الوحدة والشورى والنضج الفكري ضرورات ملحّة لإصلاح الأمة

alshirazi.net

 

 

لا شك أن الإتجاه الديني المرجعي هو الإتجاه الواسع المتجذر في واقع الأمة، ورموز هذا الإتجاه من علماء ومراجع هم الرموز الإجتماعية التي منحتها الأمة ثقتها، وألتفت حولها، فلو إن هذا الإتجاه انصلب في قناة منظمة، وأسس لنفسه جبهة وحدوية رصينة ومحكمة فإن قوى الأعداء تعجز عن مواجهتها وكسر شوكتها.. كما إنّ أبرز عوامل الضعف والعجز والتخلف، هو تبعثر طاقات وأختلاف هذا الإتجاه العقائدي ولا شيء يقوي أجهزة ودوائر الإستعمار وأعداء الإسلام أكثر من هذا الواقع المبعثر، وانفراط محاور القوى عن بعضها..الذي أدى الى إثارة معارك جانبية طويلة أو خلافات هامشية عريضة. وأستجلبت الطاقات إليها، بدل أن توجه تلك الطاقات في تيار موحد عظيم، نحو إصلاحات جذرية، وتغيير لواقع التخلف الشامل المتجذر الذي نعاني منه..

فإذن: يعتبر الإتحاد المرجعي من أهم الطموحات التي تهفو إليها كل الجماهير المؤمنة التي تشكل قاعدة المرجعية الشيعية..ولكن..كيف يمكن تحقيق هذا الإتحاد المرجعي؟

الواقع: إن الإتحاد الكامل الشامل أمر غير منطقي وغير عملي لأن ذلك لا يمكن حيث أن الإجتهادات والرؤى والمنظومة الفكرية لكل فرد مختلفة عن غيره..وهذا أمر لا نقاش فيه ولا كلام..والمقصود في الإتحاد المرجعي هو:التنسيق النسبي بالقدر الممكن وإجتماع الفقهاء فيما بينهم لغرض الوصول الى الحد الأدنى من الإتفاق طبقاً للقاعدة العقلائية والشرعية: (قاعدة الميسور) حيث جاء في الحديث: «لا يترك الميسور بالمعسول» فإذا تعسر قيام وحدة متكاملة وشاملة 100% ليس معنى ذلك عدم تحقيقها بنسبة 70% مثلاً..

 

شورى الفقهاء: صيغة موضوعية للوحدة:

لا شك أن (شورى الفقهاء) صيغة منطقية عقلائية لتوحيد الإتجاهات المتباينة أو المتباعدة للفقهاء وأن الشورى المتكافئة وسيلة للتوحيد بين الإتجاهات المنصهرة فيها أيضاً..

إننا لو لاحظنا تاريخ خمسة آلاف عام الى اليوم، لواجهتنا عدة أسئلة لنقول:

1ـ هل باستطاعة ( محور قوة واحد) من الهيمنة الكاملة ونسف باقي المحاور الأخرى وإعفاء أثرها بالكامل؟.

الجواب:كلا...

2ـ مع تعدد الآراء والإتجاهات هل يمكن الجمع التام بينها والتوفيق الكامل بين مضاداتها وتطبيقها عملياً؟.      

الجواب: كلا أيضاً..

3ـ عندما توجد عدة قوى إجتماعية، ما هي النسبة التي تكون بين القوى والقدرات؟.

الجواب: إن النسبة التي أثبتها التاريخ هي التباين والتصارع، نعم، يمكن للبعض أن ينسج (التوافق الخيالي) بين القوى دون تشريكها في الحكم والإدارة كالكاتب الذي لم ير من الحرية إلا إسمها في بلد ما فيظطر الى السفسطة فيتحدث عن الحرية الموهومة في العراق مثلاً..لكن التجربة والتاريخ، أثبتتا: أنه لا يمكن جمع محاور القوى إلا عن طريق تشريكها في الإدارة والمسؤولية (حكومية أو غير حكومية).

وهذا شيء طبيعي للمجتمع الإنساني ككل.. ومع عدم تشريك مختلف محاور القوى في الإدارة، فإن المصير الحتمي هو الضعف واللجوء الى الإستبداد..والسقوط أخيراً..

والقاعدة الجارية بالنسبة الى المراجع ومقلديهم، فإن كل مرجع يملك النفوذ الى مقلديه، وليس للآخر نفوذ على مقلدي هذا فيما تختلف آراؤهم فيه، كما ليس لهم شرعاً فرض آرائه عليهم بالقوة وإن كان هو الأقوى...

فهل لهذا المشكل الكبير من علاج؟ يعني ماذا نفعل لكي نجمع كل القوى والقدرات الموجودة على الساحة مع اختلاف آرائها حول النظام حكومياً كان أو مرجعياً؟  وهل هناك طريق أفضل من جمع المراجع وتشريكهم الواقعي في إدارة النظام عن طريق (شورى الفقهاء)؟؟

الواقع.. أنه بدون شورى لا يمكن بحال جمع طاقات الأمة وتوحيدها، يقول الأستاذ عبد الكريم الخطيب: «الشورى طريق الى وحدة الأمة الإسلامية، ووحدة المشاعر الجماعية، من خلال عرض المشكلات العامة، وتبادل الرأي والحوار».

