الواقع الإسلامي والتغيرات المرتقبة قراءة في رؤى سماحة المرجع الشيرازي

alshirazi.net

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم أجمعين والى قيام يوم الدين..

وبعد: جاء الإسلام المحمدي الأصيل برؤيا إصلاحية جديدة أخذت على عاتقها تغيير الواقع العربي يومها من البداوة والتخلف والظلم والحيف إلى العدالة والتحضر والتقدم ومن ثم نقل تلك الإصلاحات الجوهرية لتشمل الإنسانية جميعاً.

بدأت الإصلاحات الشمولية للفرد والمجتمع وتأسيس الدولة الإسلامية الإلهية بإيجاد حوافز ذاتية في نفوس المواطنين وخارجية محكمة للواقع المعاش أخذت على عاتقها مسألة التطور المستمر في النواحي كافة، فأتت تلك الإصلاحات أكلها بسرعة عجيبة، فتحول مجتمع الفقر والمرض والظلم إلى مجتمع الرفاه والعدالة والطموحات الكبيرة عند كل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي.

 انقلاب على الإصلاح:

المنظومة التشريعية الإسلامية التي جاء بها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله كانت العامل الأساسي للنهضة واقترنت تلك المنظومة بالمُطِّبق العظيم لها حيث اشترط الإسلام وشريعته أن يكون القائم عليها معصوماً عالما بها ومشرِّع كذلك، ذلك الأمر الذي لم يعه بعض المسلمين فيما قام البعض الآخر من المنافقين والذين في قلوبهم مرض بإبعاد المجتمع الإسلامي بقاعدته العريضة عن الأصول الإصلاحية وما اُُشترط فيها وبرز ذلك بشكل كبير قُبيل شهادة الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وبعد رحيله المفجع، وفي هذا المقام يقول المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في خطبته الغراء في ذكرى شهادة نبي الإسلام الخالد لسنة 1432هـ قال سماحته: «المصائب بدأت بعد استشهاد رسول الله صلى الله عليه وآله، أي باستشهاد سيدنا المحسن والسيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها واستمرت إلى حادثة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين صلوات الله عليه، واستمرت في زمن بني أمية وبني العباس ومن جاء بعدهم، ولا تزال مستمرة إلى يومنا هذا، ومنها عمليات القتل والتفجير التي ترتكب في الدول الإسلامية كباكستان وأفغانستان، وبالأخصّ في العراق حيث يقتلون زوّار الإمام الحسين وزوّار الإمام أمير المؤمنين والإمامين الكاظمين والإمامين العسكريين صلوات الله عليهم أجمعين، وهذه المظالم والجرائم يقوم بها أتباع من بدأوا بظلم أهل البيت بعد استشهاد رسول الله صلى الله عليه وآله».

 نستنتج من كلامه دام ظله على ما يلي:

أولاً/ بدء المصائب على الواقع الإسلامي لاسيما على أهل البيت عليهم السلام أنفسهم مع شهادة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ومنه تركزت مسألة الانحراف عن النهج الإصلاحي للأمة.

ثانياً/ استمرار نهج الانحراف الأمر الذي تطلب تضحيات كبيرة في محاولة إنقاذ الإسلام فكانت تضحيات أمير المؤمنين والسيدة الزهراء عليهما السلام ويذكر نموذج لذلك وهو استشهاد سيدنا المحسن عليه السلام وهو جنين، ونموذج آخر وهو الذبح العظيم في كربلاء سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وصحبه الأبرار سادة الشهداء والمضحين.

ثالثاً/ استمرار نهج الانحراف في عهد بني أمية وبني العباس، والى يوم الناس هذا، ويؤكد سماحته ان ذلك الانحراف المستمر هو سبب الجرائم الكبيرة التي ترتكب اليوم بحق الأبرياء والآمنين لاسيما المؤمنين في الدول الإسلامية من عمليات القتل والتفجير.

 انحراف فكري:

 مما لاشك فيه أن التنظير هو السبب الأساس وقاعدة الإصلاح أو الإفساد أي انه سلاح ذو حدين، فإن طبق الفكر الإسلامي الأصيل والصحيح فستجنى الثمار سريعاً بما فيه خير الفرد والمجتمع والإنسانية اجمع وان طُّبق فكر دخيل نابع من حقد دفين أو رؤيا فكرية شخصية أدى إلى الهلاك والدمار وما يستتبع ذلك، ومن هنا نعلم ما نشاهده اليوم في العالم العربي والإسلامي من تفشي للجريمة والظلم والاستبداد من حكومات الجور المسيطرة على جل البلدان الإسلامية وبالضرورة تعمل تلك الحكومات على خلق مشروعية من نوع ما لأعمالها وان أدى ذلك إلى مخالفة صريحة للشريعة المقدسة وقانونها الإلهي وتعمل على بعث شرائح المجتمع لاسيما الشباب إلى تبني هذا النهج الفكري المنحرف وتشكيل صفوف الدفاع عنه بدعوى انه عين الإصلاح وبالتالي جعل هؤلاء درعاً واقياً لمصالح الطواغيت والمستفيدين من فتات خبزهم.

والحق أقول: ها هنا ان العلمانية المزعومة أفضل للشعوب المضطهدة من اسلام أموي أو عباسي أو وهابي أو غيرها من الوجوه المختلفة للعملة المزيفة أما العملة الإسلامية الأصيلة فهي في عالم اليوم باتت غريبة كما كانت أوّل مرة.

