الشورى والأعلمية: أيهما أقرب الى الواقع

alshirazi.net

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله المنتجبين واللعن الدائم على أعدائهم الى قيام يوم الدين..

وبعد: الى جانب نظرية وجوب تقليد الأعلم في المسائل الخلافية هنالك نظرية أخرى تدعوا الى (شورى الإفتاء) كبديل لتقليد (الأعلم) حيث أن بإتباع (الشورى) يستغنى عن رأي الأعلم وهذا المسلك ينفَّذ بتشكيل (مجمع) للفقهاء المعترف بهم البارزين أو بعضهم، وتطرح المسائل الخلافية واحدة تلو الأخرى وتبحث بإشباع.. ويُتخذ فيها القرار النهائي، ويصدر الفتوى بأسم الشورى، ولما لم يكن الإجماع طبيعياً، يتخذ القرار وفق الأكثرية، ويتبع هذا القرار كفتوى، وبديل عن رأي (الأعلم) في المسائل الخلافية. أنظر (المرجعية والروحانية ـ الأستاذ السيد مرتضى الجزائري/ص218).

 

الشوريات العلمية في تاريخ الفقه الإسلامي:

بالطبع ليس في تاريخنا (شورى الفقهاء) بالصورة المطروحة في هذه الدراسة، ولكن لا بد من التأكيد، بان فقهائنا أولوا الشورى العلمية والعملية أهمية كبرى.. وكانوا يتبعون الأكثرية، المعبر عنها بـ(الشهرة) و(الإجماع) كدليل شرعي معتمد عليه.. ومعتد به إلا أن هنالك فارقين بين تلك الشوريات وهذه المطروحة هنا:

الأول: ان تلك الشوريات لم تكن بشكل الشوريات العصرية، حيث يجتمع اعضاء الشورى ويطرحون المسائل، ويبحثونها ثم يتخذون القرار النهائي بشأنها.. بل إن (الأكثرية) كانت ذا قيمة كبيرة، بأية وسيلة استحصلت فقد تحرز باقوال الفقهاء شفاهاً أو بكتاباتهم أو بالروايات المنقولة عنهم.. المهم: أنهم كانوا يتخذون موقفاً موحداً في مسألة معينة وموقفهم الموحد على مسألة يشكل شهرة أو إجماعاً..أي (الأكثرية).

 الثاني: إن تلك الشهرة «الأكثرية» أو الإجماع كان غالباً دليلاً علمياً لا مدركاً عملياً.. وفي الميدان العملي كانت الأمة لا تتبع إلا فرداً واحداً فقط في كثير من الأحيان ولم تعرف الأكثرية والشهرة معنى فالفقية يعتمد الأكثرية دليلاً أصولياً على رأيه، أما الأمة فتتخذ من هذا الفقيه الرأي النهائي ولا تبحث عن الأكثرية مطلقاً.

وفي مجال العمل بالأكثرية، يقول الاستاذ السيد مرتضى الجزائري: «نعم.. يمكن أن نقول باطمئنان: أن رواية الاحتجاج ومرسلة زرارة، وردت في صدد العمل بالأكثرية وذلك حين وقوع الإختلاف بين الفقهاء أو تعارض الحديثين، فإن الصحة تكون الى جانب الأكثرية، حيث قال عليه السلام: «المجمع عليه لا ريب فيه» أي أن ما اتفقت عليه الأكثرية لا شك فيه، وهذا هو الدليل العقلائي الذي يتبعه عقلاء كل علم وفن...». (المرجعية والروحانية/ص222)

