القانون الإسلامي بين الصلاحية والمؤاخذات وفق رؤى المرجع الشيرازي

alshirazi.net

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم أجمعين والى قيام يوم الدين..

وبعد: دائماً ما يثير المشككون بصلاحية تطبيق القانون الإسلامي الكثير من المؤآخذات والإشكالات التي يبتكرونها ويبدعونها بغية ايجاد اعذار من شأنها ان تسوّغ تصرفاتهم واعتقاداتهم بل وتشريعهم قوانين وضعية مخالفة للقوانين الإلهية رغم ان القانون الإلهي صريح بفسق وظلم من يخالفه تشريعاً، قال تعالى: (وَمَن لَمْ  يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المائدة: 45، وقال تعالى: (وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُوْلئِكَ  هُمُ الْفَاسِقُونَ) المائدة: 47.

فمن تشكيكاتهم إثارة مسألة صلاحية التطبيق للقوانين الإسلامية وأخرى مؤاخذات شدة وغلظة القوانين الإسلامية وغيرها، ومن هنا تطرقنا الى بعض تلك المسائل والمواضيع وبايجاز شديد بما يتناسب وحجم المقالة تاركين التفاصيل الى مضانها من كتب العلماء كمصنفات الإمام الشيرازي الراحل اعلى الله درجاته مع ملاحظة اعتمادنا هنا في ايراد الإشكال ورده وفق رؤى المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله الوارف، ومن تلك المواضيع:

 

صلاحية القانون الإسلامي:

القانون الاسلامي صالح للتطبيق لا حسب عقيدتنا فحسب بل لما قام عليه الدليل والبرهان واثبته التجربة، إنما المشكلة في حملته حيث لا منهجية صحيحة لهم تصلح لاقناع الناس ولا يتخلق حملته الداعون اليه على الاغلب باخلاق القائد الصالح فعلى من يريد تطبيق قوانين الاسلام من جديد ان يوفر في نفسه ومنهجه ما يوجب التفاف الناس اليه حتى يستطيع ان يخطو بالناس الى الامام.

 

مؤاخذات غير صحيحة:

لقد اخذ على القانون الاسلامي حسب ادعاء البعض كبته لبعض الحريات التي تمنحها قوانين الانظمة الديمقراطية من قبيل تنفيذ رغبات الانسان من شرب الخمر والزنا والقمار والربا برضى الطرفين والغناء وما اشبه وتقرير الاسلام للاسترقاق مع الغائه من قبل الغرب وحرمان المرأة من بعض حقوقها.. وغير ذلك.

كل هذه المؤاخذات على الاسلام مع قطع النظر عن سوء الفهم في بعضها هي في الحقيقة من مناقب الاسلام مضافاً الى وجوب طاعة اوامر الله تعالى بما يصلح الانسان ويفسده وبيان ذلك يحتاج الى التفصيل في الكلام ولكن نذكر الجواب بإيجاز:

 

كبت الحريات:

لا شك في ان الحرية يجب ان تكون في اطار مصلحة الانسان بما هو انسان فلا يضر نفسه ولا يضر الاخرين والا كان من الفوضى والخبال فهل يصح ان يقال: بحرية القتل وسفك الدماء وسرقة الاموال وهتك الاعراض والانتحار وما اشبه بذلك.

 

قانون الاسترقاق:

الاسترقاق بالطريقة الشرعية وبشروطه المقررة افضل طريق عقلائي قرره الاسلام لحفظ كرامة الانسان ـ كما بين تفصيله في بعض كتب الامام الشيرازي الراحل رحمه الله ـ وان الاسلام يقر قانون الرق في اطار انساني عادل وقد اكد على حسن معاشرتهم وبين حقوقهم وحبّذ على عتقهم ورتب عليه الثواب الكبير.

 

حرمان المرأة:

عدم تجويز «أي قانون» ينافي شأن المرأة وانوثتها مما يؤيده العقل والعقلاء فان الاسلام اخذ بعين الاعتبار صلاح المرأة وكرامتها وسن لها من الحقوق بعض ما يتفاوت من حقوق الرجل حفظاً لفطرتها وعواطفها وابقاء على شخصيتها وكرامتها.