ويقول الدكتور محمد البهي مؤكداً على إن الشورى ابعد من الإنقسام، وأحفظ لوحدة الصف:«والشورى على أي حال إجتهاد في الرأي، تتحمل الصواب والخطأ، ولكنها أقرب الى الأمان، وأبعد عن الإنقسامات والهزات بين صفوف المؤمنين في أمتهم».

ويؤكد في مكان آخر من كتابه عن الوحدة النسبية التي تحققه الشورى في الأمة، ويطرح المسألة طرح المسلمات المفروغ منها، فيقول:«ووجوب الشورى في الأمر بين المؤمنين بعضهم بعضاً، لا لضمان (الوحدة) بين صفوف الأمة فحسب، ولا للإطمئنان على مصلحة كل طرف داخل مع طرف آخر في معاملة، أو للمصلحة العامة لجميع الأفراد فقط، وإنما قبل ذلك لتنبيه كل فرد على مسؤولسته الفردية، وعلى ما يترتب على هذه المسؤوليتة من إلتزامات نحو الفرد نفسه، ونحو الآخرين معه في المجتمع».

ولعل الكثير من الروايات المستفيضة التي تؤكد على إن الشورى (إستظهار) تشير الى إنها جامعة لشمل القوى المختلفة والمتباينة،ذلك لأن (الإستظهار) إستفعال من (الظهر) أو (الظهور) فالشورى: تحمي ظهر المستشير وتقويه، أو (تُظهر) له ما يقول من رأي وطاقة وغيرها....

وكلاهما يشير الى إتفاق الكلمة وإتحاد الصف نسبياً بين المستشير والمستشار...

وروايات الإستظهار وردت بصيغ مختلفة مثل ما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم:«لا وحدة (وعزلة) أوحش من العجب (بالنفس والرأي) ولا مظاهر أوثق من المشاورة». و«لا ظهير كالمشاور». و«كفى بالمشاور ظهيراً». و«نعم المظاهر المشاور». و«ونعم الإستظهار المشاورة»، و«المشاورة إستظهار»، و«لا إستظهار في أمر أكثر من المشورة فيه» وغيرها...

وكل هذه الصيغ يفهم منها حقيقة واحدة: المشاورة قوة لظهر المستشير، وهذه كناية عن مساندة المستشار له وتنسيقه رأياً، أو رأياً وموقفاً وعملاً معه.. وفي (شورى الفقهاء) وكل شورى..يكون الأعضاء مستشارين ومستشيرين..فكل منهم ظهير وقوة لصاحبه.

 

تفجير الطاقات:

الطاقات البشرية مواد خام مختزنة تكتشفها المسؤوليات.. إنها لا يمكنها الوصول الى مرحلة العطاء، إلا إذا وضعت في مستوى المسؤوليات.

إن للإنسان كثير من الطاقات، لكنها سوف تبقى مختزنة في الباطن أذا لم تهيأ لها الأعمال والمسؤوليات الضخمة التي تحفزها على التفكير ثم على الإستخراج وإيناع الطاقات الكبيرة الكامنة فيه، وهذا ما جرِّب عملياً..مثلاً: الفرق بين الحوزات العلمية والجامعات الحديثة ـ ويتحسس هذا جيداً لمن جربهما معاً ـ هو أن الجامعي دائماً في حالة أخذ، وليس له عطاء، وهذا ما يجعله خاملاً منطوياً على نفسه.

بينما الحوزوي فور ما يقطع مرحلة أولية يبدأ بالتدريس، والتدريس هو الذي يصقل فكر المدرس، حتى قيل: «الأستاذ لا يصنع التلاميذ بل التلاميذ يصنعون الأستاذ» وهذا حق بنسبة معينة.

هذا على مستوى الفرد وأما على مستوى المجتمع فهو أيضاً كذلك، حيث إن أفراد المجتمع إذا دخلوا حلبة الصراع الفكري للبناء والتقدم ورقي البلاد، تبلورت الأفكار وأثمرت، وسخت بالعطاء، وعلى أثر تلاقح أفكارها ورشدها تتقدم البلاد في كل المجالات.

وحينما أرادت أمريكا أن تبني كيانها وتؤسس دولتها أطلقت نداءها المعروف في العالم أيها المتعبون في العالم هلموا الى أرضكم وبلادكم وبادروا الى المشاركة في إدارتها». وبالفعل إشترك الجميع في الإدارة حتى أصبحت أمريكا اليوم تهيمن على أكثر بلاد العالم...

فمثلاً: في ولاية (كاليفورنيا) التي هي واحدة من إحدى وخمسين ولاية أمريكية توجد 200 محطة إذاعة و150 صحيفة تصدر في 150 صفحة الى 500 صفحة أحياناً.. ويباع فيها محطات الإذاعة والتلفاز كما يباع أي شيء في بلادنا...هكذا دولة التي يشارك في إدارتها كل المحاور والقوى الإجتماعية والسياسية والإقتصادية...تصبح بالطبع أقوى دول الأرض على الإطلاق.