والثالث: يوسع في مفعول الأكثرية، ويعطيها طابعاً علمياً حيث إنها ليست مبدءاً عملياً في كل ما يختلف فيه بل حتى في المجالات العلمية، تعتبر سنداً ودليلاً.. وقوله عليه السلام (فإن المجمع عليه) لا يقصد به الإجماع بل الأكثرية بقرينة ذيل الحديث وموروده حيث جاء فيما يقع الاختلاف فيه، فهنا: مجمع عليه.. وشاذ مقابل له.. فقهراً يكون رأي الأكثرية، والشاذ رأي الأقلية.. وبكلمة: أن الشورى القائمة على مبدأ الأكثرية كانت في الأمس الغابر محترمة ومعتداً بها اكثر من اليوم بدرجات.. حيث ندعوا إليها.. ونحاول رد الإعتبار إليها...(المصدر السابق)

ومع هذه المقارنة العاجلة بين اعتبار الشورى من الأمس نعرف أي المسلكين ألصق بتاريخها الفقهي: مسلك الأعلمية، أو الشورى؟؟.

«وبعد الغيبة الكبرى كانت الشورى منفذة في الإفتاء واستنباط المسائل الشرعية، بصورة طرح الفقيه المسائل مع العلماء من تلامذته، وكان الإعتماد على مبدأ اللأكثرية والإجماع سنداً معتمداً عليه، وسيرة للفقهاء في الإفتاء فلم تكن الشورى والعمل بمبدأ الأكثرية أمراً جديداً، إلا إن هذه الشورى يمكن بلورتها وإكمال تطورها بأن تعقد مع المجتهدين الكبار المتواجدين في مناطق متعددة من بلاد الإسلام.. وهذه الشورى لا تنافي مرجعية وزعامة المرجع الأقوى، بل إن ذلك اجتماعياً يؤدي الى تقوية مركزه وتجذير (المركزية القيادية) وتوحيد الرأي والفكر وان الأمر بالشورى المفهوم من الآية الكريمة: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى‏ بَيْنَهُم) الذي كان الرسول صلى الله عليه وآله ينفذه في الأحداث والقرارات العامة، ويعتبره لازماً في الأمور التكليفية والمسؤليات العامة؟.

 

إقتراح مجلس شورى الإفتاء:

...«بناءاً على ما مضى يقترح: أن تشكل (شورى الإفتاء) ويرأسها فرد أو عدة أفراد من العلماء الكبار المقبولين جماهيرياً، وتجتمع كل شهر أو عدة أشهر مرة واحدة، في إحدى العواصم العلمية أو أي رقعة يتفق عليها وتبحث المسائل الخلافية، وأحداث الساعة، وحسب اصطلاح الحديث (الحوادث الواقعة) ويدعى لهذا الإجتماع من فقهاء المناطق والمدن ليطرحوا المسائل المبتلى بها، ويشفعوها بآرائهم واستدلالاتهم على آرائهم.. ثم ينقلوا نتائج بحوثهم والفتاوى التي اتفق عليها الى حوزاتهم العلمية وتلامذتهم من خلال دروسهم، وهذه الخطوة تطابق ما ورد في الحديث الشريف عن الصادق عليه السلام بانه كان يجمع الفقهاء وتلامذته في (منى) في موسم الحج، ويطرح مسائل معينة لهم...» (المصدر/210).

 

نماذج من شوريات الإفتاء:

نعم. إن الشورى طبقت في الواقع الفقهي وتاريخ الفقهاء يشهد للمجالات التي تشكلت فيها لجنة إستفتائية، حيث صدرت الفتاوى صائبة ومتينة مثلاً: (الشيخ محمد حسين اللأصفهاني الغروي قدس سره) الذي كان من أعاظم المحققين كان يشترك كعضو في لجنة الفقهاء (للإستنباط والإفتاء) وأنه رحمه الله قد التزم أن لا ينفرد في هذه المهمة الكبيرة ولذلك اشتهر بـ(الكمباني) أي الذي يعمل بصورة جماعية مع الآخرين.

