فاطمة الزهراء عليها السلام بين الصبر في الحياة الدنيا والنعيم في الآخرة

alshirazi.net

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الخلق محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

 

نور فاطمة عليها السلام:

روي عن حارثة بن قدامة، قال: حدثني سلمان، قال: حدثني عّمار، قال: أخبرك عجباً؟ قلت: حدثني يا عمار! قال: نعم، شهدت علي بن أبي طالب عليه السلام وقد ولج على فاطمة عليها السلام، فلما أبصرت به نادت: ادن لأحدثك بما كان، وبما هو كائن، وبما لم يكن إلى يوم القيامة حين تقوم الساعة.

قال عمار: فرأيت أمير المؤمنين عليه السلام يرجع القهقرى، فرجعت برجوعه إذ دخل على النبي صلى الله عليه وآله، فقال له: ادن يا أبا الحسن، فدنا، فلما أطمأنّ به المجلس، قال له:

تحدثني أم أحدثك؟ قال: الحديث منك أحسن يا رسول الله.

فقال: كأنيّ بك وقد دخلت على فاطمة وقالت لك: كيت وكيت فرجعت.

فقال علي عليه السلام:نور فاطمة من نورنا؟ فقال صلى الله عليه وآله: أولا تعلم؟

فسجد علي عليه السلام شكراً لله تعالى.

قال عمار: فخرج أمير المؤمنين عليه السلام وخرجت بخروجه، فولج على فاطمة عليها السلام وولجت معه، فقالت: كأنك رجعت إلى أبي صلى الله عليه وآله فأخبرته بما قلته لك.

قال: كان كذلك يا فاطمة.

فقالت: اعلم يا أبا الحسن! إن الله تعالى خلق نوري وكان يسِّبح الله جل جلاله ثم أودعه شجرة من شجر الجنة، فأضاءت، فلما دخل أبي الجنة أوحى الله تعالى إليه إلهاماً: أن اقتطف الثمرة من تلك الشجرة، وأدرها في لهواتك.

ففعل.

فأودعني الله سبحانه صلب أبي صلى الله عليه وآله، ثم أودعني خديجة بنت خويلد، فوضعتني، وأنا من ذلك النور، أعلم ما كان وما يكون وما لم يكن، يا أبا الحسن! المؤمن ينظر بنور الله تعالى.

 

سليني أعطك:

إذا كان يوم القيامة نادى مناد: يا معشر الخلائق، غضوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله، فتكون أوّل من تكسى، ويستقبلها من الفردوس اثنتا عشر ألف حوراء لم يستقبلن أحداً قبلها ولا أحداً بعدها، على نجائب من ياقوت، أجنحتها وأزمتها اللؤلؤ، عليها رحائل من در، على كل رحالة منها نمرقة من سندس، وركائبها زبرجد، فيجوزون بها الصراط، حتى ينتهون بها إلى الفردوس فيتباشر بها أهل الجنان، وفي بطنان الفردوس قصور بيض، وقصور صفر، من لؤلؤة من غرز واحد، وإن في القصور البيض لسبعين ألف دار منازل محمد وآله صلوات الله عليهم، وإن في القصور الصفر لسبعين ألف دار مساكن إبراهيم وآله عليهم السلام، فتجلس على كرسي من نور ويجلسن حولها ويبعث إليها ملك لم وبعث إلى احد قبلها ولا يبعث إلى احدٍ بعدها فيقول: إن ربك يقرئك السلام ويقول: سليني أعطيك،فتقول: قد أتم علي نعمته، وهنأني كرامته، وأباحني جنته، أسأله ولدي وذريتي ومن ودهم بعدي، وحفظهم من بعدي، فيوحي الله إلى الملك من غير ان يزول من مكانه: أن سرها وبشرها إني قد شفّعتها في ولدها، ومن ودهم بعدها وحفظهم فيها.

فتقول: الحمد الله الذي أذهب عنا الحزن وأقر عيني.

 

محبّوا فاطمة عليها السلام وعترتها:

ورد في كتاب تأويل عن أبي ذر رحمة الله قال: رأيت سلمان وبلال يقبلان إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال له سلمان: يا مولاي، سألتك بالله إلا أخبرتني بفضائل فاطمة عليها السلام يوم القيامة؟ قال: فأقبل النبي صلى الله عليه وآله ضاحكاً مستبشراً، ثم قال: والذي نفسي بيده إنها الجارية التي تجوز في عرصة القيامة على ناقة رأسها من خشية الله، وعيناها من نور الله، وخطامها من جلال الله، وعنقها من بهاء الله وسنامها من رضوان الله، وذنبها من قدس الله، وقوائمها من مجد الله، إن مشت سبحت، وإن رغت قدست، عليها هودج من نور فيه جارية عزيزة، جمعت فخلقت، وصنعت ومثلت (من) ثلاثة أصناف: فأولها من مسك أذفر، وأوسطها من العنبر الأشهب، وآخرها من الزعفران الأحمر عجنت بماء الحيوان، لو تفلت تفلة في سبعة أبحر مالحة لعذبت، ولو أخرجت ظفر خنصرها إلى دار الدنيا لغشي الشمس والقمر، جبرئيل عن يمينها، وميكئيل عن شمالها، وعلي أمامها، والحسن والحسين وراءها ـ الله ـ يكلؤها ويحفظها، فيجوزون في عرصة القيامة فإذا النداء من قبل الله جل جلاله: معاشر الخلائق، غضوا أبصاركم ونكسوا رؤوسكم، هذه فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله نبيكم، زوجة علي إمامكم، أم الحسن والحسين، فتجوز الصراط وعليها ريطتان بيضاوان فإذا دخلت الجنة ونظرت إلى ما أعد الله لها من الكرامة قرأت:

بسم لله الرحمن الرحيم (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ،الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) فاطر: 34و35.

قال: فيوحي الله عز وجل إليها: يا فاطمة، سليني أعطيك، وتمني علي أرضك.

فتقول: إلهي أنت المنى وفوق المنى، أسألك أن لا تعذب محبي ومحب عترتي بالنار، فيوحي الله إليها:

يا فاطمة، وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لقد آليت على نفسي من قبل أن أخلق السماوات والأرض بألفي عام أن لا أعذب محبيك ومحبي عترتك بالنار.

 

أحببت ان يعرف قدري:

قال جابر لأبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك يا بن رسول الله، حدثني بحديث في فضل جدتك فاطمة عليها السلام إذا أنا حدثت به الشيعة فرحوا بذلك، قال أبو جعفر عليه السلام: حدثني أبي، عن جدي، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: إذا كان يوم القيام ـ إلى ان قال ـ فيقول الله تعالى: يا أهل الجمع، إني قد جعلت الكرم لمحمد وعلي والحسن والحسين وفاطمة، يا أهل الجمع، طأطئوا الرؤوس، وغضوا الأبصار، فإن هذه فاطمة تسير إلى الجنة ... فإذا صارت عند باب الجنة تلتفت، فيقول الله: يا بنت حبيبي، ما التفاتك وقد أمرت بك إلى جنتي؟ فتقول.

يارب، أحببت أن يعرف قدري في مثل هذا اليوم.

فيقول الله: يا بنت حبيبي، ارجعي فانظري من كان في قلبه حب لك أو لأحدٍ من ذريتك خذي بيده فأدخليه الجنة.

فقال أبو جعفر عليه السلام:ـ والله ـ يا جابر، إنها ذلك اليوم لتلقط شيعتها ومحبيها كما يلتقط الطير الحب الجيد من الحب الردئ، فإذا صار شيعتها معها عند باب الجنة، يلقي الله في قلوبهم أن يلتفتوا، فإذا التفتوا، فيقول الله عز وجل:

 يا أحبائي، مالتفاتكم وقد شفعت فيكم فاطمة بنت حبيبي؟

فيقولون: يارب أحببنا ان يعرف قدرنا في مثل هذا اليوم.

فيقول الله: يا أحبائي، ارجعوا وانظروا من أحبكم لحب فاطمة، انظروا من أطعمكم لحب فاطمة، انظروا من كساكم لحب فاطمة، انظروا من سقاكم شربة في حب فاطمة، انظروا من رد عنكم غيبة في حب فاطمة، خذوا بيده وأدخلوه الجنة.

قال أبو جعفر عليه السلام: ـ والله ـ لا يبقى في الناس إلا شاك أو كافر أو منافق.

فإذا صاروا بين الطبقات، نادوا كما قال الله تعالى: (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ،وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ) الشعراء: 100و101.

فيقولون: (فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) الشعراء: 102.

قال أبو جعفر عليه السلام: هيهات هيهات، منعوا ما طلبوا.

(وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) الأنعام: 28.

 

مقام فاطمة عليها السلام في القيامة:

سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم على فاطمة عليها السلام وهي حزينة، فقال لها: ما حزنك يا بنية؟ قالت:

يا أبة، ذكرت المحشر ووقوف الناس عراة يوم القيامة.

قال: يا بنية، إنه ليوم عظيم، ولكن قد أخبرني جبرئيل عليه السلام عن الله عز وجل انه قال: أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة أنا، ثم أبي إبراهيم، ثم بعلك علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم يبعث الله إليك جبرئيل في سبعين ألف ملك فيضرب على قبرك سبع قباب من نور، ثم يأتيك إسرافيل بثلاث حلل من نور فيقف عند رأسك فينادينّك: يا فاطمة بنت محمد، قومي إلى محشرك، فتقومين آمنة روعتك، مستورة عورتك.

فيناولك إسرافيل الحلل فتلبسينها، ويأتيك روفائيل بنجيبة من نور، زمامها من لؤلؤ رطب، عليها محفة من ذهب، فتركبينها، ويقود روفائيل بزمامها.

وبين يديك سبعون ألف ملك بأيديهم ألوية التسبيح.