«...منذ 200 عام كانت نسبة الأميين في أمريكا أكثر مما هي في مصر الآن، ومع ذلك نالت أمريكا الحرية الكاملة والديمقراطية الكاملة في تلك الأيام، وبهذه الحرية والديمقراطية أوصلت نسبة التعليم الى 99% فالحرية والديمقراطية هي التي تلد التعليم وليس العكس بدليل أن هتلر لما تولى حكم ألمانيا كانت نسبة المتعلمين فيه مائة في المائة ومع ذلك جاءت الدكتاتورية التي حولت الشعب المتعلم الى رقيق وعبيد».

وهذا بالطبع لا يبرر الثغرات الحضارية الضخمة في الكيان الأمريكي بوجه عام.

وفي الجانب الإقتصادي، تعتبر البلاد المعتمدة على (إشراك مختلف القدرات في الإدارة) قوية رغم وجود ضعف ما فيها..

أما من الناحية السياسية.. يكفي أن نعرف أن العرب ـ والمسلمين بوجه عام  

رغم ما كانت لهم من قيادات دعت الى إلقاء اليهود في البحر ملأت العالم العربي رعداً وبرقاً وضجيجاً... لم يستطيعوا جميعاً من زحزحة إسرائيل من مكانها ولا بشبر واحد، بل العكس صحيح، إذ أخذت إسرائيل تقوي مواضعها وتوسع إحتلالها وتجذر نفوذها بزرع المستوطنات في مختلف أنحاء فلسطين المغتصبة، وتطور سلاحها، وأقتصادها، وسياساتها،و هذا لم لم يكن إلا نتيجة عدم إكتشاف الطاقات الهائلة المكتنزة في ضمير وفكر وروح أمتنا، عن طريق إشراكها في الإدارة (عبر ممثليها الشرعيين).

وبالطبع ونتيجة لتفجير الطاقات فإن اهتمامات المرجعية وأركانها تتغير بإتجاه الاهتمامات الإيجابية البنّاءة فمثلاً:

بعد رحيل كل مرجع كبير، تتوجه طاقات كثيفة من الرجال والأموال والأعلام لطرح مرجع آخر .. وتتوجه طاقات كبيرة أخرى لطرح مرجع ثان، وهكذا..لطرح مرجع ثالث، وتعمل هذه الطاقات بهمة عالية، ومثابرة متصلة لتحقيق هذا الهدف .. طرح مرجع معين .. والسؤال هنا: هل إن طرح ذا أو ذاك هو الهدف الذي يستحق صرف جهود عملاقة لتحقيقه؟ مع إن هناك عناصر مندسة ليس لها إلا تحقيق المصالح الخاصة من وراء طرح هذا أو ذاك ولم تكن القضية خالصة للحق؟؟

أما في ظل الشورى فيرتفع مستوى الطليعة العلمائية من أهل الحل والعقد وأمثالهم ومن مستوى الأمة، وتحقيق أهدافها الحقيقة، وذلك تحت مظلة شورى الفقهاء  التي ينتمي إليها كل المرجعيات التي سعت في سبيل تقدمها الطاقات والخطوط المختلفة ..وهكذا تتغير إهتمامات الأمة، وتنحو الى تحقيق الأهداف التي ترسمها الشورى، فلا تنحصر الإهتمامات والتوجهات الى طرح هذا أو ذاك من المراجع ولا تصرف ملايين الأموال، المئات من الكفاءات والرجال لاستقامة أموره، وأستواء المرشح للمرجعية على سدتها وتغيير هذه الإهتمامات إنجاز عظيم للشورى..الذي لا يمكن إنجازه إلا بغير الشورى مطلقاً ..ومع قيام الشورى لا تبقى حلبة الصراع لتنصيب هذا أو ذاك بل تتوجه الطاقات الى إتجاه معاكس .. وتتوجه الحراب نحو صدر العدو ..وبعبارة أخرى: لا يبقى معنى وموضوعية للصراع المرجعي، لأن كل المراجع (أعضاء متساوون) في مجلس موحد، والكل ينالون نصيبهم من الإحترام والإدارة والدعم، فتتوجه الطاقات الى البناء وتحقيق الهدف، عوض أنهدارها في الأمور الجانبية..

 

إستقرار المنهجية:

ومن الضرورات الملحة واللازمة لقيام شورى للفقهاء والمراجع هي ضرورة (إستقرار المنهجية) التي هي شرط تقدم أي مشروع للعمل..

وفي (شورى الفقهاء) ثبات نسبي وإستقرار للمنهجية للخط الجماعية التي ترسم للعمل، والظاهر أن النقطة تتطلب تسليط الأضواء عليها وذكر بعض الأمثلة البيانية لها. فمثلاً: على الصعيد الإجتماعي هناك وحدتان: الوحدة الشخصية..والوحدة النوعية فالوحدة الشخصية تلك الوحدة التي تكون مرهونة بوجود الفرد تبتديء بإبتدائه وتنتهي بإنتهائه، التي تحيي وتموت بحيات وموت الفرد..أما الوحدة النوعية، فهي أكثر ثباتاً ودواماً من الوحدة الشخصية وكمثال على ذلك: حياة الفرد: فإنها تبتديء يوم يفتح عينيه على الوجود، وتنتهي يوم يودع الدنيا..بينما حياة المجتمعات ليست كذلك..إذ إنها تحوز ببقاء أطول..ولا تنتهي بموت أفراد معدودين منه.

