السيد الشهيد علي الأكبر من العصمة الكبرى إلى التسليم المطلق

alshirazi.net

   

 

:. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين...

وبعد: قال الله سبحانه  وتعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) الأحزاب:33

ربما يعترض القارئ ابتداءاً إن الآية الكريمة مختصة بأهل البيت عليهم السلام وهم أفراد معّينون هم أصحاب الكساء الخمسة، وقد بين الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ذلك نظرياً وعملياً، وبذلك لا تصلح الآية الكريمة دليلاً على عصمة المولى علي الأكبر عليه السلام؟

والجواب إننا لا ندعي هنا إن عصمته عليه السلام بمستوى عصمة الخمسة أصحاب الكساء أو المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام، بل نقول ان للعصمة درجات متفاوت وسيتضح الامر جلياً فيما يأتي من السطور.

 العصمة  في كتب اللغة: العِصمَة ـ بكسر العين وسكون الصاد وفتح الميم ـ المنع، ملكة اجتناب المعاصي والخطأ1.

واصطلاحاً: التنزه عن الذنوب صغيرها وكبيرها. وعليه فالتنزه مراتب ودرجات متفاوت بل إن مقدار من العصمة موجود لدى المؤمنين يعبر عنه بالعدالة وان العصمة هي رتبة فوق العدالة 2.

 دليل عصمة سيدنا علي الأكبر عليه السلام:

عند التأمل في الزيارات الشريفة الصادرة عن أهل بيت العصمة والنبوة نجد الدليل الجلي على العصمة، بل نجد كما في إحدى الزيارات المطلقة للإمام الحسين بان الإمام الصادق عليه السلام يخاطب علي الأكبر عليه السلام بأن الله سبحانه جعله من الذين اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قال العلامة المجلسي عليه الرحمة: «ذكر زيارة علي بن الحسين عليه السلام، ثم تَحوَّل إلى عند رجلي الحسين فقف على علي بن الحسين عليه السلام وقل: السلام عليك أيها الصديق الطيب الطاهر، والزكي الحبيب المقرب، وابن ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله، السلام عليك من شهيد لقد شكر الله سعيك، واجزل ثوابك وألحقك بالذروة العالية حيث الشرف كل الشرف، في الغرف السامية في الجنة فوق الغرف، كما منَّ عليك من قبل، وجعلك من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا والله ما ضرك القوم...» 3.

وفي هذا الصدد يصرِّح سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله بأن السيد علي الأكبر قد بلغ مرتبة العصمة الكبرى إلا إنها أقل رتبة من عصمة المعصومين الأربعة عشر حيث يقول: «ومما يستوحى من عاشوراء، الإقتداء والتأسي بسيدنا علي الأكبر سلام الله عليه، فعلي الأكبر سلام الله عليه ذو مقام عظيم، وصاحب عصمة كبرى، ولكن عصمته أقل رتبة من عصمة المعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليه وعليهم...» 4.

العصمة شرط الإمامة وليس العكس:

لعل البعض يتساءل إن كان سيدنا علي الأكبر قد بلغ من العصمة كبراها فلماذا لم يكن إماماً؟

والجواب جلي في المقام هو وجود سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام صاحب العصمة المطلقة والأعلى رتبة من عصمة السيد علي الأكبر وهي كافية في استحقاقه الإمامة دون ولده علي الأكبر، فضلاً عن كون الإمامة هي بالجعل والتنصيب الإلهي، فالله سبحانه هو الذي يصطفي ويختار وليس البشر، كما وأن العصمة شرط الإمامة بمعنى لايكون الإمام إماماً إلا معصوماً وليس العكس أي من بلغ رتبة عالية من العصمة وجب أن يكون إماماً.

سيدنا علي الأكبر وعوامل الارتقاء:

المتأمل في حياة العظماء لا سيما الأنبياء والأئمة عليهم السلام يجدهم في حال تكامل دائم وبنظرة قرآنية فاحصة نجد في قصة سيدنا إبراهيم الخليل المثال الواضح قال تعالى: (وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ*إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) 5، أي بعد أن أخلص قلبه لله سبحانه جاء ابتلاؤه بذبح ابنه إسماعيل كبرهان عملي على درجة الإخلاص العالية التي بلغها وسلامة القلب عما سوى الله سبحانه بل بلغ مرتبة الانقياد التام والتسليم المطلق لله سبحانه قال تعالى: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) 6.

وهذا التسليم التام بلغ بإبراهيم عليه وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام درجة الاصطفاء الإلهي قال تعالى: (وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ*إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) 7.

