سماحة المرجع الشيرازي في ذكرى ولادة الرسول الأعظم يحدد المسؤولية والهدف

alshirazi.net

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعداءهم أجمعين إلى يوم الدين.

وبعد: مما لا شك فيه أن العلماء ورثة الأنبياء وان وظيفتهم إيصال تعاليم الأنبياء الى الناس وبالتالي فإن المسؤولية تتعاظم بتعاظم مسؤولية الرسول أو النبي الذي هو حجة الله على خلقه في الوقت الذي يكون فيه العالم حجة النبي على أتباعه بل على الناس.

سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله الوارف اغتنم ذكرى ولادة الرسول الأعظم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ليحدد الوظيفة والمسؤولية الملقاة على عاتق المؤمنين من العلماء ورجال الدين والوعّاظ والمثقفين ويعلن مسؤولية إيصال رسالة الإسلام والتشيّع الى العالم أجمع فيرى ان المسؤولية تقع على عاتق الجميع، وبخاصة أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله هو رسول الله إلى الناس كافة قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) الأعراف:158.

 

الفرصة السانحة:

يرى سماحة السيد المرجع دام ظله ان الفرصة اليوم سانحة لإيصال الرسالة أفضل من ذي قبل فالواجب اغتنامها ففيما مضى ضمن أحقاب التاريخ عانى شيعة أهل البيت عليهم السلام الأمرَّين من المتعصبين الجهلة ومن الطغاة الظلمة أعداء الله ورسوله بحيث قتل الآلاف منهم بل عشرات الآلاف ومئات الآلاف من أجل كلمة واحدة.

فمثلاً في عصر السلاجقة كان يؤتى بالشيعي ثم يختم على جبينه بحديدة محماة محمّرة منقوش عليها اسم أبي بكر وعمر وذكروا (أنّ من كان يُصنع به كذلك كان لا يخرج من داره إلى آخر عمره)؛ ربّما خشية الشماتة والاستهزاء من أعداء الشيعة، أو خجلاً من أقرانهم الشيعة. وكان من بينهم العالم والتاجر والطبيب والمثقف؛ لأنهم كانوا يصنعون ذلك بشخصيات الشيعة في الغالب.
فقد جاء في كتاب (آثار البلاد وأخبار العباد) للقزويني من القرن السابع الهجري وكذا في (تاريخ آل بويه) بالفارسية، وكتب أخرى: أنه لو اضطرّ أحدهم للخروج عصّب جبينه كالمصاب بالصداع أو البرد، لئلا يُعرف.
أمّا اليوم فلم يعد الأمر هكذا، ولو وجد ففي مناطق محدودة من العالم. أما في السابق فكانت هذه هي الحالة العامّة. ومع ذلك لم يقصّر الشيعة أو يقعدوا أو يتخاذلوا سواء علماؤهم أم عامتهم رجالاً ونساءً، شيباً وشبّاناً).

 

تأكيد على المسؤولية:

بعد أن حدد المسؤولية وبيّن ذهبية الفرصة في ظل الحرية النسبية الموجودة أكّد سماحته على المسؤولية مرة أخرى حيث قال: (أن مسؤوليتنا اليوم في ظلّ المتاح من الحريات أكبر بكثير؛ والمهمة واحدة وهي الإيصال. علينا أن نوصل رسالة الإسلام والتشيع إلى العالم أجمع، تحقيقاً لقوله تعالى: «إلَى النّاسِ جَميعاً» . ولا شك أن هذا يتطلّب الكثير من العمل، وبحاجة إلى طاقات ومقدّمات كثيرة. فعلى من تقع مسؤولية إعداد مقدمات الوجود؟ إنها مسؤولية عامّة مشتركة تقع على عاتق الجميع. كلنا مكلّفون بتهيئة هذه المقدمات، كلٌّ حسب مستواه وطاقته؛ حتى يتحقق قوله تعالى: «أقِيمُوا الدّين» الشورى:13، وتهيأ الأرضية لظهور مولانا بقية الله من العترة الطاهرة الإمام الحجة المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف وصلوات الله وسلامه عليه.

