السادس والعشرون من ذي القعدة ذكرى خروج الرسول الأعظم لأداء مناسك حجة الوداع وتبليغ الولاية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

السادس والعشرون من شهر ذي القعدة الحرام من السنة العاشرة للهجرة تحرك الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ومعه المسلمون من المدينة المنورة الى مكة المكرمة لأداء حجة الوداع ومراسم غدير خم، حيث أن رسول الله صلى الله عليه وآله أقام بالمدينة السنين العشر ولم يحج ثم أنزل الله عز وجل عليه: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى‏ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) الحج:27 فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم بأن رسول الله صلى الله عليه وآله يحج في عامه هذا، فعلم به من حضر المدينة وأهل العوالي والأعراب وأجتمعوا لحج رسول الله صلى الله عليه وآله، وإنما كانوا تابعين ينظرون ما يؤمرون ويتبعونه أو يصنع شيئاً فيصنعونه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في أربع بقين من ذي القعدة.

فلما انتهى الى ذي الحليفة زالت الشمس ثم أمر الناس بنتف الابط وحلق العانة والغسل والتجرد في أزارو رداء.

 

مسجد الشجرة:

فاغتسل ثم أتى المسجد الذي عند الشجرة فصلى فيه الظهر وعزم الحج مفرداً، وخرج حتى إنتهى الى البيداء عند الميل الأول، فصف له صماطان فلبى بالحج مفرداً وقال: (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك).

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يكثر من ذي المعارج وكان يلبي كلما لقي راكباً أو علا أكمه أو هبط واديا من آخر الليل وفي أدبار الصلاة وساق الهدي ستاً وستين أو أربع وستين وقيل مائة، حتى إنتهى الى مكة في سلخ أربع من ذي الحجة.

 

في مكة  المكرمة:

فلما انتهى الى باب المسجد استقبل الكعبة ـ وذكر سنان أنه باب بني شيبة ـ فحمد الله وأثنى عليه وصلى على أبيه إبراهيم ثم اتى الحجر فأستلمه فلما طاف بالبيت صلى خلف مقام إبراهيم عليه السلام ودخل زمزم فشرب منها ثم قال: (اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داءٍ وسقم).

فجعل يقول ذلك وهو مستقبل الكعبة ثم عاد الى الحجر فاستلمه، ثم خرج الى الصفا وقال: إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فأبدأ بما بدا الله تعالى به وإنّ المسلمين كانوا يظنون أن السعي بين الصفا والمروة شيء صنعه المشركون فأنزل الله عز وجل: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا...) البقرة:158 .

ثم أتى الصفا فصعد عليه وأستقبل الركن اليماني فحمد الله وأثنى عليه ودعا مقدار ما يقرأ سورة البقرة مترسلاً ثم إنحدر الى المروة فوقف عليها كما وقف على الصفا ثم إنحدر وعاد الى الصفا فوقف عليها ثم انحدر الى المروة حتى فرغ من سعيه.

 

الأمر بالإحلال:

فلما فرغ من سعيه وهو على المروة أقبل على الناس بوجهه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (إن هذا جبرئيل ـ وأومأ بيده الى خلفه ـ يأمرني أن آمر من لم يسق هدياً أن يحل ولو استقبلت من أمري ما أستدبرت لصنعت مثلما أمرتكم ولكني سقت الهدي ولا ينبغي لسائق الهدي أن يحل حتى يبلغ الهدي محله.

فقال له رجل من القوم: لنخرجن حجاجاً ورؤسنا وشعورنا تقطر، فقال له رسول الله: أما إنك لن تؤمن بهذا أبداً.

فقال له سراقة بن مالك بن جعشم الكناني: يا رسول الله علمنا ديننا كأننا خلقنا اليوم فهذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أم لما يستقبل؟

فقال له رسول الله: بل هو للأبد الى يوم القيامة ثم شبك أصابعه وقال: دخلت العمرة بالحج الى يوم القيامة.

 

وصول أمير المؤمنين علي عليه السلام:

وقدم علي عليه السلام من اليمن على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو بمكة فدخل على فاطمة عليها السلام، وهي قد أحلت فوجد ريحاً طيبة ووجد عليها ثياباً مصبوغة فقال: ما هذا يا فاطمة؟ فقالت: أمرنا بهذا رسول الله فخرج علي عليه السلام الى رسول الله صلى الله عليه وآله مستفتياً، فقال: يا رسول الله إني قد رأيت فاطمة وقد أحلت وعليها ثياب مصبوغة!! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: انا أمرت الناس بذلك فأنت يا علي بما أهلت؟ قال: يا رسول الله إهلالاً كاهلال النبي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله قرّ على إحرامك مثلي وأنت شريكي في هديي.