وفي الحوزات العلمية كان غالب الفقهاء حين يعزمون على (التعليق على العروة الوثقى) يشكلون لجنة استفتائية ويتدارسون المسائل بدقة وإمعان، لذلك صدرت حواشي متينة وعميقة ولها أهميتها.. حتى إن الكثير من العلماء والفقهاء لم يقتنعوا بقوة وعمق المرجع الراحل (السيد حسين البروجردي قدس سره) حتى ظهرت حاشية العروة فأذعنوا لشخصيته العلمية..

وكان للمرجع الراحل (السيد حسين القمي قدس سره) (لجنة الإفتاء) مؤلفة منه ومن آية الله العظمى (السيد ميرزا مهدي الشيرازي) وآية الله العظمى (الشيخ محمد رضا الأصفهاني) وغيرهما، وكان القمي رحمه الله ملتزماً بتجنب الإفتاء، إلا بعد أن يستشير (لجنة الإفتاء) في صواب نظره وصحة فتواه.

أما المحقق اليزدي ـ صاحب العروة الوثقى قدس سره فكان يكرر طرح المسائل الفقهية خمس مرات! على الفقهاء من تلاميذه.. ثم يصدر الفتوى وتثبت في كتابه القيم (العروى الوثقى). وقبلهم كان المجدد الشيرازي الكبير قدس كذلك يطرح المسائل العلمية مع العلماء ويناقشها بإسهاب ثم يبدي رايه ويصدر فتواه.

 

هل شورى الإفتاء تخالف حكماً شرعياً:

إن من المؤكد أن تقليد الإعلم في المسائل الخلافية مسألة شرعية قائمة على أسس استدلالية متينة ومبرئة لذمة المكلف وتؤكدها الأحاديث الشريفة فكيف يمكن تغيير حكم شرعي قطعي وتبديلة الى حكم آخر؟ فتترك مسألة الأعلمية، ويؤخذ بشورى الفقهاء في الفتوى والحكم؟؟.

هذا سؤال حي وملح في هذ الموضوع.. والجواب.. هو: إن اعتبار مسألة التقليد والإجتهاد والإعلمية التي يعتمد عليها اليوم حكم شرعي ممتد تاريخياً الى عهد الرسول صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار  عليهم السلام وقرار شرعي كوجوب الصلاة.. إن هذا الاعتبار ليس دقيقاً وإن الأمر ليس كذلك.. بل مرت المسألة بمراحل تأريخية عديدة فتبلورت حتى وصلت إلينا عبر حواجز علمية كثيرة. ومع نظرة الى الوراء حيث تاريخ التطور الفقهي تبدو المسألة أوضح من الواضح..حيث كان التقليد مبرئاً للذمة دون شرط للأعلمية وكل عالم كان يبلغ درجة الإجتهاد ويتصدى للمرجعية كان الناس قبل حوالي أربعة قرون يلتفون حوله ويقلدونه دون أي ذكر لشروط الأعلمية. (راجع المرجعية والروحانية ص/223)

وكذا يلاحظ تاريخياً أن في عهد الأئمة عليهم السلام الى قرنين بعدهم لم يكن اجتهاد بالمعنى المعروف حالياً، وكانت المسائل الشرعية تعرض في إطار النصوص الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ولم تطرح مسألة شرعية بلفظ فقيه معين وصياغته الخاصة، ولعل الذي كان يحاول التصدي للإجتهاد بالمعنى المعروف اليوم، كان يعرض نفسه لهجمة شديدة من قبل زملائه وغيرهم.. إلا إن مرور الزمان وإلحاح الحاجة الى الفروع الفقهية، فرض خط (الإجتهاد) بالصورة التي تعارف عليها فقهاء الطائفة.. وبصورة تدريجية عرف العلماء إن هذا الأسلوب التحقيقي في مجال الاستنباط الذي يطلق عليه (الإجتهاد) اسلوب علمي شرعي مطلوب وبه نبغ فقهاؤنا الإعلام وأصبحوا مشاعل نيرة تفتخر بهم البشرية الى هذا اليوم..