مثال آخر: الترعة الصغيرة لو سحب منها الماء الكثير تنتهي وينفذ ماؤها بينما ماء البحر لا يظهر عليه النقص حتى لو سحبت منه ملايين الأطنان..ففي ( الوحدة النوعية) ثبات نسبي..تفقده (الوحدة الشخصية) إن طابعها هو عدم الثبات..

وكذا يقال في (المرجع الواحد) و(شورى المراجع)..فالمرجع (الواحد) إذا إرتحل عن الدنيا، تغيّر كل الخط الذي كان يمتد في حياته، أو يموت خطه أيظاً، بينما المؤسسات الجماعية ليست كذلك، فالحزب مثلاً إذا مات رئيسه يبقى مستمراً يديره بقية مفكري ذلك الحزب:

«القيادة لو كانت متجسدة في مرجع واحد، فهي رهينة حياة ذلك المرجع، تبقى ما ذلك المرجع باقياً، وتنقرض بإنقراضه، بينما القيادة المتمثلة في شورى المراجع ليست كذلك، فإنها تبقى مستمرة وتدوم ما دام للمسلمين مراجع، والمراجع موجودون دائماً، لأنهم الخلفاء الشرعيون للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والوكلاء العامون للإمام المهدي صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف).

 ومثل هذا ما جرى في بعض الأنظمة المعاصرة، المتواجدة في البلاد الإسلامية فمثلاً:

كانت قيادة مصر، والخط الحاكم، تعتمد على إنسان واحد وهو (جمال عبد الناصر) إذ كان هو الأول والأخير في إتخاذ القرارات وتنفيذها، وكان هذا الخط باقياً ما دام (عبد الناصر) على دفة الحكم لكن فور إنعزاله وموته تغيّر إسلوب الحكم، ودفن الخط الحاكم رأساً، ودار من فلك الشرق الى أفق الغرب، وذلك حينما جاء (السادات) الى الحكم، وكان هذا الأخير كسابقه هو الوحيد الذي له الحق في إتخاذ القرارات وإمضائها حتى إذ أطلقت رصاصة واحدة تغيّر الحكم الحاكم من الجذور ودفن في مقبرة التاريخ بعد أن إقترف جنايته الكبرى ضد الإسلام والمسلمين بإعترافه بإسرائيل.

ثم جاء بعده خط جديد وأسلوب آخر مختلف تماماً عن سابقيه ليدير دفة الحكم في مصر، وهكذا بينما القيادة في لبنان غير محتكرة على شخص واحد ولا على فرد معين بل موزعة بين الجميع (وإن لم تكن بصورة عادلة) لذلك نرى ملايين الرصاصات قد أطلقت في لبنان ولم يحدث في خط الشعب اللبناني تغيير ولا تبديل».

والجدير بالذكر: أنه عقد في (مجلس الأمم المتحدة) إجتماع طاريء بعد إعدام السادات قال الممثل المصري في خطاب له: إن هناك دولة يتغير كل نظامها بإطلاق رصاصة واحدة وينتهي النظام بموت إنسان واحد وهو (السادات).

فقال: ممثل لبنان مجيباً له في خطابه: «وهناك دولة تصمد أمام ملايين الرصاصات ولا يتغيّر نظامها الحاكم وهي (لبنان) ورغم الحروب والصراعات الموجودة فيها..

وهذه هي إحدى الفوارق بين الوحدة الشخصية المتمثلة بزعامة السادات، الذي كان يتخذ كل القرارات بنفسه حتى إنه إتخذ قرار زيارة إسرائيل بعد حرب طالت ثلاثين عاماً مما أدهش مجلس الأمن المصري..وبين زعامة الهيئة الحاكمة في لبنان التي تتخذ قراراتها وفق الإجماع أو الأكثرية...

ولا ضمان لدوام أي دولة دون توزيع القوى وإعتماد الشورى، ولذا نرى: أن البلاد الدكتاتورية تسقط الواحدة تلو الأخرى..

وبالطبع لا ينفع أن يكون في البلاد مجلس إستشاري يطلق عليه (مجلس الأمة أو الشورى أو البرلمان) إذا لم يكن وراء المجلس أحزاب حرة ولو لم توزع القدرة بين الأحزاب الحرة لا تسلم الحقوق الإنسانية للأمة..بل تصادر أبسط حقوقها وحرياتها ..أما مصير الدولة فيكون السقوط أثر إنقلاب عسكري غالباً...كما هو المعتاد في كل حزب يحكمه حزب أو جهة واحدة ..أما البلاد الديمقراطية ذات الأحزاب الحرة فلا يقع فيها إنقلاب عسكري ما دامت الحرية السياسية هي الحاكمة ..والأحزاب الحاكمة لها حق التعبير عن رأيها ...والكيان الصهيوني الغاصب نموذج حي لما نقول .. ومرَّ من عمره المشؤوم أكثر من ستين عاماً..ولم يحدث إنقلاب عسكري واحد في داخله..

