فريضة الحج بين فلسفة الوحدة وخطط الاستعمار التمزقية

alshirazi.net

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين و وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد:قال تعالى (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى‏ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) الحج: 27.

الوحدة الإسلامية مرتكز أساسي وعمود فولاذي أُقيمت على صُلبه الحضارة الإسلامية, والوحدة محور قوة الأمة وعزَّها ومظهر تساوي المسلمين كأسنان المُشط فلا فرق بين العراقي والمصري والإيراني والأفغاني والمسلم الأوربي والآخر الأمريكي فالأمة الإسلامية الواحدة تتمتع بميزات انعدام القومية والعنصرية وقد ورد في روايات كثيرة تكافؤ دماء المسلمين من غير فرق بين أصنافهم جميعاً, وأنهم يد واحدة على من سواهم, وان أدناهم إذا أعطى الأمان أو الذمة للكفار قبل منه ذلك فعن أبي يعفور عن الصادق عليه السلام قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله بمنى إلى أن قال: «المسلمون أخوة تتكافئ دمائهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم».

إذاً لا فرق بين مسلم وأخيه ولا بلد إسلامي وآخر, فالواجب إسقاط الحدود الجغرافية المصطنعة من قبل الاستعمار وقد عمل العملاء على ترسيخها في الأمة والعمل على تثبيتها يوماً بعد آخر بوضع المخططات وآليات التنفيذ, وكذا وضع الكمارك بين البلدان الإسلامية وفرض الضرائب على المسلم الزائر  للبلد الإسلامي الآخر وهكذا مُنع المسلمون من حرية العيش والانتقال من بلد إلى آخر.

 

 الحج وفوائده الوحدوية:

لا شك أن الشريعة الحكيمة توجد السبل المحققة لاهدافها والطرق الموصلة لغايتها, ففي الوقت الذي نجد فيه الإسلام الحنيف يبعث نحو الوحدة وعدم التمزق والتفرق والاختلاف قال تعالى: (وَلاَتَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) الأنفال: 46, نجده يوجد الآليات والوسائل المحققة للوحدة والمقوية لها, ومن أهم تلك السبل فرض الحج كواجب شرعي في كل عام قال سبحانه وتعالى: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) آل عمران: 97, فالغاية التقاء المسلمين بمختلف قبائلهم ولغاتهم وألوانهم ومستوياتهم الثقافية وإيجاد فرص للتعارف والمؤآخاة بينهم وكذا لأجل التلاقح الفكري والتبادل المعرفي الأمر المقرِّب لإيجاد وحدة ذات أبعاد وأعماق صلدة غير قابلة للتمزق والضعف.

 

مخططات لتعرية الحج عن غاياته:

الحج كفريضة عظمى قام على فلسفة اجتماع المسلمين كل عام بأكبر عددٍ مستطيع منهم لإظهار قوة الإسلام من جهة ولتوحيدهم فكرياً وعقائدياً وآيدلوجياً ومنافع أخرى قال تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ  لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى‏ مَا  رَزَقَهُم مِن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) الحج: 28, فمن مصلحة الغير إضعاف المسلمين والقضاء على أي مركز قوة يجمعهم ولو بإثارة قاعدة تقليص عدد الحجاج إلى أقل قدر ممكن, وكيف يمكن لنا الاقرار بأن دولة صغيرة تستطيع استيعاب أكثر من أربعة ملايين شخص حضروا لمشاهدة بطولات كرة القدم ولا تستطيع دولة المفروض أنها مركز الإسلام ومحوره استقبال أكثر من مليونين أو ثلاث, أو تضع الخطط اللازمة لاستيعاب أكثر من ذلك بل نجد يوماً بعد آخر وضع عراقيل وصعوبات بوجه الحاج سواء كانت في ختم الجوازات عند اجتياز الحدود أو في داخل المدن عند الانتقال من مدينة إلى أخرى الأمر المفسر أن الغاية تقليل العدد واتعاب الحاج أكثر.

وكذا من ناحية زيادة الروابط الروحية والأخوية بين المسلمين نجد المعاملة باتت اليوم مختلفة بإيجاد نوع من التفرقة في المعاملة بين المسلمين فمعاملة المسلم الأمريكي مثلاً والكندي غير معاملة المسلم العراقي فالسياسة ألقت بظلالها على المناسك العبادية, فضلاً عن فرض المعتقدات الخاصة للغير على المؤمنين رغماً عنهم وعدم السماح لهم بممارسة العبادة وفق رؤياهم الفقهية رغم أن الإسلام أعطى كامل الحرية في هذا الصدد.

ومن الأمور الأخرى التي توجد أو تقوي العلاقات بين المسلمين هي بواسطة إيصال لحوم الأضاحي إلى الفقراء المسلمين في العالم, والواقع ان عدد معين منه فقط ليُغتنم في هذا الأمر فيما يدفن الباقي أو يحرق وهو بالملايين.

