الإمامة وفق رؤى أهل البيت في حديث الإمام الرضا عليه السلام

alshirazi.net

 

إستهلال وتمهيد:

الإمامة تابع من توابع النبوة وفروعها..فكما يجب إتصاف النبي عليه السلام بجميع الكمالات والفضائل ويجب أن يكون في ذلك أفضل وأكمل من كل واحد من أهل زمانه..لأنه قبيح من الحكيم أن يقدم المفضول المحتاج الى التكميل على الفاضل المكمّل عقلاً وسمعاً.. إذ يستحيل على الحكيم العبث..والعبث قبيح..والقبيح ليس مما يتعاطاه الحكيم..

فالإمامة رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص إنساني..وكونها رئاسة في الدين ورئاسة في الدنيا، وهذا يعني ان هذا الشخص هو..

1ـ شخص معين معهود من رسول الله (صلى الله عليه وآله).

2ـ إنه لا يجوز أن يكون مستحق الرئاسة أكثر من واحد في عصر واحد بحق الأصالة..وقلنا بحق الأصالة إحترازاً عن النائب الذي يفوضه الإمام إحترام عمود الولاية..فإن رياسته عامة ـ النائب ـ إلا أنها ليست بالأصالة وذلك لأن النائب المذكور لا رياسة له على إمامه..وهذا ينطبق على تعريف النبوة ويزاد فيه بحق النيابة عن النبي على البشر.

 

الإمامةُ لطف:

فالإمام..أمر إلهي، وروح قدسي، ومقام عليّ، ونور جليّ، وسرٌ خفي، فهو ملكي الذات، إلهي الصفات..زائد الحسنات..عالم بالمغيبات، خصّاً من رب العالمين ونصاً من الصادق الأمين..وهذا كله لآل محمد سلام الله عليهم، لا يشاركهم فيه مشارك، لأنهم معدن التنزيل ومعنى التأويل..

والإمامة لطف إلهي واجب..واللطف هو ما يقرب العبد الى الطاعة ويبعده عن كل المعصية وهذا المعنى حاصل في الإمامة كما في النبوة..

 

الإمام الرضا يصف الإمامة:

وكما يصف الإمام الثامن رضا الآل عليه السلام فالوصف أجمل وأكمل..

عن القسم بن المسلم عن أخيه عبد العزيز بن مسلم قال: كنا في أيام علي بن موسى الرضا عليه السلام بمرو..فاجتمعنا في جامعها يوم جمعة في بدو قدومنا..فأدار الناس أمر الإمامة..وذكر كثر إختلاف الناس فيها..فدخلت على سيدي ومولاي الرضا عليه السلام فاعلمته ما خاض الناس فيه..فتبسم ثم قال:

(يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن دينهم إن الله تبارك وتعالى لم يقبض نبيه صلى الله عليه وآله حتى أكمل له الدين، وأنزل عليه القران فيه تفصيل كل شيء..بيّن فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام...وجميع ما يحتاج إليه الملأ..فقال عز وجل: (مَا فَرَّطْنَا فِي  الْكِتَابِ مِن شَيْ‏ءٍ) الأنعام:38

وأنزل في حجة الوداع وهو آخر عمره: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ  لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ  الْإِسْلاَمَ دِيناً)   المائدة:3

فأمر الإمام من تمام الدين..ولم يمض صلى الله عليه وآله حتى يبين لأمته معالم دينه، وأوضح لهم دينهم وتركهم على قصد الحق..وأقام لهم علياً عليه السلام علماً وإماماً..

وما ترك شيئاً تحتاج إليه الأمة إلا بينه..فمن زعم أن الله لم يكمل دينه فقد ردَّ كتاب الله عز وجل..ومن ردّ كتاب الله فهو كافر..

 

قدر الإمامة:

هل تعرفون قدر الإمامة..ومحلها من الأمة فيجوز فيها إختيارهم..

إن الإمامة أجل قدر ...وأعظم شأنا...وأعلى مكاناً...وأمنع جانباً..وأبعد غوراً..من أن يبلغها الناس بعقولهم..أو ينالونها بآرائهم فيقيمونها بإختيارهم.

 

إبراهيم والإمامة:

إن الإمامة خص الله سبحانه وتعالى بها إبراهيم الخليل عليه السلام بعد النبوة والخلة، مرتبة ثالثة وفضيلة شرّفه الله بها، فأشار بها ذكره فقال عز وجل: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) البقرة:124 فقال الخليل سروراً بها: (وَمِن ذُرِّيَّتِي) الأنبياء:72 قال الله عزّ وجل: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) الأنبياء:73، فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم الى يوم القيامة، وصارت في الصفوة...

ثم أكرمه الله عز وجل بأن جعل في ذريته أهل الصفوة والطهارة.. فقال تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ*وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) آل عمران:68  

 

النبي يرث الإمامة:

فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرناً فقرناً حتى ورثها النبي صلى الله عليه وآله فقال عز وجل: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) آل عمران: 68.

فكانت له خاصة قلدها النبي صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام بأمر الله تعالى رسم ما فرض الله..فصارت في ذريته الأصفياء الذين أتاهم الله العلم والإيمان بقوله عز وجل: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى‏ يَوْمِ الْبَعْثِ) الروم:56، فهي في ولد علي عليه السلام خاصة الى يوم القيامة..إذ لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله.

فمن أين يختار هؤلاء الجهال؟

 

الإمامة الإلهية:

إن الإمامة منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء..

إن الإمامة..خلافة الله عز وجل وخلافة الرسول، ومقام أمير المؤمنين، وميراث الحسن والحسين...

إن الإمامة.. زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعز المؤمنين.

إن الإمامة..رأس الإسلام النامي وفرعه السامي..

