سياسة الإسلام في الحكومة العليا

 

مقال مستل من كتاب «السياسية من واقع الإسلام»

للمرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله

alshirazi.net

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الخلق محمد واله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على اعدائهم اجمعين الى قيام يوم الدين.

وبعد: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة،كلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فأولهن نقض الحكم».

 

الحاكم الأعلى «الإمام عليه السلام»:

من الأمور التي اعتني بها الإسلام بالغ الاهتمام في تعديله واصلاحه هي (الهيئة الحاكمة) ونعني بها:الذي يحكمون الناس،من مثل:الرئيس الأعلى للبلاد الاسلامية، الذي يعبر عنه بـ(الإمام) أو(الفقيه الكامل) أو (شورى الفقهاء) وحكام الإمام أو الفقيه وولاته وعمال الولاة.

فانظر إلى الإسلام كيف عين هؤلاء، وكيف اتقن في أمورهم.

فالرئيس الأعلى، يجب أن يلاحظ جميع حاجات المسلمين فيسدها ويغيث الضعفاء والمضطهدين،ويستمع إلى الفقراء والمساكين،وإليك نقاطاً سريعة عن تاريخ الرئيس الأعلى في الإسلام.

 

من مسؤولية الحاكم:

في مفتتح خلافة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الظاهرية بعد مقتل عثمان خطب الإمام عليه السلام خطبه ذكر فيها مسؤولية الرئيس الأعلى في الإسلام،جاء فيها مايلي: (إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:أيما والٍ ولي أمر أمتي من بعدي أقيم يوم القيامة على حد الصراط،ونشرت الملائكة صحيفته، فان نجا فبعدله، وان جاز انتفض به الصراط انتفاضة تزيل مابين مفاصله حتى يكون بين كل عضو وعضو من أعضائه مسيرة مائة عام يخرق به الصراط فأول مايلقى به النار أنفه ووجهه) بحار الأنوار:ج8الطبعة القديمة:ص370.

(وفي الحديث):ان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن ليشبع من الأكل،وكان يقول: (ولعل بالحجاز أو اليمامة،من لاطمع له في القرص ولا عهد بالشبع) نهج البلاغة:الكتاب 45.

 

محاسبة الولاة:

(ومحاسبة) الولاة والعمال كانت في سيرة الإمام علي أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام لكيلا يستغل بعضهم منصبه ومقامه فيجمع الأموال من أي طريق حصلت.

وسيأتي قريباً نقل بعض رسائل الإمام عليه السلام في ذلك.

وغير هذه الأحاديث ..وغيرها..كثير.

هذه نماذج من السلطة العليا في نظر الإسلام،وما هو تكليف إمام المسلمين.

وهكذا يجب أن يكون إمام المسلمين وخليفة الله،يهتم بأمور المسلمين.

ألا ترى أن معاوية ويزيد والوليد وأضرابهم،حينما انحرفوا عن القوانين الإسلامية،فأخذوا بجمع الأموال والانسياق وراء مشتهيات النفس وترك أحكام الله كان المسلمون يردون عليهم ويهددونهم ويقتلون بعضهم، ويثورون ضد آخرين منهم.

كل ذلك لأن الخليفة يجب أن يرى نفسه عاملاً لرفع كلمة الله في البلاد فقط وفقط.

 

علي عليه السلام يصف سلطته الشرعية:

و(هنا) يجدر بنا أن نقتطف من سيرة أمير المؤمنين علي عليه السلام في هذا الشأن من شفتيه الكريمتين مايلي:

(ألا وان لكل مأموم إمام يقتدي به، ويستضيء بنور علمه)

(ألا وان إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه)

(ألا وانكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد فوالله ماكنزت من ديناكم تبراً ولا أدخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا، ولا خزت من أرضها شبراً،ولا أخذت منها إلا كفوت أتان دبرة) ولهي في عيني أوهي وأهون من عفصة مقرة).

 

فدك:

(بلى كانت في أيدينا(فدك) من كل ما أظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس قوم آخرين، ونعم الحكم الله، وما أصنع بفدك وغير فدك، والنفس مظانها في غدٍ جدث).

(تنقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها، وحفرة لو زيد في فسحتها، وأوسعت يدا حافرها، لا ضغطها الحجر والمدر وسد فرجها التراب المتراكم).

(وانما هي نفسي أروضها بالتقوى، لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق).

 

لا...للترفية:

(ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة).

(ولعل بالحجاز أواليمامة، من لاطمع له في القرص، ولاعهد له بالشبع)

(أو أوبيت مبطاناً،وحولي بطون غرثى وأكباد حرى أو أكون كما قال القائل:

وحسبك داءاً أن تبيت ببطنة                  وحولك أكباد تحن إلى القد

 

لا...للأنانية:

(أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين،ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش؟ فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة، همها علفها أو المراسلة شغلها تقممها، تكترش من أعلافها، وتلهو عما يراد بها).

(أو أترك سدى، أو أهمل عابثاً، أو أجر حبل الضلالة، أو أعتسف طريق المتاهة).

 

الشجرة البرية أصلب عوداً:

(وكأني بقائلكم يقول: إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب، فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران، ومنازلة الشجعان).

