قوة الأداء وبلاغة التعبير في أدب الإمام الحسن عليه السلام

alshirazi.net

 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

الإمام الحسن عليه السلام من قواعد الإشعاع الفكري، ومصادر الفكر الاسلامي، وقمم الحياة، التي استطالت حتى أحاطت بكل شيء، فلم يعزب عنه ما يعزب عن غير المعصومين، من قمم الوجود الذين يسمون «مفكرين» وشعراء الطبيعة، الذين يسمون «ادباء».

 

أُفق المعصوم:

فهو من اولئك الرجال الذين آثرهم الله بحاسة نفاذة تكتنه حقائق الاشياء، فلا تخفى عليهم خافية في الارض ولا في السماء انهم يرون ما يرى الناس ـ جميعاً ـ ويدركون ـ وحدهم ـ كنه ما يرون ومالا يرون، دون سائر الناس وعندما ينظرون إلى نجوم السماء، ورمال الصحراء، ومياه البحار، وأبراد الطبيعة، يشعرون بجمالها الآسر الخلاب، ويدركون صلتها ببقية عناصر الطبيعة وما وراء الطبيعة، من الأزل حتى الأبد.

فأدبه ليس تملقا لجمال، ولا ادعاءاً لجمال، وانما هو صرخات تنطلق من قلب عبقري، نفذ الى اغوار الاشياء، حتى عرف ما تباين منها، ثابتا على قاعدة واحدة، وما اختلف منها، نابعاً من أصل واحدٍ، وما تفرق منها مضموماً برباط واحد.

وبذلك الفكر الشامل، وهذا الادب العميق، خرج الى الناس يدوّي بصوته، ليلهم الأجيال هذا التناسق الجمالي، الذي يجمع الكون وما وراء الكون، في وحدةٍ متداعمةٍ، طرفاها الازل والابد، وابعادها كل ما خلق الله.

 

الأدب العظيم:

فأنى ضربت في أدب الامام الحسن عليه السلام، وجدته شاعراً بشيء جديدٍ، ومبشراً بشيء جديد وهو ذلك الرباط الخفي الشامل الذي يركز مظاهر الحياة والموت، على أصول ثابتهٍ، لا يجوز فيها القديم والجديد ولا الأول والأخير، ولا تراه لحظة يتغرغرـ مع الأدباء ـ بعرض عواطفه، أو وصف الأشياء، التي يدركها هو والناس سواء بسواءٍ، بل تراه ـ دائماً ـ يجهد لإيقاظ  حسٍ جديدٍ في الناس يطمئنهم إلى ان منظومات الكون، ليست حبات مسبحةٍ انفرطت بلا نظام، وانما هو منبثق عن الله في ابتدائه، ومرتبط به في دوامه، وعائد اليه في انتهائه، ولكنه لا ينجز هذا العمل الفلسفي الشعري العميق، بلهجة الفيلسوف النابه وإنما بنزعة الفنان العظيم، الذي يشترك عقله وقلبه وذوقه في تصميم كل أداءٍ، ليحيط بسامعه من عقله وقلبه وذوقه، فلا يترك فيه منفذاً  يتسلسل اليه غيره بغير رأيه.

واذا قدر لجميع العظماء أن يكونوا أدباء ـ على تباين ميادينهم الاجتماعية ومذاهبهم الفكرية ـ منذ داود، وسليمان، وأيوب، والمسيح، ومحمدٍ إلى سقراط، وافلاطون، وادوار، ونابليون، وهتلر فان الامام الحسن عليه السلام، يتميز ـ هو والقليل من الناس ـ بتفوق ظاهرٍ في كل ما قال أو كتب، فهو إمام في البلاغة، كما هو إمام في الدين، وفي كلامه اصالة الواقع، ووميض البروق، وهدير البراكين، ورخاء الاسحار وهينمات الانسام.

 

قوة و روعة:

لأن البيان الرفيع التام بلاحقه في الامام الحسن عليه السلام فضم قوة البيان الجاهلي الصافي المنبثق من الفطرة السليمة إلى روعة البيان الاسلامي المهذب، المنبثق من المنطق السليم، فجمع قوة البلاغة الجاهلية، إلى روعة البلاغة النبوية، فاقتطف من كل طارف وتليدٍ طريفاً، حتى اجتمعت فيه عناصر الأدب الرفيع، من الذوق المطبوع الذي ورثه من سلالته ومجتمعة، التي خاضها برباطةٍ وصمودٍ، والأزمات العصيبة التي لفته بعنف لا توجد في القواميس لفظة تعبر عنها بصدق وأمانة، والتطاحن الفكري الجبار، الذي عاشه بعقله في عهد الرسول صلى عليه وآله وسلم وبكل كيانه في أيامه وأيام أبيه أمير المؤمنين عليه السلام.

وهذه العناصر، صقلت المؤهلات الذاتية للامام الحسن عليه السلام فكانت الآلام التي انصبت عليه انصباباً، مبضعاً فجر معين البلاغة في قلبه، ولباقة الكلمة على لسانه، حتى اذا نطق ترقرقت المآسي من صميم قلبه على جر لسانه، فتدفقت البلاغة بانسياب تلقائي، يحكي كل ما في الواقع من حرارة، وفي الفكر من لوعة، ليهيمن على العقل والقلب والضمير فلا تجد إزاءه إلا أن تردد ما يقول بخشوع واستسلام، وإذا كتب انتزع من مهجة الأزل إلى ضمير الأبد قصة الدمع والدم والنار، فكتب على الورق، أوجاع قلبه ونحيب مجتمع تدافع في مهجته، فجرى يراعه بمداد من عصير الشمس، ليؤكد الحق الذي اطمأن اليه، فظل يدور معه حيثما دار، ويكافح الباطل الذي انقشع عنه، ليلاحقه أينما سار.