 

السياسات المضادة:

والمرجع الواحد له إسلوبه ونظريته وخططه وستراتيجيتة في العمل ويبذل زهرة عهده المرجعي في نطاق تلك الخطط والنظريات في العمل والخدمة والقيادة ...وتطبيق الممكن من أحكام الإسلام..

وليس من الضرورة أن يؤمن المرجع المستقبلي بذلك..بل في كثير من الأحيان تختلف أساليب العمل عند المراجع..وأحياناً بل غالباً تختلف النظريات الإجتماعية والرؤى عندهم..وغياب القائد يغير السياسة القيادية غالباً..وما قيل في المرجعية صادق على الانظمة السياسية أيضاً..

فمثلاً في الإتحاد السوفيتي الذي غربت شمسه: (والأمثال تضرب ولا تقاس) تغيرت سياسة لينين بعد موته، وكذا سياسة ستالين وخروشوف، وهكذا في الصين بعد ماوتسي تونغ، ومصر والعراق بعد موت أي قائد فيهما..وهذا شيء لا يخفى على المطلع على التسلسل السياسي لهذه البلاد ذات الأحزاب المتعددة، بل المقصود أن الثبات السياسي أكثر إستقراراً من غيرها..

والمسألة طبيعية..لأن الإجتهادات والنظريات الإدارية والسياسية تختلف دائماً الإجتهادات الفقهية والأصولية..وكذا الأساليب والتكتيكات للإجتهادات المتباينة.

أما في ظل القيادة الجماعية فتتحجم مثل هذه التحولات السياسية الإنقلابية..وتسيّر وفق نسق ثابت غالباً قائم على مبدأ الأكثرية والرأي الجماعي.

وكلما إرتفع مرجع الى الشورى، تبلورت شخصيته وأفكاره وبقيت الأساليب الإدارية ثابتة، ولا يستطيع المتقدم الجديد قلب موازين الإدارة السابقة وتخطئتها، ورسم خطة جديدة أساسها مضادة الخطة السابقة، بل لا حق للمرجع الجديد في الشورى الانحراف عن الخطة المعمول بها في الشورى، والتحلق خارج السرب..إلا إذ أسند خطته بأدلة ووثائق متينة، وبراهين ساطعة..وتمكن من إقناع الأكثرية..

وهكذا تدار شوؤن المرجعية على نسق موحد، وبرنامج منظم وثابت دون حدوث أي تبدلات إدارية..وتغيرات في المواقف ناتجة من المؤثرات العاطفية، والإنفجارات الوقتية، وفي هذا الجو الودع تخطط لإدارة شوؤن الأمة وتناقش المشاريع المطروحة، بموضوعية وواقعية وهدوء..

 

تأسي الأمة:

والرسول صلى الله عليه وآله وسلم أسوة المسلمين الى يوم القيامة ومعلمهم العظيم و« لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» إنما يستشير أصحابه ليسنّ سنة صالحة حسنة..فتقتدي به أمته وتحذو حذو خطاه ..وتتخذ من الشورى ركيزة أساسية إجتماعية وأخلاقية لادارة شؤونها وتنظيم مختلف برامج حياتها وما أروع هذه السنة الصالحة التي شرّعها الوحي ..ونفذها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ولقد روى إبن عباس قال:«ما أنزلت }شاورهم في الأمر{ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما أن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن إستشار منم لم يعدم رشداً، ومن تركها لم يعدم غياً».

وكان صلى الله عليه وآله وسلم قد إصطفى نخبة واعية من صحابته الأبرار كمستشارين له في الأمور العامة..وكذا الخاصة أحياناً (كطلاق بعض زوجاته) وكذا أمير المؤمنين عليه السلام ..وهكذا بعض أو كثير من أمراء المسلمين أيضا حيث كانوا يجمعون حولهم ثلة من الفقهاء من الأخيار ويستشيرونهم في مختلف الأمور صغيرة أو كبيرة ..وبعد المداولة  فيها كانوا يتخذون القرار وفق رأي الأكثرية..

والذي يتصفح أوراق التاريخ يتضح له ذلك بصورة جلية..

ومراجع الأمة الإسلامية أولى من يتأسى بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويتلقى منه دروس الشورى..وبذلك تكون هي أيضاً أسوة للمسلمين اليوم.

فلو بادر القادة الإقتداء بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم والتنفيذ الجاد للشورى..

فإنهم بذلك سيعلمون مختلف طبقات وشرائح الأمة عملياً نظام الشورى.

وليست شورى الفقهاء والمراجع إلا نموذج سام يستحق الإضاءة به والسير على منواله ..وبتحققه ..يتحقق طبيعياً شورى الحركات وشورى الخطباء والوكلاء والأدباء والأساتذة والمفكرين ورجال الإقتصاد والتجار والجامعات وغيرها ..وفي التاريخ شواهد صدق على ذلك ..فمتى ما تحققت شورى الفقهاء تشكلت الشوريات الأخرى أيضاً..

