البلاد الإسلامية وطرق الخلاص من التخلف الاقتصادي

قراءة في رؤى الإمام الراحل السيد محمد الشيرازي

alshirazi.net

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد: قال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا  حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) البقرة: الآيتين 201و202.

العالم يشهد منذ قرون ثلاثة أو أكثر فجوة ساحقة وهوة عظيمة بين البلاد التي تسمى متقدمة والبلاد المتخلفة من الناحية الاقتصادية، فبلحظ الناتج القومي لكل النوعين تجد الفرق الجلي وكذا في ناحية متوسط الدخل ونوعية الإنتاج وبعبارة موجزة التخلف الواضح في مجمل الاقتصاد العام في الوقت الذي نرى التطور الاقتصادي العام في البلاد المتقدمة.

 

من أسباب التخلف الاقتصادي:

يمكن للمتأمل في اقتصاديات الدول الخروج بالأسباب الموجبة  لهذا الفارق العظيم بينها وهذا ما بينه الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي أعلى الله درجاته في كتابه الموسوم الاقتصاد، مركِّزا في حديثه على أهم سبب وهو الأنانية التي اتسمت بها الدول المتقدمة اقتصاديا والتي أخذت زمام الأمور في عالم اليوم وكذا تحطم القيم الإنسانية عن العالم بسبب انسلاخ الإنسان عن الإيمان.

وفي موضع آخر يشير سماحته بقوله: «الاستعمار الاقتصادي الذي هو عبارة عن جعل الدول الاستعمارية سائر بلاد العالم سوقا لها، بحيث تستورد منها المواد الخام بأرخص قيمة تصل أحيانا إلى الواحد من الأربعين من قيمتها الواقعية، وتصدِّر إليها البضائع المصنوعة حتى إن البلاد الاستعمارية تحطم اقتصاديات البلاد المتخلفة».

وفي موضع ثالث يشير قدس سره إلى سبب لعله الأهم من بين الأسباب وهو نهب البلاد الاستعمارية خيرات البلاد المتخلفة.

أقول: لا يعترض عليه قدس سره بالقول ان معظم البلاد الآن محررة وغير مستعمرة؟

فقد ثبت بجلاء عمالة الحكام  وبالتالي عليهم المحافظة على مصالح أسيادهم ومن هم لهم داعمين مثبِّتين لسلطانهم، او إذا تنزلنا جدلا وقلنا أنهم غير عملاء فالواقع المعاش يحتم القول أنهم أغبياء وبالتالي غير لائقين للحكم ونشهد في عالم اليوم الكثير من الانتفاضات الشعبية بعد ان تأكد للشعوب ضعف هؤلاء الحكام وغبائهم.

وان تأملنا أمكن القول إن أكثر الحكام مجبرون على اتباع سياسة معينة تخدم مصالح الدول المتقدمة على حساب الدول المتخلفة المضطهدة.

 

استعمار الفكر وسلب العقيدة:

كما أنه في موضع الرابع من الاسباب يشير قدس سره إلى سبب آخر بقوله: «مقارنة الاستعمار الاقتصادي للاستعمار الفكري فان الدول الاستعمارية لا تكتفي بنهب خيرات البلاد وإبقاء البلاد المستضعفة في التخلف العلمي والصناعي ونحوهما, بل لضمان بقاء الاستعمار أطول مدة ممكنة ـ أي سيطرته الاقتصادية والمالية ـ تسلب عقائد البلاد وآدابها وأخلاقها وتشيع فيها الميوعة والتحلل والفساد بالدعاية والإعلام مرة وبفتح مراكز لذلك مرة وبالقوة مرة»[1]

وأما السبب الخامس قيقول قدس سره حوله: «إنه تحقير البلاد الغنية للبلاد الفقيرة في إعلامها وفي سلوكها».[2]

 

سبل وعلاجات:

إن من أهم العلاجات التي تستوجب على الدول المختلفة اتباعها للخروج من بوتقة التخلف الاقتصادي هو اتباع بعض الخطط وتحقيق بعض الأهداف وفي هذا الصدد يصرح سماحته بالقول: «لا علاج لهذه البلاد إلا أن تعتمد على أنفسها وتطرد الاستعمار والاستثمار من بلادها, حتى تتمكن من جعل برامج اقتصادية توجب نمو الاقتصاد وتخرج البلاد من حالة التخلف والتأخر, وليس الخروج من التخلف شيئا محالاً فقد خرجت اليابان من التخلف الاقتصادي بعد ان سبقها في الخروج عن التخلف أوربا قبل قرنين من الزمان أو أكثر».

بعد ذلك يستطرد في ذكر بعض احتياجات الخروج محددها في نقاط أربعة:

 طرد الاستعمار, فما دام البلاد تحت الاستعمار, يستحيل التقدم في أي ميدان ومن تلك الميادين الميدان الاقتصادي.

أقول: لا يقصد قدس سره كما هو واضح مما تقدم الاستعمار المباشر فقط بل سيطرة الاستعمار ولو كان استعمارا فكريا أو بواسطة العملاء وهم على ضربين عميل مباشر وعميل بالولاء الفكري أي يرى فكرهم هو الصواب وغيره بما فيه الفكر الاقتصادي الإسلامي غير صالح، ولا دليل لديه إلا التجربة التي ثبت نجاحها في بعض البلاد وهذا دليل غير تام لأنه ليس بالضرورة نجاحه في بلد ما نجاحه في كل البلاد لاسيما البلاد الإسلامية ذات الثراء الفكري في الميادين كافة بما فيها الميدان الاقتصادي.

 وضع خطة اقتصادية متفقة مع قيم الأمة ومبادئها, وقد ذكرنا في محل آخر أن الخطة الاقتصادية إذا لم تكن متفقة مع مبادئ الأمة وقيمها, يستحيل لها النجاح.

 ان تصاغ الأمة مع إمكانية البلاد ومواردها الطبيعية.

 ان تصاغ الأمة ثقافياً وحضارياً وعملياً لأجل التقدم, فإذا لم تكن المدارس تساهم في تهيئة الطلاب, ولم تكن المعامل الى جنب المدارس, ولم يكن الاجتماع والمحيط تسوق نحو التصنيع والعمل والجد, بسبب أدوات الإعلام وغيرها, لا تقع الأمة في مسير الرشد الاقتصادي.

والحمد لله رب العالمين.

_________________

[1] الاقتصاد جزء الثاني ص 315

[2] ـ المصدر نفسه، ص315.