المساواة حكمة التشريع في فرض الصيام

alshirazi.net

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

أما بعد: لقد أصبح الاقتصاد، عصب الحياة المعاصر، التي محضت إيمانها وولائها للمادة، وحيث كان (البطن) الوعاء الرئيسي للمادة، كان من الطبيعي: أن تصبح (مشكلة البطن) رأس المشاكل، التي تجتاح العالم، بفلسفتها ومبادئها وحلوها. فالرأي الحديث يرى: أن (البطن) هو (العقل العملي على الأرض).

وفي (البطن) نكبت البشرية، وانتكست القيم، ومن (البطن) انطلقت الحروب، وتناقضت المشاكل. وقد تضاربت الاشتراكية والرأسمالية، حول تقرير مصير البطون وأصحاب البطون...ولكن المذاهب ـ التي اختلقوها حتى اليوم ـ لحل مشكلة البطون لا تزال مذاهب الكتب والمؤتمرات، ومناهج الذين يحاولون إسعاد الإنسان، بزيادة أو نقص في أعصابه...ووسط هذا المعترك الصاخب، يرتفع صوت الإسلام ليقول كلمته ـ كما هو شأنه ودأبه في جميع المعارك ـ وليعلن رأيه وقراره، لحل هذه المشكلة.

 

شهوة بلا حدود:

فأما رأيه، فهو يرى: إن نِعم الحياة، مهما توفرت وتزايدت، لا تقدر على إشباع جشع إنسان واحد، ما دام الإنسان خلق مجبولاً بالجشع، فإن جاع يطلب الرغيف، وإن، مَلك الرغيف ينازع الادام، وإن ظفر بهما يحاول تزيين مائدته، ولو توفرت له مائدة ملونة يحرص على إدخال ما يزيد على حاجته وحاجات أولاده وأحفاده، وإن حصل كل ذلك، يروم تسلق المناصب الرفيعة، ولو اُتيح له يرمي الى وصل العروش وإنتزاع التيجان، وإن نالها، حنَّ الى جمع السلطات كلها في قبضته، ولو أعطاه الله ازمة الدنيا، وأسنده على عرش سليمان، أراد العروج الى السماوات واستعمار النجوم، وإن تمكن منها، جنّت به أنفة فرعون، فقال أنا ربكم الأعلى، ورمى الله في زعمه ـ بسهم نمرود ـ وبغى التوسع الى حيث يرفض الحدود والوقوف.

وإذا كان الإنسان نهماً توسعياً، لا يرضى بالحدود، فمن غير المجدي معالجة (مشكلة بطنه) بتوفير النعم عليه إتاحة الفرصة له حتى يمتص الدماء ويكرع الدموع، لأنه كالمصاب بمرض (الإستسقاء) لا يزداد على شرب الماء إلا عطشاً، وإنما النافع له تعقيم مادة الجشع في قرارته حتى لا ينبض في نفسه حنين إلى ما في أيدي الناس، بل يصبح خاضعاً للشعور بالمساواة، التي تجعله كبقية الأفراد، عليهم أن يتعاونوا في توزيع الفرص عليهم، لينال كل نصيباً متقارباً من نصيب شريكه في الحياة.

وأما قراره فهو قرر فريضة (الصوم) ليشعر الجميع، بنوع حكيم متزن من «المساواة» التي تشجب غريزة «الاستئثار» دون ان تشل المواهب المتفوقة، عن التفاعل والإنتاج.

 

فقر جماعي:

فـ «الصوم» فقر إجباري، تفرضه الشريعة الإسلامية، ليتساوى الجميع في بواطنهم ـ سواء من يملك الملايين ومن لا يملك شيئاً ـ كما يتساوى الجميع في صفوف الصلاة، ومواقف الحج، ليشعر أصحاب الأموال والأنساب والمناصب، بأن الناس جميعاً متساوون في اعتباراتهم كما إنهم متساوون في أجسامهم، فجسم الملك ليس أضخم من جسم الجندي، ولا يأكل أكثر مما يأكل الحارس، ولا يتصرّف بجسمه في الملابس والمساكن، أكثر مما يتصرّف فيه فراشه، وربما كان الأمر بالعكس، واما الأموال والأنساب والمناصب، فانها أمور خارجية عن واقع الأفراد، وتمايز الأفراد بالأمور الخارجية عن واقعهم، تمايز غير واقعي، وإنما التمايز الواقعي بين الأفراد، إنما يكون بالأفكار والأعمال فحسب وحتى ذلك التمايز، يكون معنوياً واخروياً، لا يسمح بتطاول احد على أحد بسببه، ولا بتغير موقفه أمام الله أو النظام أو المجتمع.