 كما لم نسمع بعقد مؤتمرات في الحج تأخذ على عاتقها مدارسة شؤون المسلمين وحلحلة مشاكلهم والإطلاع على أحوالهم بل لم نرَ إلا اتهامات لكثير من المؤمنين بالشرك ولا أعلم كيف أنهم مشركون ويسمح لهم بالدخول إلى المسجد الحرام قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هذَا) التوبة: 28.

 

أحاديث في الأخوة الإسلامية:

مما تقدم عرفنا أن واحدة مهمة من غايات فريضة الحج هي ازدياد روابط الأخوة الإيمانية الباعثة نحو الوحدة الإسلامية ومن هنا سنورد بعض الأحاديث في هذا الصدد:

 قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «ما استفاد أمرؤ مسلم فائدة بعد فائدة الإسلام مثل أخ يستفيد في الله» (وسائل الشيعة:ج12ص233ب132ح16170)

وقال أمير المؤمنين عليه السلام عند وفاته: «وآخ الإخوان في الله وأحب الصالح لصلاحه» (بحار الأنوار:ج42ص203ب127ح7)

وقال الإمام الرضا عليه السلام: «من استفاد أخا في الله فقد استفاد بيتا في الجنة» (وسائل الشيعة: ج12ص16ب7ح15521)

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «لايدخل الجنة رجل ليس له فرط» قيل: يا رسول الله ولكل فرط، قال: «نعم ان من فرط الرجل أخاه في الله» (وسائل الشيعة: ج12ص17ب7ح15524)

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: «من زار أخاه في الله ولله جاء يوم القيامة يخطر بين قباطي من نور، لا يمر بشيء إلا أضاء له، حتى يقف بين يدي الله عزوجل، فيقول الله عزوجل: مرحباً، وإذا قال الله له مرحبا أجزل الله عزوجل له العطية» (الكافي: ج2ص177 باب زيارة الإخوان ح8)

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله «من زار أخاه في بيته قال الله عزوجل له: أنت ضيفي زائري، علي قراك، وقد أوجبت لك الجنة بحبك إياه» (وسائل الشيعة: ج14ص584ب97ح19866)

وعن أبي جعفر عليه السلام قال: «إن العبد المسلم إذا خرج من بيته زائراً أخاه لله لا لغيره، التماس وجه الله، رغبة فيما عنده، وكل الله عزوجل به سبعين ألف ملك ينادونه من خلفه الى أن يرجع الى منزله: ألا طبت وطابت لك الجنة» (الكافي: ج2ص177 باب زيارة الإخوان ح9)

 

يقظة:

نعم الى ان يستيقظ المسلمون من نومهم وسباتهم.. والى ان يحس المسلمون فرداً فرداً بمسؤليتهم، ويرجعون الى رحمة الأخوة الإسلامية، ويضعوا أيديهم في أيدي البعض الآخر، فإن هذه التفرقات والنزاعات الحزبية والقومية والعنصرية موجودة وباقية، وكلنا سنكون تحت تسلط الشرق والغرب.

ولكن فيما إذا توجه المسلمون يوماً للأخذ بأحكام وأهداف القرآن الكريم ومراعاة ذلك ومن أهمها (قانون الأخوة والوحدة)، بالإضافة الى مزج القول بالعمل والسير على نهج الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وعترته الطاهرة عليهم السلام، ففي ذلك الوقت نصل ـ بعون الله تعالى ـ الى النتيجة المطلوبة وهي بعث الأمة الإسلامية الواحدة، وتشكيل حكومتها العالمية بإذن الله تعالى، فإن من سنن الكون أن العاملين يصلون والذين لا يعملون لا يصلون الى أهدافهم، وهذا ما يصرح به القرآن الكريم حيث قال تعالى: (..كُلّاً نُّمِدُّ هؤُلاَءِ وَهؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ..) الإسراء:20 أي ان كل من يستفيد من قدراته وطاقاته بالنحو الأفضل والأحسن فسنمده ونعطيه.

نعم، باليقظة والإنتباه الكاملين للمسلمين في كل انحاء المعمورة، وبالإتكال على الله تعالى واستمداد العون منه، وبتعميق وترسيخ معاني الأخوة الإسلامية، سيصل المسلمون الى هدفهم، إن شاء الله، وهو نجاة كل الأمة من قيود القوى الإستعمارية والسائرين في ركابها. قال تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) الطلاق:3.

أو على أقل التقادير فالنتعلم كيف نتعايش سلمياً بعيدين عن اساليب التكفير واتهامات الشرك وقد قال سبحانه: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) البقرة: 256.

 

دعاء:

(اللهم إنا نرغب أليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة الى طاعتك والقادة الى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة). (مفاتيح الجنان: من دعاء الإفتتاح)

والحمد لله رب العالمين