بالإمام..تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع النفور والأطراف..

الإمام يحل حلال الله ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله ويذبُّ عن دين الله ويدعوا الى سبيل ربه بالحكمة والموعضة الحسنة والحجة البالغة.

الإمام..كالشمس الطالعة للعالم وهي بالأفق بحيث لا تناله الأيدي والأبصار..الإمام البدر المنير والسراج الزاهر والنور الساطع والنجم الهادي في غياهب الدجى والبيداء القفار ولجج البحار..

الإمام الماء العذب على الظمّاء والدال على الهدى والمنجي من الردى ..

الإمام النار على البقاع الحارة لمن إصطلى والدليل على المسالك من فارقه فهالك..

الإمام السحاب الماطر والغيث الهاطل والشمس المضيئة والأرض البسيطة والعين الغزيرة والغدير والروضة ..

الإمام الأمين الرفيق والوالد الشفيق والأخ الشقيق ومفزع العباد في الداهية..

الإمام أمين الله في أرضه وحجته على عباده وخليفته في بلاده، الداعي الى الله والذابَ عن حريم الله..

الإمام المطهر من الذنوب المبرأ من العيوب مخصص بالعلم موسوم بالحلم نظام الدين وعز المسلمين وغيظ المارقين وبوار الكافرين..

الإمام واحدٌ دهره لا يدانيه أحد ولا يعادله عدل ولا يوجد له بديل ولا له مثيل ولا نظير مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه ولا إكتساب بل إختصاص من المتفضل والوهاب ..

 

إختيار الإمام:

فمن ذا يبلغ معرفة الإمام؟ ويمكّنه إختياره؟هيهات ..هيهات..!!

ضلت العقول وتاهت الحلوم وحارت الألباب وحسرت العيون وتصاغرت العظماء وتحيرت الحكماء وتقاصرت الخطباء وجهلت الألباب وكلّت الشعراء وعجزت الأدباء وعيّت البلغاء عن وصف شأن من شأنه أو فضيلة من فضائله فأقرت بالعجز والتقصير..

وكيف أو ينعت بكنهه أو يفهم شيء من أمره أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه؟

لا وكيف وأنى وهو بحيث النجم من أيدي المتناولين ووصف الواصفين..

فأين الإختيار من هذا؟

وأين العقول من هذا؟

وأين يوجد مثل هذا؟

 

المسلك الخاطيء:

ظنوا أن ذلك يوجد من غير آل رسول الله صلى الله عليه وآله!!!

كذبتهم ـ والله ـ أنفسهم ومنّتهم الباطل فارتقوا مرتقاً صعباً  وحصناً تزل عنه الى الحضيض أقدامهم.. راموا إقامة الإمام بعقول حائرة وآراء مضلة فلم يزدادوا منه إلا بعداً...

قاتلهم الله أنى يؤفكون..

لقد راموا صعباً وقالوا إفكاً وضلوا ضلالاً بعيدا ووقعوا في حيرة إذا تركوا الإمام من غير بصيرة وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين..رغبوا عن إختيار الله وإختيار رسوله الى إختيارهم والقرآن يناديهم: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ) القصص:68.

وقال عز وجل: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ) الأحزاب:36.

وقال عز وجل: (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ*أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ*إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ*أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى‏ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ*سَلْهُمْ  أَيُّهُم بِذلِكَ زَعِيمٌ*أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ) القلم:36 ـ 41.

وقال عز وجل: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى‏ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) محمد:24،( فَطُبِعَ عَلَى‏ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ  يَفْقَهُونَ) التوبة: 87، (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا  وَهُمْ لاَيَسْمَعُونَ*إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَيَعْقِلُونَ*وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) الأنفال:21 ـ 32 .

 

النبات الحسن:

فكيف لهم بإختيار الإمام؟ والإمام عالم لا يجهل وراع لا ينكل معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة مخصوص بدعوة الرسول وهو نسل المطهرة البتول..لا مغمز في النسب ولا يدانيه ذو حسب في البيت من قريش والثروة من هاشم والعترة من آل الرسول والرضا من الله ..شرف الأشراف والفرع من عبد مناف نامي العلم كامل الحلم مضطلع بالإمامة عالم بالسياسة مفروض الطاعة قائم بأمر الله ناصح لعباد الله حافظ لدين الله..

 

علم الإمام:

أن الأنبياء والأئمة يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم..فيكون علمهم فوق علم أهل زمانهم في قوله عز وجل(أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ  أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَى‏ فَمَا لَكُمْ  كَيْفَ تَحْكُمُونَ) يونس:35، وقوله عز وجل: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) البقرة:269.

وقوله عز وجل في طالوت: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي  الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) البقرة:274، وقال عز وجل لنبيه: (وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) النساء:113،وقال عز وجل عن أهل بيته وعترته: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى‏  مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبرَاهِيمَ  الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُلْكاً عَظِيماً *فَمِنْهُم مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى‏ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً) النساء:54 ـ 55.

وإن العبد إذا إختاره الله لأمور عباده شرح صدره لذلك وأودع قلبه ينابيع الحكمة وألهمهم العلم إلهاماً..فلم يعي يعده الجواب ولا يحيره عن الصواب وهو معصوم مؤيد موفق مسدد قد أمن الخطايا والزلل والعثار..

فخصه الله بذلك ليكون حجته على عباده وشاهده على خلقه وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم...

 

عجز عن الإختيار:

فهل يقدرون على مثل هذا فيختارون أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدموه تعدوا وبيت الله الحق..ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون وفي كتاب الله: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ  هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) آل عمران:187.

فذمهم الله ومقتوا أنفسهم فقال عز وجل: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ)القصص:50.