فإذا جد بك السير، استقبلتك سبعون ألف حوراء، يستبشرن بالنظر إليك، بيد كل واحدة منهن مجمرة من نور يسطع منها ريح العود من غير نار، وعليهن أكاليل الجوهر مرصع بالزبرجد الأخضر، فيسرن عن يمينك.

فإذا (سرت) مثل الذي سرت من قبرك إلى أن لقينك، استقبلتك مريم بنت عمران في مثل من معك من الحور فتسلم عليك، وتسير هي ومن معها عن يسارك.

ثم تستقبلك أمك خديجة بنت خويلد أول المؤمنات بالله ورسوله.

ومعها سبعون ألف ملك بأيديهم ألوية التكبير، فإذا قربت من الجمع، استقبلتك حواء في سبعين ألف حوراء، ومعها آسية بنت مزاحم، فتسير هي ومن معها معك.

ثم ينادي مناد من تحت العرش يسمع الخلائق:

غضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة الصديقِّة بنت محمد صلى الله عليه وآله ومن معها. فلا ينظر إليك يومئذ إلا إبراهيم خليل الرحمان عليه السلام.

وعلي بن أبي طالب، ويطلب آدم حواء فيراها مع أمك خديجة أمامك.

ثم ينصب لك منبر من النور، فيه سبع مراق، بين المرقاة إلى المرقاة صفوف الملائكة بأيديهم ألوية النور، ويصطف الحور العين عن يمين المنبر وعن يساره وأقرب النساء عنك (معك) عن يسارك حواء وآسية.

فإذا صرت في أعلى المنبر أتاك جبرئيل عليه السلام فيقول لك: يا فاطمة، سلي حاجتك. فتقولين:

يارب، أرني الحسن والحسين، فيأتياك وأوداج الحسين تشخب دماً، وهو يقول: يارب،خذ لي اليوم حقي ممن ظلمني.

فيغضب عند ذلك الجليل، وتغضب لغضبه جهنم والملائكة أجمعون، فتزفر جهنم عند ذلك زفرة، ثم يخرج فوج من النار ويلتقط قتلة الحسين وأبناءهم وأبناء أبنائهم ويقولون: يارب: إنا لم نحضر الحسين عليه السلام.

فيقول الله لزبانية جهنم: خذوهم بسيماهم، بزرقة الأعين وسواد الوجوه، خذوا بنواصيهم فألفوهم في الدرك الأسفل من النار.

فإنهم كانوا أشد على أولياء الحسين من آبائهم الذين حاربوا الحسين فقتلوه، فيسمع شهيقهم في جهنم.

ثم يقول جبرئيل عليه السلام: يا فاطمة، سلي حاجتك.

فتقولين: يارب، شيعتي، فيقول الله عز وجل: قد غفرت لهم.

فتقولين: يارب، شيعة ولدي، فيقول الله: قد غفرت لهم.

فتقولين: يارب، شيعة شيعتي، فيقول الله: انطلقي فمن اعتصم بك فهو معك في الجنة، فعند ذلك يود الخلائق أنهم كانوا فاطميين.

فتسيرين ومعك شيعتك، وشيعة ولدك، وشيعة أمير المؤمنين، آمنة روعاتهم، مستورة عوراتهم، قد ذهب عنهم الشدائد وسهلت لهم الموارد، يخاف الناس وهم لا يخافون، ويظمأ الناس وهم لا يظمأون.

فإذا بلغت باب الجنة، تلقتك اثنتا عشرة ألف حوراء، لم يتلقين أحداً (كان) قبلك ولا يتلقين أحداً كان بعدك، بأيديهم حراب من نور، على نجائب من نور، رحائلها (رحمائلها) من الذهب الأصفر والياقوت، أزمتها من لؤلؤ رطب، على كل نجيب نمرق من سندس منضود.

فإذا دخلت الجنة تباشر بك أهلها، ووضع لشيعتك موائد من جوهر على أعمدة من نور، فيأكلون منها والناس في الحساب (وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ) الأنبياء: 102.

فإذا استقر أولياء الله في الجنة زارك آدم ومن دونه من النبيين.

وإن في بطنان الفردوس لؤلؤتان من عرق واحد، لؤلؤة بيضاء ولؤلؤة صفراء، فيهما قصور ودور، في كل واحدة سبعون ألف دار، فالبيضاء منازل لنا ولشيعتنا، والصفراء منازل لإبراهيم وآل إبراهيم عليهم السلام.

قالت: يا أبة، فما كنت أحب ان أرى يومك و(لا) أبقى بعدك.

قال: يا بنية، لقد أخبرني جبرئيل عن الله عز وجل: انك أوّل من يلحقني من أهل بيتي، فالويل كله لمن ظلمك، والفوز العظيم لمن نصرك.

قال عطاء: وكان ابن عباس إذا ذكر هذا الحديث تلا هذه الآية: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِم مِن شَيْ‏ءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) الطور: 21.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.