ركائز الإصلاح الذاتي والتميز الحقيقي عند الإمام الصادق عليه السلام

alshirazi.net

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الأبدية على اعدائهم اجمعين الى قيام يوم الدين.

لطالما شغف الكثير من بني الانسان ان يكونوا متميزين وبالاخص في مجال العمل والاختصاص وبالتالي اختلفت أُطر المعالجة وطرق الوصول لذلك الهدف الاصلاحي الذاتي، وهذا الامر ليس حديث اليوم بل هو متزامن مع وجود الانسان على الارض.

نعم برز الكثير من الناس في تميزٍ عجيبٍ وكبيرٍ رغم اختلاف الظروف والازمنة والامكنة، فهل بالامكان اتخاذ مصداق ما متميز اسوة وقدوة وصرف النظر عن المصاديق الاخرى، ام الجمع اكمل في ذلك فالواجب استقراء المصاديق وتألفها والخروج بقانون شامل للاصلاح الذاتي والتميز الحقيقي.

والجواب على السؤالين واضح، فالأول ان كان المصداق معصوماً فالأمر مقبول قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) الاحزاب:21، اما اذا لم يكن معصوماً فمصداق واحد محتمل الاخطاء غير كافٍ اما الثاني فتعذر الاستقراء التام للمصاديق واما الاستقراء الناقص فليس بحجة كما هو ثابت منطقياً.

اذاً فما الحل والعالم اليوم اوجد علماً خاصاً بأساليب الاصلاح الذاتي والتميز الحقيقي وإبراز القدرات عرف (البرمجة اللغوية العصبية).

 

اشكال على ذوي الاختصاص:-

المتأمل في ما كتبه أولوا الاختصاص في البرمجة اللغوية العصبية ليقطع بحقٍ اعتمادهم وقطعهم بنتائج قائمة اصلاً على استقراء ناقص وبالتالي يضعون الطرق والاساليب واصفينها بالنجاح وناصحين باقتفاءها لمن رام الفلاح، وما هي الا طرق للتحفيز بعضها وغير متلائم مع الشخص الطالب في بعضها الآخر.

وربما يردُّ البعض بأن هؤلاء الاختصاص إنما يبحثون ويؤسسون القاعدة ومن ثم يدعمونها بتلك القصص؟ إلا أن الواقع خلاف ذلك فبأدنى تأمل يستشف المراقب تفصيل القاعدة من قبلهم وفق القصة المراد ايرادها أو استنباطهم القاعدة من مصداق أو اثنين أو عشرة وبالتالي نقطع بعدم الكفاية لتأسيس القاعدة المبتغاة.

 

المعصوم والقاعدة:

مما لا شك فيه ان المعصوم عليه السلام عندما يؤسس لقاعدة او يعتمدها فإنها حق مسلَّم نقطع بذلك دونما ادنى شك فهي الى النتائج اقرب للواقع كأمر مؤكد وبضرسٍ قاطع وعلى ذلك اكدت الروايات وبعثت الآيات والبحث فيها موكول الى محله من علم الكلام والأصول في بحث حجية سنة المعصوم.

 

الإمام الصادق وركائز التُميّز:

قال الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام: «لا يصلح المؤمن إلا على ثلاث خصال: التفقه في الدين وحسن التقدير في المعيشة والصبر على النائبة» تحف العقول ص261، وقد ورد ايضاً عن الامام الباقر عليه السلام قال: الكمال كل الكمال التفقه في الدين والصبر على النائبة وتقدير المعيشة (الكافي ج1 كتاب فضل العلم ص32).

 اذاً وفق الحديث الشريف فإن ركائز الإصلاح الذاتي العلم والاقتصاد والصبر (أي قوة التحمل النفسي والذاتي).

 

الركيزة الأولى: الكفاءة العلمية

المتتبع للروايات الشريفة الواردة عم إمامنا الصادق عليه السلام يشهد الحق تأكيده على هذه الركسزة وهذا التأكيد منشأة القرآن العظيم قال تعالى: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) الزمر:9.

وقال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) المجادلة:11.

وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: قال: «إن العلماء ورثة الأنبياء وذاك أن الأنبياء لم تورثوا درهماً ولا ديناراً وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظاً وافراًً، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه، فإنَّ فينا أهل البيت في كل خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» (الكافي ج1 كتاب فضل العلم ص32).

وعن جميل عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: سمعته يقول يفدون الناس على ثلاثة أصناف عالم ومتعلم وغثاء، فنحن العلماء وشيعتنا المتعلمون وساير الناس غثاء. (نفس المصر 34).

