اخرى:

ونقل ايضاً عن سهل بن سعد الساعدي انّه قال: بعدما حججت توجهت الى الشام قاصداً زيارة بيت المقدس فلما دخلت الشام رأيت الستور والحجب والديباج معلقاً فيها والناس فرحين مستبشرين، ورأيت جمعاً في المسجد عليهم هيأة الحزن والعزاء فسألت عنهم؟ قالوا: نحن شيعة أهل البيت عليهم السلام وهذا رأس الحسين عليه السلام قد أدخل البلد.

قال سهل: فخرجت الى الصحراء، فسمعت صهيل الخيل وصوت الطبول والدفوف والصنوج ورأيت كثرة الخلائق كعرصة المحشر يموج بعضها في بعض، ورأيت الرؤوس على الرماح ويتقدمها رأس العباس بن عليّ عليه السلام ورأيت رأس الامام الحسين عليه السلام، وله مهابة عظيمة ويشرق منه النور بلحية مدورة قد خالطها الشيب وقد خضبت بالوسمة، ادعج العينين أزج الحاجبين واضح الجبين أقنى الانف متبسماً الى السماء شاخصاَ ببصره الى نحو الافق، والريح تلعب بلحيته يميناً وشمالاً لكأنّه امير المؤمنين عليه السلام.

 

وصفٌ آخر:

وقال عمرو بن منذر الهمداني: رأيت ام كلثوم وكأنّي نظرت الى فاطمة الزهراء عليه السلام وعليها حرفة خلقة وخمار ونقاب، فدنوت وسلمت على زين العابدين عليه السلام وحريم النبوة، فقالوا لي: لو تمكنّت أن تعطي لهذا الرجل شيئاًكي ينحي رأس الحسين ـ عليه السلام ـ عنّا وتنصرف الانظار عنّا.

فذهبت الى حامل الرأس الشريف فأ عطيته مائة درهم كي يقدم الرٍأس عن ركب النساء، ففعل حتى وضع الرأس امام يزيد لعنه الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وإنا لله وإنا إليه راجعون وسيعلم الذين ظلموا ـ آل محمد ـ اي منقلبٍ ينقلبون.