وكذا سيدنا علي الأكبر عليه السلام حيث روي أنه سلام الله عليه قال لأبيه الإمام الحسين عليه السلام وهم في طريقهم إلى كربلاء بعد ان استرجع الإمام قائلاً: (إِنَّا لِلّهِ وإِنّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ) 8، يا أبتاه لم استرجعت؟

قال انه عرض لي فارس على فرس، فقال: «القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم فعلمت أنها نفوسنا نعيت إلينا.

فقال سيدنا علي الأكبر: يا أبتاه, لا أراك الله سوءاً أبداً، ألسنا على الحق؟

قال الإمام الحسين عليه السلام: بلى، والذي يرجع إليه العباد.

فقال: يا أبت، إذاً لا نبالي أن نموت محقين.

والمتأمل في الحوار الأدبي ذي الأدب الرفيع والمستوى الراقي من الأخلاق والآداب ليقطع جازماً بالمستوى الأخلاقي العالي والتسليم المطلق من قبل سيدنا علي الأكبر عليه السلام لله سبحانه والإمام المنصب من قبله جل شأنه في الأرض الإمام الحسين عليه السلام، فبمجرد ان قال له اننا على الحق قاسماً له بالله سبحانه، لم يبالي بأن يموت محقاً سواء وقع على الموت أم الموت وقع عليه.

فهل في هذا التسليم شك أو ريب، فقد أوصل صاحبه إلى المراتب العالية بحيث استحق الشرف كل الشرف في الآخرة، وهذا ما أعدته الزيارة الشريفة المتقدمة.

وعليه نقول بأن سيدنا علي الأكبر ارتقى في كربلاء الطهر والشهادة والموقف من العصمة الكبرى إلى التسليم المطلق الموجب للاصطفاء الإلهي ليصيره من سادة الشهداء.

  نداء للشباب المؤمن:

إن مولانا علي الأكبر عليه السلام حينما استشهد كان في ريعان الشباب وعنفوانه ويحمل من الصفات المادية والمعنوية ما لم يتوفر لغيره، فهو من حيث الخلق والأخلاق شبيه الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله أجمل وأكمل ما خلق الله سبحانه ويشهد لذلك الإمام الحسين عليه السلام حيث قال حينما برز علي الأكبر للقتال: «اللهم فاشهد أنه برز إليهم أشبه الناس برسولك خلقاً وخلقاً ومنطقاً، كنا إذا اشتقنا لرسولك نظرنا إليه....»، ومن حيث النسب فله الشرف العظيم والكأس المعلى وهو معروف مشهور. وعليه فإن الدنيا كانت مقبلة عليه بكامل زينتها وجمالها إلا أنه من أناس لا تأخذهم في الحق لومة لائم يقدسون الموقف والمبدأ بقلوبٍ سليمة خالصة لله سبحانه.

فحري بالشباب المؤمن بل وغير المؤمن كذلك اتخاذ سيدنا علي الأكبر عليه السلام القدوة والأسوة فكل شيء من مكارم الأخلاق إلى الصفات العالية من الإيمان الصلد والعقيدة الراسخة والموقف التاريخي في الدفاع عن بيضة الإسلام وإمام الزمان، لم يغتر بزخرف الحياة بل اقبل على الحق والشهادة مستأنساً بها عما اشتغل الناس فيه وشغفوا به.

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول في هذا الصدد مرشداً الشباب المؤمن:«على الشباب الأعزاء أن يطالعوا سيرة مولانا علي الأكبر صلوات الله عليه بتأمل ودقة وبالأخص في تعامله مع أبيه الإمام الحسين صلوات الله عليه فيقتدوا ويتأسوا به في تعاملهم مع آبائهم».

ختاماً نقول: السلام على مولانا علي الأكبر يوم ولد ويوم جاهد واستشهد ويوم يبعث حياً شاكياً لبارئه ظلم الطغاة والظالمين.

والحمد لله رب العالمين.


1ـ المنجد، باب عصم.

2ـ الإمام الشيرازي الراحل, الفقه/ العقائد, ص 350.

3ـ بحار الأنوار, العلامة المجلسي, مؤسسة الوفاء ـ بيروت, الطبعة الثالثة م101, ص24

4ـ محاضرة سماحة المرجع الشيرازي خلال كلمته ليلة الحادية عشر من محرم الحرام 1431هـ

5ـ الصّافَّاتِ: 83- 84

6ـ الصّافَّاتِ: 103

7ـ البقرة 130-131

8ـ البقرة: 156