الاقتصاد الإسلامي بين جدلية التطبيق وحتمية العدالة

قراءة في رؤى الإمام الشيرازي

alshirazi.net

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

الناظر في المنظومة الفكرية والتشريعية الاقتصادية الإسلامية ليقطع جازما بما يتحصل لديه من أدلة على قدرة هذه المنظومة على تحقيق العدالة ورفع الحيف والظلم ومعالجة الأمراض الاقتصادية اجمع بل وفق التشريع الإسلامي لا محل للأمراض الاقتصادية من تضخم وانكماش وغيرها، وعليه فالأمر مهيأ للتنمية الاقتصادية المستمرة لتحقيق الرفاه والعدالة وحفظ الحقوق،والأمر ليس مجرد ادعاء بل الأدلة القاطعة على ذلك متوافرة.

قوانين مؤبدة:

إن الاقتصاد الإسلامي بفروعه المتنوعة متلائم والعصور المختلفة والتطورات المتوالية على الواقع البشري، وهذا أمر مسلَّم مفروغ منه، وقد قال المشرع العظيم صلى الله عليه وآله:«حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة»، والقوانين الاقتصادية الإسلامية ميدان رحب لهذه القاعدة الكلية الثابتة غير قابلة للتغيير أبدا فما شُرع من قوانين ضريبية كالزكاة والخمس والخراج وغيرها القليل شرعت على سبيل الحصر ولا مجال للتوسعة وإضافة ضرائب جديدة، فإنها هي المعتبرة فقط في تكوين الخزينة العامة ـ بيت المال ـ وكذا القوانين الحاكمة عليها من حيث مدة خزن الأموال وتحديد طرق الإنفاق وابرز ما فيها المنع من تجميد الأموال ووجوب تقسيمها بالتساوي بين المسلمين.

إشكالية التطبيق:

الحديث حول الاقتصاد الإسلامي واسع لا يمكن بحال إيجازه في هذه المقالة, ومن هنا سوف نبحث في جانب واحد خاص حول صلاحية المنظومة الفكرية والتشريعية الإسلامية أو ما يعبر عنها بإيجاز الاقتصاد الإسلامي للتطبيق في الواقع الحالي الذي يشهده المسلمون من تفشي الفقر والبطالة والتفاوت الكبير في المستوى المعيشي، والإشكال وفق تعبير الإمام الراحل هكذا: (بأنه لا يمكن تطبيقه لأنه اذا كان ممكن التطبيق لطبقه المسلمون منذ أربعة عشر قرنا)[1].

ونوه سماحته بان الاقتصاد الإسلامي قد طبق في عهد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وكذا في عهد أمير المؤمنين عليه السلام فقط ولم يطبق في غيرهما بشكل كامل وفق الإسلام المحمدي الصحيح، و قد طبق بشكل جزئي او مشوب ببعض البدع التي أدت نهاية الأمر إلى فشله في تحقيق الأهداف الاقتصادية المنشودة، ومن نماذج ذلك تنصيص  التشريع الإسلامي على المساواة في قسمة بيت المال وهذا ما عمل به رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وابو بكر كذلك وأول من ابتدع مسألة التفاوت في العطاء عمر بن الخطاب كما يؤكد المؤرخون محتجاً بأنه لا يعطي من حارب مع رسول الله صلى الله عليه وآله مثل ما يعطي من حارب ضده، فكانت عطاياه من مأتي درهم الى عشرة آلاف درهم، الأمر الذي اظهر ومن ثم ركّز الطبقية فضلا عن كونه خلافاً صريحاً لفعل المشرع العظيم صلوات الله عليه وآله[2].

استفهام وجواب:

كما ويجيب سماحته قدس سره تنزلا حول إشكال أن الاقتصاد الإسلامي لم يطبق، بأن عدم التطبيق مدة مديدة من الزمن هل يلازم عدم الصلاحية؟

والجواب كما هو واضح لا، إذ الصحة شيء والتطبيق شيء آخر، ومن ثم يناقش قدس سره إشكال عدم التطبيق بأنه لا واقع له ولا سند إذ المعيار في انطباق واقع على خارج وعدم انطباقه على الأغلبية لا على الأفراد الخارجة، إلى أن يقول: «إن الاقتصاد الإسلامي بأكثرية بنوده طبق على البلاد الإسلامية  في أكثرية ساحقة من المسلمين منذ زمن رسول الله صلى الله عليه وآله والى اليوم، بحيث كانت صيغة البلاد الإسلامية هي الاقتصاد الإسلامي»[3].