 

تبيان الآلية:

ان هدف ايصال الرسالة يتم ببساطة عبر العمل الفكري الخلّاق ولو كان عن طريق كتاب واحد كما حصل مع كتاب المراجعات للمرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي قدس سره ويذكر سماحته قصة اهتداء عالمين ادركهما بسبب هذا الكتاب وهما الشيخ احمد أمين الأنطاكي والشيخ محمد مرعي الأنطاكي رضوان الله عليهما حيث كان يعيشان في قرى أطراف مدينة حلب وشاء الله تعالى أن يقع بين يدي أحدهما نسخة من كتاب (المراجعات) للسيد شرف الدين رحمه الله. ولم يكن الشخص إنساناً عادياً بل كان عالماً وإماماً في منطقته. وعندما طالع الكتاب دهش بما جاء فيه؛ فبدأ بمراجعة الكتب الأخرى للتأكّد والمقارنة، فاكتشف أنّ كل ما جاء في (المراجعات) صحيح ودقيق، فتحوّل على أثر ذلك إلى مذهب التشيع لآل البيت سلام الله عليهم ولكنه كتم إيمانه، فكان كما قال الله تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) غافر: 28.
ثم عرض الكتاب على أخيه، فرفض الأخ في البداية بشدّة وقال ـ كما ورد في ما كتبوه بعد ذلك ـ ومن هم الشيعة لأقرأ كتابهم؟ إن هؤلاء ليس عندهم مقال يعتدّ به جدير أن يقرأ، وما أشبه. ولكن حبّ الإطلاع دفعه لتصفّحه في إحدى الليالي، وانتهي به المطاف إلى التشيّع هو الآخر.

ومن ثم فقد اهتدى بهدي هذين العالمين خلق كثير وكل ذلك يعود لكتاب واحد وهذا يكشف أهمية الكتابة والتأليف وبذل الجهد في طريق الهداية والتبليغ وعدم اليأس أبداً.

 

الهداية منحصرة في الإسلام الصحيح:

الهداية للدين الحق لا تتم إلا عبر إيصال الصورة الحقيقية الناصعة للإسلام ولقائده العظيم محمد صلى الله عليه وآله وفي هذا الإطار يقول السيد المرجع دام ظله: (فلو وصلت الصورة الحقيقية للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله والإمام الصادق سلام الله عليه للعالم المسيحي ودنيا اليهود وأوساط المجوس وأجواء المشركين وغيرهم من الملحدين وهكذا لغيّرت كثيراً من النظرة للإسلام والتشيع وحوّلت الكثيرين).

إذاً لو وصل الإسلام المنحرف الى العالم ومفكريه ومثقفيه فبالتأكيد لكانوا أعضاء مستميتين ضده.

 

مصاديق من اهتدى:

وبمناسبة الحديث حول إيصال الرسالة ومن ثم تحقيق الهدف وهو الهداية الى الحق يشير سماحته الى بعض مصاديق من اهتدى عبر التاريخ من النصارى واليهود كذلك فالعراق فيما مضى كان احد معاقل اليهود وفي هذا الإطار يقول سماحته: (لقد كان لليهودية أتباع في العراق حتى أنه كان عندهم ـ كما قرأت في التاريخ ـ خمس حوزات علمية كانت إحداها في منطقة الكفل، والبقية في المناطق الأخرى، لا أقول خمسة علماء بل خمس حوزات، ولكن الواقع اليوم مختلف تماماً، فقد تحوّل كثير من أولئك للإسلام والتشيّع.
ومنطقة الكفل المسماة باسم النبي ذي الكفل (على نبينا وآله وعليه السلام) لوجود قبره هناك تقع في منطقة تبعد عدة كيلومترات عن النجف وكربلاء المقدستين، كان يعيش فيها اليهود وكانت فيها إحدى حوزاتهم. وكان العلماء من المدينتين يذهبون اليها في أيام العطل يتباحثون مع علماء اليهود واستطاعوا أن يحوّلوا عديدين منهم، حتى أن المرحوم الشيخ الأنصاري يشير في كتابه (الرسائل) في باب الاستصحاب واستصحاب الشرائع السابقة الى إحدى هذه المباحثات التي كانت تجري بين علماء الشيعة واليهود، حيث يحتجّ ذلك العالم اليهودي بالاستصحاب، بدعوى أن نبوّة موسى على نبيّنا وآله وعليه السلام لها يقين سابق، وشكّ لاحق، وقاعدة الاستصحاب تقضي عدم نقض اليقين السابق بالشكّ اللاحق... ولكنه اهتدى أخيراً).

والحمد لله رب العالمين.