 

الإهلال بالحج:

وقال الصادق عليه السلام: ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة بالبطحاء هو وأصحابه ولم ينزل الدور فلما كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر الناس أن يغتسلوا ويهلّوا بالحج وهو قول الله عز وجل الذي أنزل على نبيه صلى الله عليه وآله: (...فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ...) آل عمران:95 .

فخرج الرسول صلى الله عليه وآله وأصحابه مهلّين بالحج حتى أتى منى فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخر والفجر.

ثم غدا والناس معه وكانت قريش تفيض من المزدلفة وهي جمع ويمنعون الناس أن يفيضوا منها، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وقريش ترجوا أن تكون افاضته من حيث كانوا يفيضون.

فأنزل الله تعالى: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ...) البقرة الآية:199 .

يعني إبراهيم واسماعيل وأسحاق عليهم السلام من أفاضتهم منها ومن كان بعدهم فلما رأت قريش أن قبة رسول الله صلى الله عليه وآله قد مضت كأنه دخل في أنفسهم شيء للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانهم حتى انتهى الى نمرة وهي بطن عرنة بحيال الارك فضربت قبته وضرب الناس أخبيتهم عندها فلما زالت الشمس خرج رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه قريش وقد اغتسل وقطع التلبية حتى وقف بالمسجد فوعظ الناس وأمرهم ونهاهم.

 

الوقوف بعرفات:

ثم صلى الظهر والعصر بآذان وإقامتين ثم مضى الى الموقف فوقف به فجعل الناس يبتذرون أخفاف ناقته يقفون الى جانبها، فنحاها ففعلوا مثل ذلك فقال: أيها الناس ليس موضع إخفاف ناقتي بالموقف ولكن هذا كله ـ وأومأ بيده الى الموقف ـ فتفرق الناس وفعل مثل ذلك وأمر الناس بالدعة (الوقار والسكينة).

قال الصادق عليه السلام: إنّ المشركين كانوا يفيضون من قبل ان تغيب الشمس فخالفهم رسول الله صلى الله عليه وآله فأفاض بعد غروب الشمس وقال: أيها الناس إن الحج ليس بوجيف الخيل ولا إيضاع الأبل ولكن إتقوا الله وسيروا سيراً جميلاً لا توطئوا ضعيفاً ولا توطئوا مسلماً وتؤدوا وأقتصدوا في السير، فإن رسول الله كان يكف ناقته حتى يصيب رأسها مقدم الرجل ويقول: أيها الناس عليكم بالدعة.

 

المشعر الحرام:

انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى المزدلفة وهو المشعر الحرام فصلّى المغرب والعشاء الآخر بأذان واحد واقامتين ثم أقام حتى صلى فيها الفجر وعجّل ضعفاء بني هاشم بليل، وأمرهم أن لا يرموا الجمرة ـ جمرة العقبة ـ حتى تطلع الشمس.

 

في منى:

فلما أفاض له النهار أفاض حتى إنتهى الى منى فرمى جمرة العقبة وكان الهدي الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله أربعة وستين أو ستة وستين وجاء عليّ عليه السلام بأربعة وستين أو ستة وثلاثين، فنحر رسول الله صلى الله عليه وآله ستة وستين ونحر علي عليه السلام أربعة وثلاثين بدنة.

وأمر رسول الله أن يؤخذ من كل بدنة منها جذوة من لحم ثم طرح في برمة، ثم تطبخ، فأكل رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي وحسيا من مرقها، ولم يعطيا الجزارين جلودها ولا جلالها ولا قلائدها وتصدّق به، وحلق وزار البيت ورجع الى منى وأقام بها حتى كان اليوم الثالث من آخر أيام التشريق، ثم رمى الجمار ونفر حتى أنتهى الى الأبطح.

وروى المفيد و الطبرسي أنه:

 

واقعة الغدير:

لما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله نسكه أشرك علياً في هدية وقفل الى المدينة معه المسلمون حتى إنتهى الى المعروف بغدير خم وليس بموضع إذ ذاك يصلح للمنزل لعدم الماء فيه والمرعى، فنزل صلى الله عليه وآله في الموضع ونزل المسلمون معه.

وكان سبب نزوله في هذا المكان، نزول القرآن عليه بتنصيب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام خليفة في الأمة بعده، وكان قد تقدم الوحى إليه في ذلك من غير توقيف له، فأخره لحضور وقت يأمن فيه الأختلاف منهم عليه.