وبذلك يتحقق شوط كبير وتحدث إنتفاضة إدارية ونوعية في مسيرة الأمة الإسلامية وطلائعها وتمهد لمقدمات إنقلاب حضاري في علاقات المسلمين في بعضهم البعض وفي تحركهم وكفاحهم في سبيل التحرر والخلاص والتقدم المطرد الى الأمام.

 

مدرسة النضج الفكري:

لا شك ان القرارات والخطط المرجعية ذات حساسية وأهمية كبيرة ذلك لأنها ترتبط بمصير جماهير واسعة من أتباعها ..لذا فإن قراراتها وفتواها العامة خطيرة للغاية ..من هنا لزمت دراسة تلك القرارات والخطط دراسة مستوعبة عميقة ..

ولكي تدرس تلك القرارات بعمق يلزم قتلها بحثاً في جلسات الشورى المتكافئة مع رموز ومراجع الأمة ..ومجالس الشورى هي مطبخ النضج الفكري، ومدرسة التربية العقلية..

وكيف ذلك؟؟

الجواب: تسبق الشورى عادة مناقشات حول صحة وخطأ أي الرأيين المتناقضين ويحتد النقاش ..ويتوالى الكر والفر..وتتكرر الإجتماعات لأيام وشهور أحياناً..ثم بعد ذلك ..يستنتج  مخاض المناقشات والمداولات ..

وليس هناك في الأفكار شيء يسمى اليقين المطلق وإنما هناك ثقة كافية لتحقيق غايات الحياة البشرية..ويجوز لنا أو يجب علينا أن نفترض صحة آرائنا لكي نسترشد بها في تصرفاتنا مع الإحتفاظ بحرمة الآراء المتعارضة ..«وهناك إختلاف كبير بين إفتراضنا صحة رأي ما لأنه لا يوجد دليل على خطأه أو فساده مع تعرضه للمناقشة والإنتقاد وبين إفتراضنا صحته بقصد صيانته من التفنيد أو الدحض وإن أطلاق الحرية التامة للغير في معارضة آرائنا ومناقضتها هو الشرط الجوهري الذي يجيز لنا إفتراضنا صحة هذه الآراء حتى يمكننا العمل بها وما لم تتوافر هذه الشروط لا يمكن لأي إنسان أن يكون على ثقة بصحة رأيه وصوابه وإعتقاده.

ولو أننا درسنا تاريخ الآراء والنظريات وتأملنا غالبية الرجال البارزين في جميع الأجيال الماضية لوجدنا أن معظمهم إعتنق كثيراً من الآراء التي شاع الآن خطؤها كما كانوا يوافقون على أمور عدة لا يمكن لأحد أن يستسيغها الآن».

 

رجحان كفة الخطأ:

وأما السؤال القائل لماذا نجد بوجه عام كفة الآراء الصحيحة والسلوك السليم بين الناس هما دائما الكفة الراجحة؟.

والجواب: إن الواقع هو رجحان المعاكسة..إذ إن البشرية اليوم..والمسلمين على وجه الخصوص في حالة يرثى لها ..ومسلسل المآسي العالمية على صعيد التسلح العالمي الذي بلغت ميزانيته في عام 78م حوالي 2000000000مليارين دولار مع إن خمس هذا المبلغ كان كافياٍ لإسكان كل من لا سكن له على وجه الكرة الأرضية .. إضافة الى (125000000) نسمة في العالم مهددون بالموت جوعاً حسب تقرير اليونسكو!!.

أما الحالة المأساوية للمسلمين فهي أشد من ذلك ..إذ إن الأمة أصبحت أشبه بمتسكع مجهول الهوية..مرهق الجسم..جاهل لا يعرف تدبير أمره ..وقد أحاطت به الاعداء من كل حدب وصوب ..وهو يتجرع الغصص والآلام..

ويقتات الرحرمان وسماء بلاده ملبدة بغيوم الحروب والإنقلابات والتوترات والسجون المتخمة بالمتهمين والأبرياء ..ومقابرها مشيدة بجثث الضحايا ..وأبسط دليل على رجحان دفة الخطأ هو هذا التخلف عن ركب الحضارة وهذا الضياع والفقر والأمية والمرض وهجرة الأدمغة وعشرات الأزمات التي تعاني منها بلاد العالم الثالث.

فإذن الخطأ والإنحراف هو الأصل وكفته هي الراجحة لا العكس..

ومن الطبيعي أن الشورى تساعد في النضج الفكري للمستشار على وجه الخصوص فيما لو كان المستشير مستغنياً عنه وأرفع مستوي منه بل هي في الواقع من الوسائل التربوية الراقية والذكية في نقل الأفكار الى الآخرين ورفع مستواهم الفكري لأنها تبعث في ضمير المستشار إندفاعاً عالياً لإبداء أكمل الآراء وأمتنها ..وهذا ما يسبب تشغيل خلايا المخ والضغط الشديد والمتكرر عليها وإنتاج روع بضاعة فكرية ..وهذا هو الذي ينضج عقليتهم ..

