الصوم تنظيم للحياة وتكامل للنفس

مقال مستفاد من عبق كلمات سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

alshirazi.net

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين و وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد..

الشريعة وتنظيم الحياة:

الشريعة المقدسة قانون متكامل للحياة بوضع إلهيٍ دقيق فالصلاة كعبادة منظمة فرضت على المسلمين في كل يوم وليلة خمس مرات فنظمت يوم الإنسان وفقها فضلاً عن الغايات العظمى الأخرى منها كمسألة الخضوع والذلة لله سبحانه كونه الرب الخالق البارئ الرازق المتعالي العظيم الواحد الأحد الذي لا يجوز السجود والعبادة إلاّ إليه سبحانه, ومن  هنا نجد الصلاة عبادة ترويض للبشر وتهذيب للنفوس ضد الكبر والعجب وغيرها من الأمراض الأخلاقية وكذا الصوم الذي فرضه الباري سبحانه كعبادة تضمنت فلسفة ترويض النفس، وشهر رمضان موسم بناء النفس وتكاملها وفي هذا الصدد قال المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله: «نحن جميعاً بحاجة إلى ترويض وانتباه بحيث إذا دخل أحدنا شهر رمضان وخرج منه يكون قد تغير ولو قليلاً. وشهر رمضان المبارك هو مناسبة جيدة جداً للإنسان كي يغيّر نفسه. فلا توجد فرصة للرياضة الروحية, وترويض النفس أعظم من الصوم, لأن الإنسان الخاوي البطن تقل شهواته, كل حسب الأجواء الروحية التي تقربه إلى الله تعالى. وهذه الأجواء الرائعة متوفرة في شهر رمضان, أي أن أجواء هذا الشهر تساعد الإنسان على ترويض نفسه. فلنتخذ من هذا الشهر الكريم مناسبة لتغيير أنفسنا فيه حقيقة.

إن شهر رمضان هو شهر الله سبحانه وتعالى, اختص به دون باقي الشهور, فهو شهر لتنظيم حياة الإنسان والتغيير نحو الأفضل والتطهر من كل دنس , والطاعة لله سبحانه, وفيه يغفر الله للإنسان كل يوم ليلة أضعاف ما يغفره في سواه من الشهور, كما خصّه بليلة القدر التي هي أعظم من ألف شهر, ويغفر الله فيها ما لا يغفر في غيرها من الليالي والأيام, وكذلك يغفر الله في أوله ووسطه وآخره. فشهر رمضان هو شهر «العفو العام». فمن لم يشمل بالعفو فيه فهو الشقي حقاً».

 

الصوم والترقي والتكامل:

الصوم بذاته كعبادة منظمة منظَّم إلى أقسام ثلاثة ـ وفق المتخصصين في علم الأخلاق ـ وهي الصوم العام والخاص وخاص الخاص, فالإنسان المكلف يرتقي من قسم إلى آخر بغية التكامل النفسي والأخلاقي حيث يبتدأ بالصوم العام وكما يعِّرفه سماحة المرجع الشيرازي هو: «الكف عن المفطرات المذكورة في الكتب الفقهية والرسائل العملية من الأكل والشرب والكذب على الله ورسوله, والإرتماس في الماء, والبقاء على الجنابة حتى الفجر, والتقيؤ عمداً وغيرها من الأمورالتي إن لم يلتزم بها المرء لا يصدق عليه انه صائم».

وإذا ترقى إلى مرتبة تكاملية أعلى فنوع صومه يختلف ما يعرف بالصوم الخاص وحوله يعقب سماحة المرجع بقوله: «وهو أرقى من الأول (أي من الصوم العام) وأرفع درجة ـ فهو الكف عن المحرمات كلها إضافة إلى ما ذكر, أو ما يسمى بصوم الجوارح مثل: كف السمع عن محرمات السمع كالاستماع إلى الغيبة, وكف البصر عن محرماته كالنظر إلى المرأة الأجنبية بريبة, وكف اللسان عما لا يحل له كالكذب واغتياب الآخرين, وهكذا».

ثم تتسامى النفس بتكاملها فتصوم صوماً يعرف بخاص الخاص عاكساً صفاء النفس وشفافيتها وعلو شأنها وفي هذا النوع من الصوم يبلغ الإنسان تكاملاً من صنف خاص يعقب سماحته حوله قائلاً: «وأما الصوم خاص الخاص: فلا يتوقف حتى عند هذا الحد ـ أي المرتبة الثانية وهي الصوم الخاص ـ بل يرتقى ليشمل النوايا والفكر أيضاً. فالصائم في هذه المرتبة لا يقتصر على الكف عن المفطرات وعموم المحرمات فحسب بلا يفكر فيها ولا تحدثه نفسه بها.

أي أن هناك فريقاً من الناس لا يتورعون عن المعصية ويكفون عنها وعن المحرمات فحسب بل يتورعون عن التفكير فيها أيضاً, فهم يصومون عن المفطرات العامة, وتصوم جوارحهم عن ارتكاب الذنوب, كما تصوم جوانحهم عن التفكير فيها, وهذا الصوم خاص الخاص وهو أعلى مراتب الصوم وأقسامه».

 

صوم العالم:

 لا شك أن العالم في كل شيء أفضل من الجاهل فالنجار العالم بمهنته أفضل من ذلك النجار الذي لا يحسن إلاّ أمور بسيطة فتجد الفنان العارف بأسرار فنه يقوم بأبسط الأعمال وبجهد قليل لإنتاج قطعة فنية ذات قيمة مالية وفنية عالية وبخلافه الجاهل بأسرار الفن وعلومه يقوم ببذل الجهود الكبيرة لقاء مبالغ مالية زهيدة, وذات الأمر نجده في العبادات والطاعات لله فالعالم بأسرار الشريعة يعرف أفضل الأعمال وأكثرها ثواباً بخلاف الجاهل، وفي هذا الصدد يشير سماحة السيد المرجع صادق الحسيني الشيرازي دام ظله بقوله: «إن أفضل الأعمال في شهر رمضان ـ كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله ـ هو الورع عن محارم الله, وهذا يتطلب ما يلي:

أولاً: معرفة المحرمات.

ثانياً: مطالعة الروايات التي عدّدت المحرمات, لأن كثيراً من هذه الروايات تؤثر في دفع الإنسان لترك المحرمات, بسبب توفرها على علل التحريم وكذلك العقوبات التي تنتظر مرتكبيها.

ثالثاً: الابتعاد عن كل المناهي, لأن من المناهي ما هو حرام ومنها ما هو مكروه, لا سيما إذا لم يتضح لنا بعد أن الأمر الفلاني مكروه أو حرام, فإن ذلك من مقتضيات الورع.

 والحمد لله رب العالمين.