سماحة المرجع الشيرازي يقول في هذا الصدد: «... فهؤلاء المجرمون يقومون بغسل دماغ الشباب السذّج، فيفجّر بعضهم نفسه بحزام ناسف أو بسيارة مفخخة وسط جموع الأبرياء من المؤمنين والمؤمنات، ومن النساء والأطفال، وهو لا يعلم من يقتل ووسط من يفجّر نفسه لأنه تعرّض للتضليل. والأسوأ من ذلك أنهم يعرّفون هذه الجرائم وكذلك ظلم الذين يحكمون باسم الإسلام، يعرّفونها للعالم بأنها من ممارسات الإسلام».        

تزييف الإسلام:

قام الطواغيت ـ وكما تقدم البحث ـ بتزييف واسع للإسلام وبمساعدة من منظرين اكتسبوهم بالأموال والشهوات حتى ترسخت فكرة تأسيس معاهد ومراكز لتخريج علماء ضلالة وفكر منحرف يأخذ على عاتقه التنظير لصالح الطواغيت ومن على شاكلتهم بادعاء انه ـ هذا الطرح أو ذاك ـ جوهر الإسلام وحقيقته وتشريعه بل ذهبوا إلى دعوة الناس كافة إلى هذا الإسلام المزعوم الموضوع من قبلهم المشوب بفكر القتل والدمار، يقول سماحته:«  يوجد في العالم اليوم أكثر من مليار ملحد، وإذا أردنا أن ندعوهم إلى الإسلام، فأيّ إسلام ندعوهم إليه؟ هل ندعوهم إلى الإسلام الذي كان أوّله قتل الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وحرق باب بيت بضعته السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها واستشهاد سيدنا المحسن واستشهاد سيدتنا الزهراء صلوات الله عليها، واستمر ولا يزال بقتل الأبرياء من محبّي وزوّار أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله؟».   

ويقول سماحته في موضع آخر: « إننا اليوم إذا عرّفنا سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وتعامله وأخلاقه للدنيا فسيدخل في الإسلام الكثير من اليهود والنصارى وغيرهم كما حصل في زمن النبي صلى الله عليه وآله، ولكن مما يدعو إلى الأسف أن معظم الدول التي تدّعي الحكم باسم الإسلام لا تقصّر في ذلك فحسب بل تقدّم للعالم صورة مشوّهة عن الإسلام. ففي العراق وقبل 50 سنة تقريباً وقع انقلاب، وغُرّر الشعب بشعارات الانقلابيين، فقاموا يدعمونهم، ووصلت بهم الحال أن أحد كبار الشخصيات أبرق إلى قائد الانقلاب وخاطبه بالآية الكريمة التالية: «وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى»، ولكن بعد فترة من الزمن قام ذلك القائد باقتراف المظالم، وقام أيضاً بمحاربة الشعائر الحسينية، واعتقلوا بأمره الكثير من المعزّين وقاموا بتعذيبهم بأنواع التعذيب».

 عالم اليوم وحتمية التغيير:

المراقب لأوضاع المجتمعات الإسلامية اليوم لاسيما العربية منها ليقطع جازماً أن الشعوب بدأت فعلياً بالتحرك للتغيير عسى أن يكون تغييراً ايجابياً صحيحاً نابع من فكر أصيل بعيد عن تشوهات الزمن الغابر.

اليوم تكامل الشعور بضرورية التغيير وحتميته بعد ان جنت تلك الشعوب انواع المآسي والمحن، وقد حان الوقت للتغيير أكثر من أي وقت آخر.

أقول: انه من المستحيل أن يؤتي ثماره رغداً دون أن يكون التغيير نابع من مصدر معصوم وتشريع الهي وهذا التاريخ بين يدي متصفحيه فيه العبر الكثيرة ومحاولات إصلاح عديدة قام بها أُناس زعموا أنهم مفكرون ومصلحون فنظروا لحركاتهم الإصلاحية بأبعد ما يكون عن الإسلام المحمدي الصحيح ففشلوا أيما فشل ألقى بآثاره السلبية على الشعوب المستضعفة.

 عالم اليوم لاسيما العربي منه نلحظ فيه الدعوة الكبيرة المؤيدة من الدول الغربية إلى العلمانية والابتعاد عن الحكم الإسلامي، وما السبب في ذلك إلا الفهم المغلوط عن الإسلام الحق، الإسلام الذي وصل أليهم إسلام بني أمية وبني العباس والدولة العثمانية ومنظري تلك الدول من علماء السوء والضلالة.

 ختام ونداء:

لابد من إعادة قراءة الإسلام مرة أخرى قراءة نابعة من فكر أصيل محايد غير متأثر بالتراكمات الثقافية السابقة والموروثات الخاطئة، هذه دعوة الإصلاح الحقيقي المنبعث من الفكر المعصومي الشريف وكذا الإقبال على القرآن العظيم إقبال جاد على تطبيق تعاليمه وقوانينه كما هي وليس وفق تفسير من تحكمه الأهواء في نفسه.

وختاماً ادعوا الله سبحانه إن يهيئ لهذه الشعوب المستضعفة من يأخذ بيدها إلى ما فيه الحق والصواب والخير وان يوفق العلماء كافة والمفكرين لإزاحة رغام القرون عن الإسلام الحق انه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.