«....والشورى تربية للفرد على أداء وضيفته الإجتماعية عن طريق تهيأة الفرصة له لأن يبرز في المجتمع، فيربي ممتلكاته وينمي قدراته حتى يكون أهلاً للمشورة وهذا بدوره داعية قوية تدعوه الى الإستزادة من العلم والمعرفة .

ويمكن أيضاً إرجاع أهمية الشورى ضروراتها الى أن الأفراد مختلفون في الطباع والعقول».

والشورى لا تنضج فكر الأفراد فحسب بل أصبحت من وساءل ترفيع المستوى الفكري للشعوب أيضاً «...وهي تذكير للأمة بأنها صاحبة السلطان ..ومن الصعب على الأمة التي إعتادت ونشأت على المشاركة في شؤون الحكم، وتحمل التبعات أن تتنازل من حقوقها..بل تكون هذه الأمة متوجهة للخير في جميع أمورها، وتنعكس هذه النتيجة على أوضاعها تقدماً ورقيا..».

كيف يتحقق النضج؟؟

إن مما لا شك فيه: عدم تمكن المرء من الإحاطة بدقائق قضية ما، فإن معرفته بها تكون ناقصة، وقد تكون أدلة قوية ويعجز الغير عن دحضها  ولكن إذا عجز بدوره عن دحض أدلة خصمه، فبأي وجه يستطيع المفاضلة بين رأيه ورأي الخصم؟؟

ولا يكفي أن ينقلب المرء على أدلة خصمه كما يسوقها له أساتذته أو أصدقاءه أو تلاميذه أو مصادره الخبرية الخاصة وبما يتفق مع آرائهم فيها، لأن هذه الطريقة لا تنصف أقوال الخصم كما لا تقربها الى الذهن لكي يتفهمها بل ينبغي ان تسمع أقوال الخصم ممن يؤمن بصحتها ولا يتوانى عن تأييدها والدفاع عنها..إذ إن إطلاع الإنسان على أدلة خصمه وهي صورة واضحة غير مشبوهة وتامة غير متبلورة بحيث يشعر برجاحتها وبصعوبة موقف المعارض لها يساعد الإنسان المحايد ويوصله الى وجه الصواب الكفيل بدفع الأدلة المعارضة، وتذليل صعابها..

إلا أنه يندر بين الطبقة المثقفة المؤمنة ويبحث عن دفاعات خصمه الفكرية  وبدون ذلك هل يمكن أن يأتلف شمل النظرية المبتعدة عن أدلة خصمها؟ ومن يقول أنها حقيقة وصواب ما لم يفسح المجال للردود عليها..وما لم تثبت في حلبة الصراع الفكري؟

والحقيقة.. يجدر بالمرء إذا وجد من ينازعه في صحة آرائه أو الآراء الساندة أو الرأي العام إذا أجاز له القانون أن يقابله بالشكر، ويقبل عليه بآذان صاغية وأن يغتبط بوجود من يعارضه في آرائه إذا كان يرغب بأن  تكون تلك الآراء مبنية على دعائم متينة. لأنها أما أن تكون خطأ ..فلا بد آنئذ أن يكون هناك رأي آخر هو الصواب وإما أن تكون صواباً وضرورة معارضة هذا الصواب بما يناقضه من الخطأ حتى يتمكن الذهن من الإحاطة بالحق إحاطة تامة ..ولو أحاط بالحق فإن نتاجه يبقى وإن كانت الأجواء والقانون والرأي العام يخالفه..كبعض آراء (روسو) التي كانت تحتوي على الشيء من الحقائق التي أهملتها الآراء الشائعة آنئذ... بعد  مرور زمان طويل ظهرت على مسرح الأفكار من جديد..

 

الإجتماع حالة كيفية متحصنة:

والواقع: أن الجماعة المتشاورة المكونة من جملة من الآراء تختلف عن الفرد المعرض للزلات..إذ إن في الجماعة يخرج الأمر عن مجرد (كم)  ويصل أمرها الى (حالة كيفية) جديدة.

بحيث أن كل ما يجوز على كل فرد متفرد من أفرادها لا يجوز على الجماعة مجتمعة وإن لم تكن معصومة..والفرد يجوز عليه السهو والخطأ والنسيان إضافة إلى الردة والكذب والكفر والضلال ...

وذلك بعيد واحتمالاته تقل لأقصى حد على أطراف الشورى خصوصاً لو كانوا طليعة الأمة وعلماءها العادلين ذلك لأن الإجتماع يضيف جديداً إلى الأمر ... ويؤتي الثمر ناضجاً ... وهذا هو الفارق بين رأي الجماعة يوفر(القدوة)و(التجربة) غير المباشرة ... وذلك عبر الإحتكاك بالآخرين الذي يتسبب في الإنسجام معهم والإقتباس من تجاربهم.. وهما (القدوة والتجرية) من عوامل تعديل الرأي وإنضاجه...

كما يتولد هذا التعديل والإنضاج عند الإستنارة بالتجربة الذاتية للفرد...

«ذلك أنه إذا صح في فعل القادر الواحد لأأن يكون صواباً إذا تقدمه فعل آخر.. ولو يتقدم لكان خطأ ..فما الذي يمنع من كون فعله صواباً إذا تقدم مثله من غيره ... ومتى لم يتقدم ذلك لم يجب أن يكون صواباً...