 

غلظة القوانين الجزائية:

القوانين الجزائية الاسلامية في كثير من مواردها هي اقرب للتخويف من التطبيق ومن هنا يعلم عدم صحة ما ادعاه البعض من شدة وغلظة القوانين الجزائية في الاسلام كقانون الحدود والقصاص والديات والتعزيزات فان كان المراد شدته في الزنا فانه لايثبت الا بقيود كثيرة لا تتوفر غالبا مثل: اربعة شهود عدول يشهدون انهم رأوا ذلك كالميل في المكحلة او اربع مرات من الاقرار مع كامل الاختيار ولا يتفق وقوع مثل هذا الا نادراً فوضع مثل هذه العقوبة اقرب الى التخويف من التحقيق وذلك من اجل صيانة المجتمع وحفظه.

وان اريد ماهو في السرقة فانه لا يثبت الا بعد توفر زهاء خمسين شرطا. وان اريد ماهو في القصاص فان القصاص قد قررته بعض الحكومات الغربية الذين يعدون انفسهم متحضرين.

هذا مضافاً الى ان الامام عليه السلام العفو في كل ذلك اذا رآه صالحاً.

 

التعدي في العقوبات:

يتسائل البعض عن كيفية وضع الشارع قانون العقاب التشريعي بحيث يتعدى الى غير المجرم فانه اذا زنت بنت انسان والعياذ بالله فهذا يوجب عليها الحد واقامة الحد على الزانية يستلزم خدش سمعة العائلة مع انهم ليسوا مذنبين ويتسائلون ايضا عن منافاة ذلك مع قوله تعالى: (مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) الانعام: 164، وقوله تعالى: (وَأَن لَّيْسَ لِلاِْنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى‏) النجم: 39.

وذلك انما يكون للامر الاهم فان خرق العفة الاجتماعية اوجب عقابا لا بد له من هذه الملازمة ورتق العفة الاجتماعية اهم مما يلازمه من خدش سمعة العائلة والاقرباء هذا بالاضافة الى ما في فعل هذه الملازمات من الردع العمومي والوقاية المستقبلية مما يوجب مواظبة الاقرباء على ذويهم حتى لا ينزلقوا في المفاسد.

 

ما يستدعي وضع القانون:

قالوا ان اصول الاحتياجات الجسدية عشرة وهي: المسكن و الملبس والمركب والطعام والدواء والزواج والاولاد ووسائل الراحة والجمال والتجمع فان هذه الامور هي ما يطلبها الانسان ويحتاج اليها فاللازم على القانون ان يوفرها حسب مختلف المستويات.

واصول الاحتياجات الروحية هي عشرة ايضا: الايمان والعلو والفضيلة والتقوى والتقدم والامن والاستقلال والحرية والمساواة والعدالة.

 

القانون بين الشدة واليسر:

القانون الاسلامي بصورة عامة وضع لليسر سواء في الواجبات او المستحبات وانما الشدة احياناً تأتي من باب الاهم والمهم فهي استثناء لا اصل.

اما لماذا يجعل الاسلام اليسر واجباً فلان الاسلام جعل ما لا بد منه واجباً او محرماً ووسع في غير ذلك لئلا يكون قد ضيق على الانسان في تكثير الواجبات والمحرمات وجعل غير ذلك تحت عنوان المستحب والمكروه توسعة على الناس لمن اراد الفضل بالميل نحو المستحب فعلا والمكروه تركاً.

 

الاحكام في قالب القانون:

يجوز صب الاحكام القانونية في قوالب القوانين المدنية الحديثة على شرط عدم تغيير الاحكام بالزيادة والنقيصة، لأن المهم الحكم اما القالب فلا اعتبار به الا ما خرج بدليل ومن الواضح انه يلزم ان يكون الصب بحيث لا يوجب تقييد إطلاق الحكم او إطلاق مقيده بل اللازم التساوي بينهما لا الثلاثة الاخر من التباين ومن الوجه والمطلق.

 

وضع القانون:

لا يجوز وضع القوانين غير الاسلامية فانه مشمول لقوله تعالى: (َمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ  اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44.

ومن هنا لا يجوز حجز الإنسان إلا بدليل شرعي، وقد ورد ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يحجر الإنسان المتهم بالقتل ستة عشر يوماً فقط، والحمد لله رب العالمين.