الإسلام والبناء الاجتماعي، الأسرة أم الفرد

alshirazi.net

 

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمداً وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

 

استهلال:

لعل من أكثر النقاط تعارضاً في مسألة اللبنة الأساسية في البناء الاجتماعي بين الإسلام والنظرة الغربية الحديثة تتمثل بالأسرة أو الفرد، ففي الوقت الذي يعتبر في الإسلام (الأسرة) الخلية الاجتماعية الأولى التي من خلالها يتم ترابط المجتمع وسلامته نجد الغرب ينظر إلى الفرد باعتباره الأساس في البناء والتكوين الاجتماعي.

وقد أثيرت هذه المسألة وبشكل كبير إبان كتابة الدستور العراقي وعلى الرغم من اختلاف الأيديولوجيات والأعراف بين الغرب والشرق المسلم وبخاصة العراق ذات الغالبية المحافظة إلا ان الكثير من الأصوات علت معلنة تبني الفكر الغربي وتطبيقاته في البناء الاجتماعي على الواقع العراقي وبصورة تكشف مدى التأثر بالأطروحة الغربية وطرح أصالة الإسلام ونظامه الاجتماعي إلا ان الظاهر لحد الآن تمسك الغالبية بالفكر الإسلامي الخلاق في اعتبار الأسرة المكون الأساس، ومن هنا يتضح مدى أهمية العمل من أجل تبلور النظام الاجتماعي الإسلامي بشكل حضاري والتعامل معه بصورة عاكسة لأهداف الإسلام في المحافظة على المجتمع الإسلامي المعاصر.

 

الإسلام والبناء الأسري:

أكاد أقطع جازماً بأهمية موضوع البحث في المرتكزات الإسلامية من خلال مئات النصوص الشرعية الباعثة نحو التكوين الأسري المتمثل بالزواج، بل ان المشرع العظيم قد اعتبره آية من آياته سبحانه قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الروم: 21 .

وفي السنة المطهرة نجد الحث على الزواج قد أخذ مأخذه من مجموعة المساحة الشرعية فعن باقر أهل البيت عليهم السلام قال: «ما بني بناءً في الإسلام أحب إلى الله عز وجل من التزويج» الوسائل، ج20، ص14.

كذلك نجد الأمر جلي في حديث صفوان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تزوجوا وزوجوا إلا فمن حظ امرئ مسلم إنفاق قيمة أبحة، وما من شيء أحب إلى الله عز وجل من بيت يعمر في الإسلام بالنكاح وما من شيء أبغض إلى الله عز وجل من بيت يخرب في الإسلام بالفرقة، يعني الطلاق» الوسائل، ج20، ص16.

 

الزواج الأول في تاريخ البشرية:

إضافة إلى البعث النظري المتجسد بالروايات الشريفة أوجد مؤسسوا الإسلام العظيم طرقاً عملية لتحقيق ذات الهدف وإن أعرض العرف اليوم عنها وللأسف الشديد ومن تلك الطرق مسألة التسامح في المهور، لتبدأ الحياة الزوجية بإطار من التعاون البنّاء بين الزوجين وبخاصة ان علمنا ان أول زواج بني في تاريخ البشرية كان بمهر معنوي لا مادي وهو زواج آدم من حواء عليهما السلام حيث أن صداق حواء كان متمثل بتعليم آدم إياها معالم دينها كما ينقل ذلك زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام ولطول الحديث اقتصرنا على مفاده هنا ان آدم عليه السلام خطب أمة الله حواء من الله سبحانه وسأل ربه عن رضاه بذلك قال: «رضاي أن تعلمها معالم دينها» الوسائل، ج20، ص13.

 

الإسلام والزواج المبكر:

من عظمة الإسلام إن رسوله الكريم صلى الله عليه وآله كان المصداق الأول لتعاليمه الشريفة فقد زوج بضعته الزهراء عليها السلام وعمرها تسع سنوات ليكون بذلك قدوة للمسلمين وهو القائل: «من سعادة الرجل أن لا تحيض ابنته في بيته» من لا يحضره الفقيه، ح3، ص472 .

كذلك عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام انه قال: «من سعادة المرء أن لا تطمث ابنته في بيته» الكافي، ج5، ص336 .

إذاً فيجب على المسلمين وبخاصة المتصدين منهم لنشر التعاليم الإسلامية إشاعة ثقافة الزواج الإسلامي وعلى وجه التحديد المبكر منه وترسيخه كقيمة فكرية واجتماعية كجزء أصيل من التراث الحضاري الإسلامي وفي هذا المرتكز نجد التباين الواضح بين الأيديولوجيتين الإسلامية والغربية.

 

الغرب والبناء الإجتماعي:

إن اعتبار الغرب للفرد المكون الأساس في المجتمع رتب آثار جُلة صبت سلبياتها عليه بأثر عميق في التمزق الأسري والتطرف الأخلاقي نتج ضعف أواصر الأسرة فليس للأب أي سلطة على ولده الذكور فضلاً عن الإناث، في الوقت الذي رافق ذلك الحرية المطلقة دون قيد أو شرط لهم الأمر الذي أخرج الغرب وبالصورة التي هو عليها الآن وبخاصة تفشي ظاهرة الزواج المتأخر نتيجة لتعقيدات الحياة الغربية وخلال الفترة الزمنية المتمثلة بين النضوج الجنسي وقرار الزواج وهي الفترة التي غالباً ما تكون في قمة الشهوة الجنسية تؤدي بالفرد إلى ارتكاب جرائم عدة من زنا واغتصاب وشذوذ وغيرها.. وبالتالي كثرة الإجهاض والأمراض الجنسية والنفسية المؤدية إلى تمزيق النسيج الاجتماعي.

رغم ما تقدم نجد اليوم الأبواق العالية معلنة الولاء الثقافي للغرب واستحواذه على مظاهر الإسلام وأبسط مثال لذلك اليوم الملابس التي تعتبر بحد ذاتها معيار معبر عن أصالة شعب أو تبعيته لغيره، ففي عصر ازدهار الحضارة الإسلامية وانتشار ثقافتها وتأثير غالبية الشعوب الأخرى بها نجد تأثيراتها في ملبس تلك الشعوب وما يزال أثرها واضح إلى يومنا هذا، فنظرة بسيطة إلى باكستان والهند وأفغانستان ينكشف الأمر كالشمس في خدر أمها، في الوقت الذي تركت فيه البلدان الإسلامية التراث الحضاري الإسلامي الذي أدخلت فيه تلك الشعوب الإسلام، لتتأثر اليوم بالملبس الغربي السائد بل حتى الأتكيت الغربي في تناول الطعام الذي أصبح المعبر عن الثقافة المعاصرة.

  

نداء استغاثة:

المسلمون اليوم وهم ثاني أكبر ديانة على وجه الأرض إذا ما أرادوا بعث حضارتهم وعزهم من جديد وإعلاء كلمة الله لابد لهم من الرجوع إلى التراث الاجتماعي الإسلامي الأصيل ونبذ التقاليد والأعراف الغربية، وإعادة الترتيب لنواحي الحياة العصرية باستمداد ذلك كم ينبوعه غير المسلوب بآراء الجهلاء وما أكثرهم عبر التاريخ فولدوا بذلك الانحراف ليجد المسلمون أنفسهم اليوم في حالة تبعية للثقافة والحضارة الغربية.

ولن يجد المسلمون ذلك النمير الصافي غير المشوب إلا عند المشرع الإسلامي العظيم المتمثل بالقرآن الكريم والسنة المطهرة لرسوله الكريم وآله الطاهرين الذين أبعد الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

والحمد لله رب العالمين.