اثر هجرة السادة آل الشيرازي في نشر التشيّع

alshirazi.net

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد: قال تعالى: (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ  يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى‏ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَحِيماً) النساء: 100.

الهجرة في سبيل العقيدة من أفضل السبل التي اعتمدها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأتباعه من المسلمين في نشر الإسلام الحنيف من جهة والمحافظة على تقوسهم ودينهم من جهة اخرى, حيث كان المسلمون في مكة المعظمة مستضعفين تسومهم قريش سوء العذاب فخرجوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الحبشة (إثيوبيا حاليًا) وبقيادة جعفر بن ابي طالب عليه السلام فاستطاع المسلمون بذلك الفرار من الاوضاع المذرية في مكة بسبب طغيان مشركي قريش واستثمار هذه الالفرصة في نشر الإسلام وفعلاً دخل الكثير من الاحباث وغيرهم إلى الإسلام بما فيهم ملكهم النجاشي.

 

الهجرة إلى المدينة وتأسيس أول دولة اسلامية:

هاجر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله بالمسلمين إلى مدينة يثرب ليكون اول دولة إسلامية في المدينة المنورة وآخذ بتنظيم اور المسلمين هناك وفق نظام دقيق جدًا وبعيد عن التعقيد الاداري في ذات الوقت فأخذ الاقتصاد فيها بالنمو السريع وتوسعة حركة العمران وكذا الزراعة حيث توسعة رقعة الأراضي المزروعة بشكل كبير بفضل القانون الالهي الذي طبقه الرسول صلى الله عليه وآله وهو «الأرض لله ولمن عمرها».

اصبحت يثرب الصغيرة المستضعفة من اوسع مدن الجزيرة العربية وأكثرها تطورًا من النواحي كافة واخذ كل من يدخل في الإسلام ينتقل للسكن فيها فاصبحت قبلة المستضعفين وملاذ اللاجين وعاصمة المسلمين, فاكتسبوا بذلك قوة مستعلمين دائمًا بل ومتابعين اخبارها.

 

انحراف واختلاف فتمزق:

  الدول مثل البشر تلد ضعيفة ثم تشب فتقوى بعد ذلك تهرم وتضعف فتتفاوت أعمارها وفق الظروف والأحوال المحيطة بها. الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله مؤسس الدول ومشرع قوانينها الالهية الخالدة امد المسلمين بإتباع الأسس الدستورية في الحكم الإصلاحي وعدم مخالفتها مؤكدًا على ذلك في كثير من الوقائع والمواقف أبرزها يوم غدير ثم حين ابلغ ان امر الله سبحانه هو ان يكون على رأس الدولة الاسلامية الفتية بعد رحيل الرسول صلى الله عليه وآله هو أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام فهو امام الأمة المفترض الطاعة, الا انهم أبو الا اتبع سنن من كان قبلهم. 

فكان الانحراف العظيم: بالانقلاب على الاعقاب اثر التأمر بين بعض المسلمين, فأثر ذلك في النموذج الالهي للدولة وابتعدت الدولة الفتية عن هدفها المرسوم ابعد ما يكون حتى تمزقت بعد ذلك اثر تطاول السنين والايام والقرون وعاد المسلمون مستضعفين في دولهم ومازالوا لم يأخذ العبرة من ذلك ويمتثلوا الاوامر الالهية في تطبيق القوانين الاسلامية العادلة.

 

العراق بلد العلماء والمذهب الحق:

منذ ان اتخذ امير المؤمنين عليه السلام الكوفة عاصمة دولته اخذ مذهب اهل البيت عليه السلام بالتمركز فيه حتى اصبح بعد ذلك مقر التشيع ومركز العلم وكثير من طلبة العلم يقصدونه بغية ذلك, فاصبح حوزة العلم وقبلته ومنطلق الفكر ومقصده فكثر العلماء الأفذاذ عبر التاريخ قرب مراقد القادة الميامين المعصومين في النجف الاشرف وكربلاء المقدسة والكاظمية المقدسة على ساكنيها افضل الصلاة والسلام, وكلما مرت محن وآهات وظروف سياسية واقتصادية قاهرة كان العلماء ملاذ اللاجئين المؤمنين, فكانوا بحق قادة وحكام شرعيين والحديث ـ في هذا الجانب ـ ذو سعة عظيمة يحتاج إلى مجلدات عدة.

اذًا: تكونت الحوزات العلمية ومراكز العلم في مدن العراق المقدسة وتكونت بذلك الاسر العلمية وبرز عبر القرون منها الكثير في العلماء العاملين المجاهدين حتى اذا ما جاء القرن العشرين الميلادي اخذ الاستعمار الغربي باحتلال الأول فكان العراق مقصد الاستعمار البريطاني وفعلاً ثم احتلال البصرة 1914 م وبغداد 1917 م والموصل 1918 م وبذلك أكمل احتلال العراق، اخذ العلماء واتباعهم المؤمنين بالتصدي للغزو الكافر وجرت معارك عدة، وفي عام 1920م اندلعت الثورة العراقية الكبرى بقيادة المجاهد آية الله العظمى الشيخ محمد تقي الشيرازي قدس سره واستطاع بواسطتها وضع الحجر الاساس للدولة العراقية الحديثة وقد دفع لقاء ذلك حياته الشريفة.