 

عمق الفكرة وفتنة التعبير:

وكلام الامام الحسن عليه السلام ـ جميعاً ـ ينصح بدلائل الشخصية النادرة، حتى كأن معانية خواطر قلبه، واحداث زمانه.

تتجسد على لسانه كلاماً، فيه من رنه الحق والجمال الخلوب، ما يطاول أبلغ الكلام بما هو أغنى وأجمل.

فكلمته المرتجلة، أقوى ما تكون الكلمة المرتجلة، من عمق الفكرة وفتنة التعبير، حتى لا تنطلق من فمه، الا لتمضي مثلاً  سائراً من بلدٍ الى بلدٍ، ومن جيل الى جيلٍ، وهل تقطعت الكلمة الجزلة، باروع من هذه الاقوال « ما رأيت ظالماً أشبه بمطلوم ٍ من الحاسد» و «السداد: دفع المنكر بالمعروف» و«المجد: ان تعطي في العزم، وتعفو عن الجرم» و «العقل حفظ كل ما استوعيته» و« القبور محلتنا، والقيامة موعدنا، والله عارضنا».

 

أروع الخطب:

وخطبيه، اروع ما تكون الخطبة، وخاصة عندما يعالج أزمة في اصحابه، او يقارع طغمة من اعدائه، أي في الموقف الذي تثور فيه عواطفه الجياشة، ويهيج خياله الوهاب، بالنقمة والتذمر فتعج فيها معان مفرقعة، تتتابع بقوةٍ كفرقعات المدافع، وصور حارة من لهيب قلبه، وأوار الاحداث حتى يأتي صلداً كالجلاميد، مزمجراً كالرعود، مشرقاً كالبروق.

وها هو يؤنب اهل الكوفة، على تفريطهم به في سبيل معاوية فيقول:

«... وايم الله، لا ترى امة محمدٍ خصباً، ما كانت ساد تهم وقادتهم في بني أمية، ولقد وجه الله اليكم فتنةً، لن تصدوا عنها حتى تهلكوا، لطاعتكم طواغيتكم الى شياطينكم، فعند الله احتسب ما مضى وما ينتظر، من سوء رغبتكم، وحيف حكمكم... ».

«... عرفت اهل الكوفة وتلونهم، ولا يصلح لي منهم ما كان فاسداً، إنهم لا رفاء لهم ولا ذمة، في قول ولا فعلٍ، انهم لمختلفون، ويقولون: إن قلوبهم معنا، وسيوفهم لمشهورة علينا».

«...أما والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلة ولا قلة، ولكن كنا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيب السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع وكنتم تتوجهون معنا، ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم الآن، ودنياكم أمام دينكم، وكنتم لنا وقد صرتم اليوم علينا، ثم أصبحتم تصدون قتيلين، قتيلاً بصفين تبكون عليهم وقتيلاً بالنهروان تطلبون بثارهم، فأما الباكي فخاذل واما الطالب فثائر...»

 

مواقف القوة:

ففي هذه المواقف، تبدو قوة الامام الحسن عليه السلام، في بلاغة الأداء وقوة التأثير، وتدرجه في إثارة شعور سامعيه، نحو ما يصبو اليه، وانك لتعجب من تخوة العاطفة، تثور حتى تتقطع، فاذا بعضها يزاحم بعضا في هياج رهيب، على مثل هذه الكلمات:

«...غرر تموني كما غررتم من كان من قبلي، مع أي إمام تقاتلون بعدي؟ مع الكافر الظالم، الذي لا يؤمن بالله ولا برسوله قط، ولا اظهر الاسلام هو وبنو أمية الا فرقاً من السيف، ولو لم يبق لبني أمية الا عجوز درداء، لبغت دين الله عوجاً، وهكذا قال رسول الله..».

ترى ما في أقوالهم هذه، من الذكاء الشهم، والأصالة في التفكير والتعبير، تتدفق فكرة ولحنا، لتفسر سبب حظوته بالقلوب، حتى «احبه الناس اكثر مما احبوا أباه».

 

خلود الكلمة:

ومن هنا كان تراث الإمام الحسن عليه السلام في ذروة ما خلفته الانسانية لروادها من نتاج الفكر والذوق، وان كان ما وصل الينا منه هو القليل، وما محته الرياح السافيات، هو الكثير الكثير ولكن هذا القليل، الذي انفلت من العصور المظلمة، التي كانت تتربص بكل بصيص من النور، يؤلف صفحة ً كاملةً، لشخصية فذةٍ، تبقى في التاريخ مشرقة كالشمس، تقية كالنجوم، خالدة كالأبد.

ورغم ان آثار الامام الحسن عليه السلام، منيت بإعراض بعضٍ وإنكار آخرين، فإنها كانت من القوة والجدارة، أن فرضت نفسها على الحياة والتاريخ، رغم كل ما منيت به من إعراض وإنكارٍ.