وهذه طريقة أهل الحرمة والرأي من ذوي العقول لأنهم إنما يجتمعون في النوازل والحوادث على المشاورة لكي يحترزوا عن الخطا... الذي لولا اجتماعهم لكان إلى أن يقع أجوز».

«وإنه لا يمتنع أن يكون المعلوم من حال العشرة بأعيانهم أن كل واحد منهم لا يختار مع صاحبه إلا الصواب وإن كان قد يختار الخطأ إن انفرد كما لا يمتنع فيهم أن يصيبوا الرأي إذا اشتركوا فيه، وإن جاز أن يخطئ كل واحد منهم فيما يستبد به».

و(الإجتماع) حالة كيفية (متحصنة) عن الزلل وبعيدة عن المزالق.. وإن كان كل فرد ... معرضاً لذلك إذ أن (الإجتماع) يخلق واقعاً وصيناً... وإن كان أعضاؤه ضعافاً كآحاد الجيش التي تنتج حالة النصر الحاصلة من مجموع آحاد العسكر..

قال الجرجاني في معرض دفاعه عن( الرأي الجماعي):«فإن قيل:

خبر كل واحد لا يفيد إلا الظن ... وضم الظن إلى الظن لا يوجد اليقين ...

وأيضاً جواز كذب واحد يوجب جواز كذب المجموع لأنه نفس الآحاد ..

قلنا: ربما يكون مع الإجتماع مالا يكون من الإنفراد ..

كقوة الحبل المؤتلف من الشعيرات»...فالمجتمع صفه جديدة، والله (سبحانه وتعالى) جعل في هذه الصفة الجديدة، واقع القدرة، وكذلك في كثير من التجمعات، فإن تجمع القطرات يكوّن الشلال الذي له قدرة خارقة نابعة عن قدرة القطرات وبتجمع اليبوت تكون المدينة، وبتجميع ذرات الحديد يكون الفأس القادرعلى هدم الجدران..

 

الأمة الواعية :

 والأمة الواعية تضع ثقتها في الجماعة أكثر مما تضعها في الفرد كما أن الجماعة أقدر على كسب الثقة من الفرد .. والسلطة العليا للأمة تكون في الجماعة خير من كونها في فرد لبعد الجماعة بدرجات عن الخطأ والإنحراف.... وهذا ما لا نشاهده دائماً في الفرد... كما أن الشورى أثر طبيعي لا حترام الإسلام للعقل، وإنها مقتضى تكريم الله للإنسان ولا أدل من قول الله تعالى إني جاعل عن الارض خليفة في بيان أهمية الشورى وهي مظهر من مظاهر المساواة، وحرية الرأي والنقد، والإعتراف بشخصية الفرد وهي أيضاً طريق إلى وحدة الأمة الإسلامية ووحدة المشاعر الجماعية من خلال عرض المشكلات العامة وتبادل الرأي والحوار...

 

أعقل الناس..؟

لقد ورد في أكثر من حديث: «أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله» ذلك لأن العقول كالمصابيح إذا اجتمعت ازداد النور ووضح السبيل ولأن لكل عقل نوعاً من التفكير ... وبعداً خاصاً، والقضايا المعنوية(إدارية، سياسية، وغيرها) كالأجسام الخارجية لها أبعاد معينة، فكل من ينظر إلى جسم مربع من جهة واحدة يرى لونها مثلاً: أبيض والذي ينظر إلى الثانية يراه أسود، وكذا الثالث أوالرابع أو والذين ينظر إلى الكرة الأرضية من جهة معينة، فإنه يرى قطراً معيناً ...

أما الجماعة فإنها كجماعة ترى الجسم أو القضية من كل جوانبها وتحيط بها فالحرب مثلاُ يحللها السياسي وفق اختصاصه، والعسكري وفق خططه، والعالم الديني وفق قواعده الإستدلالية، فيحكم بحرمتها أو وجوبها ... «إن آلية المناقشات واللجان والمجادلات تتيح لكل خصم أن يدلي بحججه، وتضمن في الوقت نفسه معرفة المشكلة من جميع الجوانب معرفة كاملة، تفهم كل فرد تنوع وتعقد المشكلات القائمة».

والجماعة دائماً أبعد عن الوقوع في الخطأ من الفرد، فإحاطة الجماعة بقضية معينة وإن كانت إحاطة ناقصة، إلا أنها أوسع وأدق من الإحاطة الفردية، والنقص فيها أقل، لذلك كان أعقل الناس مع جمع عقول الناس وأضافها إلى عقله...

وطاقات المراجع صخمة واسعة(العقلية، والفكرية، والإقتصادية، والإعلامية، وغيرها) ماهو الموقف السليم منها: إهمالها؟ أو استثمار بعضها؟ أو تجنيدها كلها في سبيل الهدف؟.

بالطبع تجنيد تلك الطاقات الضخمة جميعاً في سبيل الهدف هو الوقف الصحيح والمطلوب ... صحيح أو ؟؟.