قبل هذه المرحلة مرَّ الفقه الجعفري بمراحل أخرى. على كل حال لا نستطيع الجزم بأن هذا الاسلوب الفعلي في (المرجعية) هو الأسلوب النهائي الذي صدر فيه الحكم الشرعي الثابت الذي لا يتحمل التطوير والتقدم.. بل إن هذا الواقع المرجعي المعاش فرضته الحاجة الملحة التي كورت فقه أهل البيت عليهم السلام ورفعته الى هذا المستوى المعاصر..

ولو أن القيادة الشرعية حاولت التطوير الفقهي.. فإن محاولتها تؤكد حقيقة هي: أن مسلك الأعلمية ليس مسلكاً يعبر عن حكم الله النهائي الذي لا يتبدل ولا يتحول.. بل أنه صيغة متطورة لزمان مضى ولو ان صيغة شرعية متطورة اخرى طرحت على الساحة العلمية وكانت أقوى من (مسالك الأعلمية) استلالاً.. فما المانع من الأخذ بها؟؟ بل ان (مسلك الشورى) في الإفتاء والحكم أقرب الى تحقيق مقاصد الدين الحنيف في إقامة (قيادة) نموذجية سليمة..لأن (مسلك الشورى) أبعد عن الخطأ.. من (مسلك الفردية) بدرجات وقد أثبت الفقهاء شروطاً للمرجع المقلَّد: كالذكورة والحرية والبلوغ والرشد وغيرها.. ولم يذكروا: وجوب أن يكون واحداً فقط.. ولم تذكر الروايات ذلك أيضاً حتى يؤخذ على (مسلك الشورى) بانه يعارض شرطاً من شروط مرجع التقليد..

وعقلاً وعرفاً لا تعتبر الشورى التي تعني تقليد المرجع الواحد مع ضميمة مراجع آخرين إليه.. إخلالاً بالتقليد وتغييراً لأصله وحقيقته بل العكس صحيح حيث تعتبر ضميمة فقهاء آخرين الى الواحد قوة له وتاييداً لمسلكه العلمي، لذلك نرى أصحاب الراي الشاذ في الفقه أو أي مجال آخر يبحثون عمن ذهب الى رأيهم ليستقووا به ويستظهروا بأدلته ومسلكه..

من هذ المنطلق لا يمكن اعتبار مسلك الشورى التي هي عبارة عن تقليد الواحد..وإضافة.. مخالفة لحكم شرعي أو دليل عقلي وغيره مبريء للذمة.. وتعتبر المسألة عرفاً كمن اشترى داراً ليس فيها ماء ولا كهرباء لكن البائع اشترى امتياز الماء والكهرباء ورمم نواقصها وصبغها وقدمها مؤثثة الى المشتري ..فهل هناك من يقول: ان هذه الإضافات مرفوضة وعقد البيع باطل؟.

ثم إن فقهائنا الأعلام لا يعتبرون (الشهرة الفتوائية) حجة شرعية في مقام الاستدلال أما في مقام الإفتاء والعمل فإنهم لا يخالفونها.. بل يفتون وفقها.. فهل هذا إتباع للأكثرية؟.. والتي يدعو إليها مسلك (شورى الإفتاء)؟؟.

على كل حال.. المسألة غير مطروحة بهذه الصورة في كتب الفقه الإستدلالية، ولا زالت في حاجة الى تحقيق وتتبع إلا إن اعتبارها مخالفة لأحكام الشارع المقدس.. أمر لا دليل قاطع عليه...

والتقليد (الذي هو لغة وضع القلادة في العنق واصطلاحاً: اتباع الجاهل للعالم) يشمل: تقليد واحد أو أكثر..والنصوص الشرعية (كآية النفر وغيرها) لا توجب تقليد واحد مشروطاً بل يفهم منها التعدد، وجواز تقليد الفرد لجماعته..في مسألة واحدة.

والحمد لله رب العالمين.