 

دهاء المستعمر:

لم يقف المستعمر البريطاني مكتوف الأيدي أمام العراق وقادته الأحرار بل اخذ بالالتفاف على المطالب المرجعية والشعبية بتأسيس دولة مستقلة حقيقةَ وليست شكلية، فأخذ المستعمر بدس عملاءه في السلطة السياسية العراقية ووضع ستراتيجية محددة الأهداف بالقضاء على القادة الحقيقيين وإبعاد القاعدة الشعبية عن مرجعيتها الدينية ومصدرها الحضاري والثقافي وذلك بوضع  مناهج دراسية وإعداد بعثات كذلك بغية إيجاد جيل منحرف فكرياَ مؤهل لدعم العميل الأكبر الذي سيتم اختياره لاحقاَ لحكم العراق بمواصفات خاصة أبرزها التعصب المذهبي ضد الغالبية الشيعية المؤمنة.

دفعت الاسر العلمية والمرجعية الشيء الكثير حتى إذا ما وصل لحكم العراق العفالقةُ  في ستينات القرن المنصرم اخذوا بالانتقام لأسيادهم الغربيين من قادة الفكر والعلم والسياسة لاسيما السادة آل الشيرازي الكرام وكشاهد حال على ذلك ما جرى لسماحة السيد الشهيد آية الله حسن الشيرازي من تعذيب وسجن وإرهاب, حيث كان سماحته من أوائل العلماء الشيعة السبّاقين في التصدي لحكم العفلقي وفكره المنحرف وعمالته للغرب فكان مصير التعذيب والسجن ومن ثم ونتيجة الضغوط الكبيرة افرج عنه فهاجر إلى لبنان فكان عهد جديدة لبلاد الشام حيث استطاع تأسيس الحوزات العلمية والمدارس الدينية ابرزها الحوزة العلمية الزينبية فاستطاع بذلك تربية الآلاف من العلماء وإرسالهم إلى دول العالم عاملين ومجاهدين في سبيل نشر المذهب الحق وفعلاً انتشر المذهب في كثير من الدول بفضل جهوده المباركة.

 

هجرة الإمام الشيرازي الراحل قدس سره:

اثر الضغوط الضغوط الكبيرة التي مارسها العفالقة على الإمام الشيرازي الراحل قدس سره واخوته العلماء هاجر بمعية بعض العلماء وكذا طلبته والمرتبطين به إلى الشام ومنها إلى الكويت وعمل واخوه السيد المرجع آية الله العظمى صادق الحسيني الشيرازي على تأسيس المؤسسات ومنها حوزة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله فأصبحت مركز الإشعاع الحضاري في الخليج انتشر مذهب الحق منه في دجول الخليج والعالم بشكل كبير وبخاصة وان المدرسة الشيرازي تؤكد وبشكل كبير على تخريج علماء وخطباء ودعاة ذوي كفائة عالية وعقيدة سليمة وولاء كبير للمعصومين. 

انتشر دعاة المدرسة الشيرازية في اصقاع العالم هادين الناس إلى المذهب الحق فاستبصر الكثير واهتدى جمع غفير, وهكذا الأمر بعد الهجرة في الكويت إلى قم المقدسة حيث اتسع النشاط أكثر في أعداد العلماء والمبلغين وتأسيس المؤسسات الخيرية والإنسانية والثقافية وبالتعاضد مع المؤسسات الثقافية الأخرى في الخليج ولبنان وسورية والدول الأخرى فكانت مسيرة العقود الماضية مفعمة بالنشاط التبليغي والدعوة الحق.

 

المدرسة الشيرازية واستشراف المستقبل:

القائد الحق هو العالم بزمانه والذي لا تلتبس عليه اللوابس, والقائد الحق هو المتعامل مع الوقت وظروفه المختلفة أفضل تعامل ممكن مفتنمًا ما متوفر من وسائل والأفضل منه ذلك السباق إلى ميادين ووسائل جديدة غير مسبوقة موضفًا اياها في خدمة الحدف الأسمى, وهنا نقول: إن المدرسة الشيرازية بحق سباقة في استشراف المستقبل والعمل طبق ذلك فكانت أول مدرسة فكرية شيعية استثمرت القنوات الفضائية ووسائل الإعلام الأخرى في نشر مذهب الحق فعملت جاهدًا على تأسيسها وفعلاً أسست أول فضائية شيعية وهي قناة الأنوار الفضائية, فاستطاعت بذلك من تمكين العلماء والمبلغين وخدمة سيد الشهداء الحسين عليه السلام من مخاطبة الملايين من الناس داعينهم إلى المذهب الحق مبينين للحقائق مزيلين الحواجز فاتحين ومبشرين.

وخلاصة الأمر وكما نقل لي أحد أساتذتي عن الإمام الشيرازي الراحل قدس سره انه قال بما مفاده: «إن صدام اللعين بتهجيره العلماء والمؤمنين من العراق قد قدم من حيث لا يقصد أفضل خدمة للتشيع حيث انتشر الدعاة في العالم مبِّلغين المذهب الحق وبذلك انتشر التشيع في العالم أجمع».

 والحمد لله رب العالمين