(ألا وان الشجرة البرية، أصلب عوداً، والرواتع الخضرة أرق جلوداً، والنابتات العذية أقوى وقوداً، وأبطأ خموداً).

(وانا من رسول الله كالصنو من الصنو والذراع من العضد).

كل الاعتماد على الله تعالى: (والله لو تظاهرت العرب على قتالي، لما وليت عنها، ولو أمكنت الفرص من رقابها، لسارعت إليها.. إليك عني يا دنيا، فحبلك على غاربك قد أنسلك من مخالبك، وأفلت من حبائلك، واجتنبت الذهاب إلى مداحضك).

أين القرون الذين غررتهم بمداعبك، أين الأمم الذي فتنتهم بزخارفك، ها هم رهائن القبور، ومضامين اللحود، والله لو كنتِ شخصاً مرئياً، وقالباً حسياً، لأقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بالأماني وأمم القيتهم في المهاوي وملوك أسلمتهم إلى التلف وأوردتهم موارد البلاء، إذ لا ورد ولا صدر)

(هيهات من وطئ دحضك زلق ومن ركب لججك غرق، ومن أزور عن حبائلك وفق، والسالم منك لا يبالي ان ضاق به مناخه، والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه، اعزبي عني فوالله لا أذل لك فتستذليني، ولا اسلس لك فتقوديني).

 

رياضة النفس:

(وايم الله يميناً استثني فيها بمشيئة الله، لأروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص، إذا قدرت عليه مطعوماً وتقنع بالملح مأدوماً، ولأدعن مقلتي كعين ماء نضب معينها مستفرغة دموعها، أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك وتشبع الربيضة من عشبها فتربض ويأكل علي من زاده فيهجع!، قرت إذاً عينه، إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة، والسائمة المرعية!).

(طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها وعركت بجنبها بؤسها، وهجرت في الليل غمضها، حتى إذا غلب الكرى عليها، افترشت أرضها، وتوسدت كفها في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم وهمهمت بذكر ربهم شفاههم، وتقشعت بطول استغفارهم ذنوبهم «أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» الحشر:22

(فاتق الله يا بن حنيف، ولتكفف أقراصك ليكون من النار خلاصك) نهج البلاغة: الكتاب 45.

 

مواساة أضعف الرعية:

ومن تكاليف الرئيس الأعلى للدولة الاسلامية، أن تكون معيشته الشخصية ـ في مسكنه، وملبسه، ومأكله، وغير ذلك ـ مثل أضعف الرعية اقتصادياً.

وهذا ما  لا يوجد إلا في الإسلام، فإنك لا تكاد تجد لذلك من نضير في غير الإسلام.

أما الأسلام فقد طبق ذلك في سيرة الرسول صلى الله عليه واله وآله الأئمة الطاهرين عليه السلام.

ففي نهج البلاغة للامام أمير المؤمنين عليه السلام، جاء النص التلي: «ان الله تعالى فرض على أئمة العدل، أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كي لا يتبيغ بالفقير فقره» نهج البلاغة: الخطبة209.

وقد نقلنا في الفصل الرابع قصة أمير المؤمنين عليه السلام عندما سمع صوت المقلي في بيته.

وبالفعل، فقد طبق أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام هذه الحكمة الخالدة على نفسه عندما تسلم أزمة الحكم في البلاد الإسلامية.

فقد ورد في الحديث الشريف،أنه عليه السلام كان يأكل اللحم في السنة مرة واحدة فقط وذلك في عيد الأضحى عندما يأكل جميع المسلمين اللحم، أما طول السنة فلم يكن علي عليه السلام ليأكل اللحم، لأن كل يوم من أيام السنة لابد وان هناك بعض رعيته دائماً وأبداً،

 

العمال والولاة:

أما الولاة وعمال الولاة وان كانت أحكامهم أخف من الإمام عليه السلام، ولكنهم أيضاً يجب عليهم أن يتخذوا مسلك الإمام عليه السلام.

فإذا كان وال أو عامل لا يمضي على حكم واحد من أحكام الإسلام كان يُعزل.

فهذا (الوليد) حين كان والياً على العراق وشرب الخمر، عُزلَ وأُتي به إلى المدينة، وأقام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام  عليه حد شرب الخمر، فضربه ثمانين جلده.

وفوق هذا: ان عثمان بن حنيف الذي كان والياً على البصرة، من قبل الإمام أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام، حينما حضر مجلساً من الطعام الذي كان المدعوون فيه من الأغنياء فقط، كتب إليه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يهدده بهذا العمل ويصف له نفسه الشريفة ليتخذها الولاة والعمال أسوة: (أما بعد يابن حنيف، فقد بلغني أن رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان، وتنقل إليك الجفان، وما طننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو،وغنيهم مدعو، فانظر إلى ماتقمضه من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه وما أيقنت بطيب وجوهة فنل منه) نهج البلاغة:الكتاب 45.

والحديث ـ في هذا المجال ـ طويل .. وطويل، لكنا نكتفي بهذا المقدار.

والحمد لله أولاً وآخراً والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.