السيد حسن الشيرازي شهيد الموقف الأول

جواد العطار

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

 قلة من الرجال ، على مر التأريخ ، يصنعون الأحداث وعلى يديهم تحدث الانعطافات ، وهذا ما أشار إليه القرآن الحكيم في سورة الواقعة: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) الآيتين 39 – 40، حتى ان أصحاب وأنصار الأنبياء والمصلحين كانوا قلة في وسط ملايين البشر؛ لكن كل واحد منهم أصبح فيما بعد امة .

التأريخ العراقي الحديث والمعاصر شهد ظهور رجال كثر واجهوا الديكتاتورية وعملوا من اجل الشعب العراقي، لم يبخلوا بشيء في سبيل تحقيق المصلحة الوطنية دون مصلحتهم الشخصية، حتى نقشوا أسماءهم بحروف لا تمحى على وريقات وأحبار الكتاب والمؤرخين العراقيين والعرب امثال الشيخ محمد رضا الشبيبي وجعفر ابو التمن والشيخ محمود الحفيد وشعلان ابو الجون والشهيد الصدر الأول والشهيد الصدر الثاني والسادة شهداء آل الحكيم وغيرهم الكثير والكثير ممن لا تحضرني أسمائهم . لكن التأريخ وكتابه لم يكن منصفا دائما خصوصا عندما يمر على بعض الشخوص دون تقييم؛ ومن جملتهم سماحة السيد حسن الشيرازي قدس سره الذي نحن على أبواب ذكراه الثانية والثلاثين ، والذي تميزت حياته بمواقف منها:

1. أول من تنبه الى الفكر المنحل لحزب البعث ( الاقصائي الآحادي الهجين ) والذي أريد له أن يكون بديلا للفكر الإسلامي في ستينيات القرن الماضي .

2. أول من حذر من حزب البعث عند مجيئه الى السلطة عام 1963 عندما حاول مسخ الفكر الإسلامي وتلويث التأريخ العربي بإبعاد الأحزاب الإسلامية عن أهدافها الحقيقية .

3. أول من أكد على ضرورة إشراف المرجعية على العمل الحركي الإسلامي ضمانا لعدم انحرافه عن مساره وأهدافه .

4. أول من حذَّر من  تحول الأحزاب الإسلامية الى أحزاب سلطوية ، كما يحدث اليوم . وفي هذا يقول السيد الشهيد حسن الشيرازي في كتابه ( كلمة الإسلام ) ان لم تضطلع المرجعية بدور الإشراف والنظارة على عمل الأحزاب فان الأحزاب الإسلامية ستحول السلطة الى هدف وليس وسيلة .

ان في مسيرة الشهيد الحافلة المليئة بالبطولة والشجاعة ، مواقف لا تنسى، منها موقفه حينما ألقى قصيدته ( زعيمنا الكرار ) أمام سلطة بعث 1963 ، وهي في أوج قوتها وسطوتها ، بمناسبة ذكرى ولادة الإمام علي عليه السلام، من أبياتها:

دستـورنا القرآن نهتف باسمه            وشعــارنا في العالم الإسـلام

 وزعيـمنا الكرار لا ميـشيل           لا ماركس لا القسيس لا الحاخام

جاؤوا فكـانت لعنـة حمـراء          ومضـوا فكانت فرحـة بيضاء

ويل العـراق فليله لا ينقـضي          حتـى تقـوم حكومة الإسـلام

القصيدة جليةٌ بما لا يقبل الشك ، ان الشهيد لا يخشى في الحق لومة لائم ولا يتوانى عن قول الحق عند سلطان جائر ... لذا سارع البعثيون حين وصولهم الى السلطة ثانية بانقلاب عام 1968 الى اتهامه بالتخطيط والتدبير للانقلاب على النظام بالتعاون مع رشيد مصلح الذي كان حاكما عسكريا واليد اليمنى لعبد السلام عارف ، ليبقى الأول في المواقف وحتى في الاعتقال والتهم ... فهو اول رجل من الحوزة العلمية يعتقل بهكذا تهمة .

وحتى في اعتقاله لعب دورا مميزا في قصر النهاية وسجن بعقوبة ، وكان النظام قاب قوسين او أدنى من تنفيذ حكم الإعدام بحقه لولا تدخل رؤساء بعض الدول العربية والإسلامية والوفود الشعبية التي كانت تتقاطر يوميا لزيارته في سجن ديالى ، الأمر الذي دفع النظام لتحويل العقوبة من التصفية الجسدية للإبعاد القسري الى خارج العراق .

ولم يؤثر الابعاد في نشاط الشهيد رغم ما لحق به من آثار تعذيب لازمته حتى لحظة استشهاده ، فأسس الحوزة العلمية في سوريا وفتح في لبنان مركزا للتعليم الديني سماه (مدرسة الإمام المهدي) وكانت لبنة لأجل تخريج العلماء والخطباء . كما فتح (دار الصادق) للطباعة والنشر والتي قدمت خدمات جليلة الى العالم الاسلامي قاطبة .

وفي اليوم السابع لوفاة الشهيد الصدر الأول من عام 1979 ، كان الشهيد السيد حسن الشيرازي يقيم مجلس عزاء له في بيروت، وهو في الطريق اليه استهدفته اليد الآثمة لمخابرات النظام البعثي برصاصات غادرة استقرت في رأسه الطاهر ، ليسجل ترتيبه الذي لن يقبل غيره حيا كان ام ميتا؛ أول معارض للنظام يتعرض للاغتيال خارج العراق من قبل أجهزة النظام البعثي.

ورغم كل ما قدمه الشهيد من مواقف وبطولات وأعمال جليلة وتضحية ما بعدها تضحية ناذرا نفسه لقضيتي الإسلام والعراق ، فاننا اليوم نقف متعجبين لان احدا لم ينصفه لا من الكتاب والمؤرخين والمهتمين بشأن العراق السياسي المعاصر ولا من القوى السياسية العراقية والإسلامية ولا من الحكومة التي كان يفترض بها ان تحتفي بتكريم الشهداء من خلال نقش أسمائهم في الشوارع او تسمية الأماكن العامة او المدارس بأسمائهم او حتى إدخال مواقفهم في المناهج الدراسية لتبقى في ذاكرة الأجيال ... وحتى لا تمر ذكرى استشهادهم مرور الكرام .