 

آية التبليغ:

وعلم الله عز وجل أنه إن تجاوز غدير خم انفصل عنه كثير من الناس الى بلدانهم وأماكنهم وبواديهم، فأراد الله أن يجمعهم لسماع النص على أمير المؤمنين عليه السلام وتأكيد الحجة عليهم فيه.

فأنزل عليه: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ...) المائدة:67 .

يعني في إستخلاص علي عليه السلام والنص بالإمامة عليه:

(وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ...)المائدة:67 .

 فأكد الفرض عليه ذلك وخوّفه من تأخير الأمر فيه وضمن له العصمة ومنع الناس منه.

 

امتثال الأمر:

فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله في المكان الذي ذكرناه لما وصفناه من الأمر له بذلك وشرحناه، ونزل المسلمون حوله وكان يوماً قائضاً شديد الحر، فأمر صلى الله عليه وآله بدوحات هناك فقمّ ما تحتها وامر بجمع الرحال في ذلك المكان ووضع بعضها فوق بعض، ثم امر منادي فنادى في الناس: الصلاة جامعة.

فأجتمعوا في رحالهم إليه وإن أكثرهم ليلف ردائه على قدميه من شد الرمضاء، فلما إجتمعوا صعد صلى الله عليه وآله على تلك الرحال حتى صار في ذروتها ودعا أمير المؤمنين عليه السلام فرقى معه حتى قام عن يمينه.

 

الرسول يخطب ويبلغ:

ثم خطب في الناس فحمد الله واثنى عليه ووعظ فأبلغ بالموعظة ونعى الى الأمة نفسه فقال:

إني قد دعيت ويوشك أن أجيب وقد حان مني خفوف بين أظهركم وإنّي مخلفٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.

ثم نادى بأعلى أصواته ألست أولى بكم منكم بأنفسكم؟ قالوا: ألهم بلى، فقال لهم على النسق من غير فصل وقد أخذ بضبعي أمير المؤمنين عليه السلام فرفعها حتى بان بياض إبطيهما:

فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وأنصر من نصره، وأخذل من خذله.

ثم نزل صلى الله عليه وآله وكان وقت الظهيرة فصلى ركعتين ثم زالت الشمس فأذن مؤذنه لصلاة الفرض فصلى بهم الظهر، وجلس صلى الله عليه وآله في خيمته وأمر علياً عليه السلام أن يجلس في خيمة له بإزائه ثم امر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجاً فوجاً فيهنئوه بالمقام ويسلموا عليه بأمرة المؤمنين.

ففعل الناس ذلك كلهم ثم أمر أزواجه وسائر نساء المؤمنين معه أن يدخلن عليه ويسلمن عليه بأمرة المؤمنين ففعلن.

وكان فيمن أطنب في تهنئته بالمقام عمر بن الخطاب وأظهر له من المسرة به وقال فيما قال: بخٍ بخٍ لك يا عليّ!! أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة!!

 

قصيدة بليغة:

وجاء حسان بن ثابت الى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أتأذن لي أن أقول في هذا المقام ما يرضاه الله؟ فقال له: قل يا حسان على إسم الله فوقف على نشز من الأرض وتطاول المسلمون لسماع كلامه فأنشأ يقول:

يناديهم يـوم الغدير نبيهم               بخم وأسمع بالرسول منـادياً

وقال فمن مولاكم ووليكم؟               فقالوا ولم يبدو هناك التعادياً

الهـك مولانـا وأنت ولينا               ولن تجدن منا لك اليوم عاصياً

فقال لـه قم يا علي فـإنني             رضيتك من بعدي إماماً وهادياً

فمن كنت مولاه فهـذا وليه               فكونوا له أنصار صدق موالياً

هنـاك دعـا اللهم ولي وليه               وكن للذي عادى علياً معادياً

 فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تزال يا حسان مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك.

وذلك أشعار منع صلى الله عليه وآله على عدم ثبات حسان على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام كما ظهر أثره بعد وفاته صلى الله عليه وآله:

وايضاً للكميت الشاعر قصيدة في هذا المقام نذكر منها ثلاثة أبيات:

ويوم الدوح دوح غدير خم              أبان له الولاية لو أطيعـا

ولكن الرجـال تبايعوهـا              فلم أر مثلهـا خطراً منيعا

ولم أر مثل ذلك اليوم يوماً              ولم أر مثلـه حقاً أضيعـا