وعن أبي بصير قال سمعت أبا عبد الله الصادق عليه السلام يقول: «من علّم خيراً فله مثل أجر من عمل به، وقلت: فإن علّمه غيره يجري ذلك له؟ قال: إن علّمه الناس كلهم جرى له، قلت: فإن مات؟ قال: وإن مات» (الكافي: باب الثواب العالم والتعلم ص34)

وعنه أيضاً عليه السلام قال: من تعلم العلم وعمل به وعلّم لله دُعي في ملكوت السماوات عظيماً فقيل: تعلم لله وعمل لله وعلّم لله. (نفس المصدرص35).

والأحاديث بهذا الصدد كثير نكتفي بهذا القدر في المقام.

 

الركيزة الثانية: الأكتفاء المالي أو الإقتصادي

لقد أولى الإمام الصادق عليه السلام مسألة الأكتفاء المالي أو كون المؤمن غنياً أفضل منه فقيراً أهمية خاصة وأوضح السبل الخاصة لذلك من طلب الحلال من الرزق والتبكير في طلبه وبخاصة في التجارة لعظم الارتزاق بها واعتبر ان الإنسان حر في تحديد نوع الاكتساب بما يتلائم ومواهبه وصفاته فله حرية العمل في الزراعة أو التجارة أو المساقاة أو الصناعة أو غيرها، كما أن الإنسان حر في نوعية التجارة والأكتساب بالدور أو الخانات او الفنادق أو البساتين أو الحدائق أو الدكاكين أو الأراضي أو الآبار أو الصياغة أو المعامل أو غيرها (الحريات الإمام الشيرازي الراحل، ص9).

ومن المعروف أن المكلف إذا استقر مالياً وأكتفى من ناحية المعيشة أبدع في عمله وأختصاصه وأبعد فكره عن الشرود في متاهات الحاجة وألم الاحتياج والنقص فضلاً عن الآثار النفسية الذي يورثها مرض الحاجة والنقصان المالي.

كما وأن المعصوم ذاته عليه السلام قد خرج للعمل وطلب الرزق الحلال وأعتبرها عبادة وطاعة لله سبحانه وتعالى فعن عبد الله بن الحجاج عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: إن محمد بن المنكدر كان يقول:

 ما كنت أظن  أن علي بن الحسين عليه السلام  يدع خلقاَ أفضل منه، حتى رأيت ابنه محمد بن علي، فأردت أن أعظه فوعظني، فقال له أصحابه: بأي شيء وعظك؟ فقال: خرجت الى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة فلقيني أبو جعفر محمد بن علي  عليه السلام، وكان رجلاً بادنا ثقيلاً وهو متكئ على غلامين أسودين أو موليين، فقلت في نفسي: سبحان الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة، على مثل هذه الحالة في طلب الدنيا، أما لأعظنه، فدنوت منه فسلمت عليه، فرد علي بنهر (وفي نسخة ببهر أي يتصبب عرقاً من التعب)، وهو يتصاب عرقا ًفقلت: أصلحك الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة، على هذه الحال في طلب الدنيا، أرأيت لو جاء أجلك وأنت على هذه الحالة، فقال: لو جاءني الموت وأنا على هذه الحال جاءني وأنا في طاعة من طاعة الله عز وجل أكف بها نفسي وعيالي عنك وعن الناس، وإنما كنت أخاف لو أن جاءني الموت وأنا على معصية من معاصي الله، فقلت: صدقت يرحمك الله، أردت أن أعظك فوعظتني.(الوسائل ج17 باب استحباب طلب الرزق ووجوبه مع ضرورة ص19)

وعن عبد الاعلى مولى آل سام قال: استقبلت ابا عبدالله عليه السلام في بعض طرق المدينة، في يوم صائف شديد الحر فقلت: جعلت فداك حالك عند الله عزوجل، وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله، وانت تجهد نفسك في مثل هذا اليوم؟ فقال: يا عبد الاعلى خرجت في طلب الرزق، لأستغني عن مثلك. نفس المصدر ص20

وعن ايوب أخي أديم بياع الهروي قال: كنا جلوساً عند أبي عبد الله عليه السلام فقال: ادع الله أن يرزقني في دعة، قال لا ادعو لك، أطلب كما أمرك الله عز وجل. نفس المصدر ص20.

وعن خالد بن نجيح قال: قال ابو عبد الله عليه السلام: أقرؤوا من لقيتم من اصحابكم السلام، وقولوا لهم: إن فلان بن فلان يُقرئكم السلام، وقولوا لهم: عليكم بتقوى الله، وما ينال به ما عند الله، إني والله ما آمركم إلا بما نأمر به انفسنا، فعليكم بالجد والاجتهاد، وإذا صليتم الصبح فانصرفتم فبكروا في طلب الرزق واطلبوا الحلال، فإن الله سيرزقكم ويعينكم عليه. نفس المصدر ص22.