فها هم الأغنياء والكبراء، واولئك هم الفقراء والضعفاء، يجوعون ـ جميعاً ـ في وقت واحد، ويشبعون ـ جميعاً ـ في وقت واحد، ويجمعهم شعوراً واحد، وحس مشترك، وطبيعة سارية فيتعبدون بامر عام من الله، فالله تعالى فوق الجميع، والجميع متساوون أمامه، وهذه الأموال المتراكمة المبعثرة، لا يتمتع بها أحد، ولو نفثة في «سيجارة» الا بإذن الله، لأن المال لله، يصرفه كيف يشاء، والجميع عباده.

وهكذا الصوم، يدع الفقير بشعور الغني، والغني يحس بإحساس الفقير، فيتعاطفان، ويتراحمان، على صعيد المساواة، لا على حساب السّيد والمسوِّد، والمعطي والسائل.

 

الصوم والعبادات:

فـ «الصوم» فريضة إسلامية، ومن طبيعة الإسلام: أن يخلع طابعه العام على جميع فرائضه وشعاراته، فهو يطيعها بالمساواة.

و«الصلاة» رأس العبادات وعمود الدين، تفرض على الجميع مع انطلاقة «التكبير» من المآذن والمدافع، فيقف الجميع، في وقت واحد ، في صفوف متساوية منسقة، متجهين إلى نقطة واحدة ـ هي الكعبة ـ.

و«الضرائب» الإسلامية ـ  المتمثلة في الخمس، والزكاة، والجزية، والخراج، والمقاسمة ـ تجبى من الجميع، بنسبة محدودة، عند توفر شرائطها، وتوزع على الجميع بنسبة محدوة، عند توفر شرائطها.

و(الحج) واجب عام يشمل كل من استطاع إليه سبيلاً، ويؤديه الجميع، في زيٍّ موحد، ويقفون في مواقف معينة، ويمارسون طقوس خاصة، ويهتفون بنداءات محدودة.

و(الجهاد) واجب عام يشمل كل من يطيق حمل السلاح ـ عند توفر شروطه ـ ولا يستثنى منه إلا فاقدوا الشروط.

و«الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر» واجبان عامان، يشملان كل من يشاهد معروفاً متروكاً، أو منكراً معمولاً، ويقدر على الأمر بالأول والنهي عن الثاني ـ مع توفر شروطهما ـ من غير فوق بين الشخصيات المسؤولة، وغير المسؤولة، ولا بين رجال الدين وغيرهم.

و«التولي» ـ لأولياء الله، و«التبرّي» ـ من أعداء الله ـ واجبان عامان، يشملان كافة المسلمين، بلا تمييز أو تفريق، بين أعظم الأفراد وأصغر الأفراد.

و«الصوم» هكذا، فهو يساوي بين الطبقات المتمايزة، على صعيد الجوع والعطش، فيعرف الغني ألم الفقير، ويعرف الفقير مساواته للغني.

وكذلك، يطبق الإسلام نظام المساواة العملية،  واضحة صريحة، معلناً: أن الحياة الصحيحة ـ على أتمّها ـ إنما تكون حين يتساوى الناس في الجوع والشبع، لا حينما يتفاضلون بالأموال.

 

الصوم والاشتراكية:

وهنا ينهض الشاب الطليعي، ليقول: إذن فالإسلام يدعو عن طريق الصوم، إلى المساواة التي ندعوا إليها عن طريق الاشتراكية.

غير أن الجواب، يأتي عفوّ القلم وجرئ الخاطر، فالفرق بين الصوم، الذي فرض لإشعار المساواة، وبين الاشتراكية الجائرة، التي فرضت لهدم الأسس الفطرية للاقتصاد الحر، كالفرق بين الرياضي الذي يحمل الأثقال ويقوم بأعنف الحركات وبين السجين الذي يرزح بين الأصفاد والأعمال الشاقة، كلاهما في الظاهر يتحمل الأعباء الثقال ولكنهما يختلفان في الأسلوب والهدف، أشد الاختلاف.

إنَّ الصوم يولد في الأفراد الشعور بالمساواة، حتى يندفعوا الى تلبية الوازع الداخلي، لرفع مستوى الفقير، كما إنَّ التعاليم الصحيحة تدفع الأجهزة المعوية إلى توزيع خلاصات الأغذية على العضلات بنسبة عادلة، بينما الاشتراكية تقطع هذا بالحديد والنار لتوفر على ذاك كما لو أردنا التسوية بين عضلات إنسان مترهل، فقطعنا اللحوم المنسدلة من البطن والأكفال لنلصقها بالمناكب والأعضاء.

إنَّ الفارق بين الطريقتين، ظاهر بيّن، يدق على المتحمسين المندفعين، الذين تعودوا: ألقاء النضرة السطحية على الحقائق، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التوغل، لإدراك كنة الأشياء.