 النظرية الإسلامية وإشكالية النجاح أو الفشل:

والآن يتبادر لينا سؤال: هل بالإمكان اليوم تطبيق النظرية الإسلامية في الاقتصاد ام توجد معوقات؟

أقول/ إنَّ المنظومة التشريعية الإسلامية منظومة متكاملة تؤتي أُكلها شريطة التطبيق الكامل أما التطبيق الجزئي ففيه فرصة النجاح ضئيلة والقرآن العظيم أمر بالإيمان الكامل وذم من آمن ببعضه وكفر بالبعض الآخر قال تعالى:( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى‏ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)[4].

كما ويشترط في المطبق للنظرية الإسلامية أن يكون مستوعباً لها فكراً وتشريعاً مؤمناً بها عملياً لا أن يُعمل النظر الشخصي القاصر وكما تقدم في ما عمله عمر إبان حكمه الأمر الذي أدّى إلى فشل في تحقيق الأهداف، فالابتعاد عن الرؤى الشخصية واستلهام الأحكام الواقعية المستفادة من الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والعقل كنظرية أوحدية في التطبيق الاقتصادي والسياسة النقدية والمالية هي الحل الأمثل لتحقيق الأهداف المرجوّة.

اقتصاديون بعقول علمانية ومسيحية ويهودية:

وشيء مهم آخر وهو معالجة مسألة الجهل الاقتصادي ونقصد الجهل بالتشريعات الاقتصادية الإسلامية ولا يتم رفع ذلك إلاّ بإعادة بناء خبراء اقتصاد إسلاميين حاصلين على درجة الاجتهاد في هذا الباب من التشريع الإسلامي، والحال ان خبراء الاقتصاد اليوم في الأعم الأغلب إنهم بعيدون كل البعد عن أصول التشريع الإسلامي ولا يحسنون التعامل مع الأدلة الشرعية بل هم في الواقع مقلدة لمفكرين اقتصاديين مسيحيين ويهود استقوا منهم علمهم الاقتصادي وبالتالي من حيث يعلمون أو لا يعلمون هم من الدعاة إلى تطبيق التشريعات العلمانية أو المسيحية أو اليهودية على الواقع الإسلامي ودعاة إلى هجر النظريات الإسلامية والكتب المتعلقة والمرتبطة بالاقتصاد الإسلامي التي هي محور قد أخذت البلاد الإسلامية منه في المعاملات والقضاء وغير ذلك.

إذاً فدخول التشريعات العلمانية والمسيحية واليهودية وفكرها المنحرف المتلائم إلى حدٍ ما مع الواقع الغربي في الواقع الإسلامي وهجر التشريعات الإسلامية هو السبب الأول والأساس في التخبط الحاصل وتفشي الفقر والظلم وشعور الفرد المسلم بعدم الالتزام بالقوانين الذي هو المحور الأساس في نجاح اي تشريع أو قانون.

النظرية الإسلامية وضمان النجاح:

ولعل قائل يقول ما الضمان إذا طبّق التشريع الإسلامي الاقتصادي أن تحقق الأهداف المنشودة؟

نقول في جواب ذلك إنه قد طبق سابقاً وكما تقدم البحث وقد حقق أهدافه ففي عهد أمير المؤمنين عليه السلام انتفى الفقر وتلاشت البطالة واضمحلت أزمة السكن واحتفظ الفرد بكرامته وعزته وقد أوردنا ذلك في مقالة سابقة معززة بالأدلة والشواهد التاريخية.

خلاصة البحث:

 إن طبّقت التشريعات الإسلامية فالعدالة محتّمة وإن استمر الساسة والحكّام في هجر النظريات الإسلامية واتباع أفكار الاقتصاديين من العلمانيين والمسيح واليهود يبقى الواقع كما هو والمشاكل تتفاقم أكثر وواقع الحال خير شاهد ومفصح على كونهم مجبورين على ذلك أمّا لجهلهم أو لعصى الاستعمار الغليظة المحلّقة فوق رؤوسهم.

 والحمد لله رب العالمين.

_________________


[1] ـ الاقتصاد للإمام الشيرازي: دار العلوم، ط الخامسة 1993، ج1، ص22.

[2] ـ نفس المصدر: ج2، ص55.

[3] ـ نفس المصدر: ج1، ص21.

[4] البقرة: 85