وقال الامام الصادق عليه السلام: ايعجز احدكم أن يكون مثل النملة فإن النملة تجر الى جحرها. نفس المصدر ص22.

وعن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل قال: لأقعدن في بيتي، ولأصلن و لأصومن ولأعبدن ربي، فأما رزقي فسيأتيني فقال أبو عبدالله عليه السلام: هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم. (الوسائل، باب كراهة ترك طلب الرزق ص25).

اقول: فمن خلال طلب الرزق المحلل أي بالطرق المشروعة التي تعود بالخير على المكلف والمجتمع ككل يأمن الانسان المعاش ويحقق النمو الاقتصادي في المجتمع ومن ثم الازدهار والرفاهية في طريق الاصلاح العام فضلاً عن اصلاح الشخص بالذات.

 

الركيزة الثالثة: الصبر او التحمل النفسي:-

عرِّف الصبر بأنه ثبات النفس وعدم اضطرابها في الشدائد والمصائب بأن تقاوم معها بحيث لا تخرجها عن سعة الصدر وما كانت عليه قبل ذلك من السرور والطمأنينة. جامع السعادات ج3 فصل الصبر ص281.

وقد عرف الصبر مطلقاً بأنه مقاومة النفس مع الهدى، وبعبارة أخرى: انه ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى واعداد بباعث الدين هو العقل النظري الهادي الى طريق الخير والصلاح، والعقل العملي المنفذ لأحكامه المؤدية الى الفوز والفلاح. نفس المصدر ص282.

وبلحاظ التعريف نجده يتمحور حول الثبات والتحمل والاصرار في الوصول الى الهدف فالمؤمن كالجبل لا تزعزعه العواصف.

وقد مدح القرآن الكريم الصابرين قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّي الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر:10.

وقال تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وإِنّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ*أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) البقرة: 155ـ157.

وغيرها من الآيات الشريفة فقد ذكر الله سبحانه الصبر في نيف وسبعين موضعاً من القرآن الكريم بل جعل مكافأة الصابرين ائمة يهدون بأمره سبحانه وجعل نفسه عزوجل مع الصابرين فقال: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) الانفال:46.

وقال الامام الصادق عليه السلام: «اذا دخل المؤمن قبره، كانت الصلاة عن يمينه والزكاة عن يساره، والبر مطل عليه، ويتنحى الصبر ناحيته فاذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته، قال الصبر للصلاة والزكاة والبر: دونكم صاحبكم، فان عجزتم عنه فانا دونه».

وقال الامام الصادق عليه السلام: «إذا كان يوم القيامة، يقوم عنق من الناس، فيأتون باب الجنة، فيضربونه، فيقال لهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل الصبر، فيقال لهم: على ما صبرتم؟ فيقولون: كنا نصبر على طاعة الله ونصبر عن معاصي الله، فيقول الله- تعالى- : صدقوا! ادخلوها الجنة».

وهو قول الله- تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّي الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر:10.

وقال عليه السلام: «من ابتلى من المؤمنين ببلاء فصبر عليه، كان له مثل أجر الف شهيد».

وقال عليه السلام: «ان الله عزوجل أنعم على قوم فلم يشكروا، فصارت عليهم وبالا، وابتلى قوماً بالمصائب فصبروا، فصارت عليهم نعمة» جامع السعادات ج3 ص292.

 

خلاصة القول:

ان عوامل النجاح وركائز الفلاح وأسس التميز الذاتي والحقيقي بصورة اجمالية تتمحور وفق رؤى الامام الصادق جعفر بن محمد عليه السلام في:

اولاً: الكفاءة العلمية.

ثانياً: الاكتفاء المالي.

الثالث: الصبر أو التحمل النفسي إمام المصائب والمشاكل لايجاد الحلول الازمة ومن ثم الوصول الى الهدف المنشود وهو النجاح والفلاح.

ولو تأملنا في مشاريع الناجحين لرأينا توفر العوامل واضح جلي فمشروع الرسالة الخاتمة مثلاً نجد الكفاءة العلمية التي تمتع بها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والأموال الكثيرة «الاموال ام المؤمنين خديجة بنت خويلد رضوان الله عليها» وصبر الرسول صلى الله عليه وآله وامير المؤمنين ومن ساندهم بل ضرببوا اعلى امثلة الصبر بأنواعه ومن ثم كان النجاح والفلاح.

هذا الجانب مما اردنا ايراده في هذا الموضوع مراعاة الاختصار والحمد لله رب العالمين.