عقيلة الطالبيين في مواجهة الطاغية عبيد الله بن زياد مواقف كاشفة عن عظيم الشخصية

 الاستاذ المرحوم الشيخ عبد الهادي الشهرستاني

الحمد لله كما ينبغي ان يحمد والصلاة والسلام على خير خلقه محمد واله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على اعدائهم اجمعين الى قيام يوم الدين.

يؤكِّد علماء النفس والتنمية الذاتية إنَّ صاحب الشخصية القوية متميِّز بصفاتٍ خاصَّةٍ في مقدمتها الهدوء وعدم الاضطراب والقدرة على السيطرة على الغضب والانفعالات النفسية، وهو امرٌ ضروري للتفكير الصائب واتباع السلوك السليم في المواقف لاسيما الصعبة والمصيرية، وهو معنى الشجاعة في حقيقتها.

كما وانَّ الإيمان بالمبادئ السامية الحميدة يعدُّ محرِّكاً أساسياً لأصحاب الشخصية القوية كونه باعثاً للتصرف الصحيح والانطلاق بثقة نحو الاهداف العليا المنشودة، وبالأخص ان اقترن بثقة عالية في النفس، تلك الثقة الناشئة من وضوح الرؤية للأحداث الجارية والوقائع السائدة، فهدوء الشخصية وعدم الاضطراب وانعدام الانفعالات النفسانية السلبية مع مصاحبة الثقة العالية بالنفس وتميُّز بثبات المبدأ صفات تورث القدرة العالية على تحمل المسؤولية مهما عظمت[1] وتكشف قوة الشخصية لمن تميَّز بها.

ومما لاشك فيه ان لكلِّ شخصٍ صفات تميزه عن غيره حيث الشخصية عبارة عن مجموعة من التصرفات الايجابية أو السلبية وطريقة تفكير تظهر من خلال التعامل مع الآخرين ومع النفس[2]، وتظهر صفات الشخصيات من خلال المواقف التي تصادفها، ومن خلال ردود الافعال، ومن خلال ملاحظة أسلوب الشخص وطريقة كلامه وحركات جسده مثل طريقة مشيه ونطقه وإجابته على الاسئلة الموجَّه اليه، وما يرتديه من ملابس وألوانها وغيرها ذلك عناصر داخلية في تحليل أي شخصية كما اثبت علماء النفس.

وعليه فحينما نتأمل في ما حكاه التاريخ من احداث وما نقله من وقائع يمكن للمفكر تحليل الشخصية التاريخية بدقة ومعرفة مدى قوتها من ضعفها وما تميزت به من صفات.

 ولأجل الوقوف على شخصية عظيمة كشخصية العقيلة زينب عليها السلام عبر تحليل واقعة تاريخية كواقعة دخولها مجلس طاغية كابن زياد لابد من بيان أولاً من هو ابن زياد لعنه الله وما تميز به مجلسه في قصر أمارة الكوفة.

قال ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة عبيد الله بن زياد: «هو عبيد الله بن زياد بن عبيد المعروف بابن زياد بن أبي سفيان ويقال له: زياد بن أبيه، و ابن سمية، أمير العراق بعد أبيه زياد، وقال ابن معين: ويقال له: عبيد الله ابن مرجانة - وهي أمه. وقال غيره: وكانت مجوسية».

وكما يقال ان الولد على سر أبيه، فقد ورث عبيد الله من أبيه زياد طغيانه وجرمه، فمن اجرام زياد بن أبيه أنّه دفن عبد الرحمن بن حسان بن محدوج العنزي الكوفي حياً لمحبته لأمير المؤمنين علي صلوات الله عليه وكان تابعياً ممن قدم مع حجر بن عدي رحمه الله إلى مرج عذراء فلما قتل حِجر  وأصحابه حمل عبد الرحمن إلى معاوية وكلمه بكلام أغلظ له فيه فبعثه إلى زياد وأمره بمعاقبته فدفنه حيا بقس الناطف»[3].

واستعمله معاوية بعد ان استلحقه بأبيه أبي سفيان، حيث رأى أن يستميل زياداً واستصفى مودته باستلحاقه فاتفقا على ذلك وأحضر الناس وحضر من يشهد لزياد وكان فيمن حضر أبو مريم السلولي فقال له معاوية: بم تشهد يا أبا مريم؟ فقال: أنا أشهد أن أبا سفيان حضر عندي وطلب مني بغياً، فقلت له: ليس عندي إلا سمية، فقال: ائتني بها على قذرها ووضرها فأتيته بها فخلا معها، ثم خرجت من عنده وإن ... ليقطران منيا؟! فقال له زياد: مهلا أبا مريم إنما بعثت شاهدا ولم تبعث شاتما. فاستلحقه معاوية وكان استلحاقه أول ما ردت به أحكام الشريعة علانية فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالولد للفراش وللعاهر بالحجر[4].

وبعد استلحاقه استعمله معاوية والياُ كما يقول الطبري: «... إنَّ معاوية استعمل زياداً على البصرة وخراسان وسجستان، ثم جمع له الهند والبحرين وعمان، وقدم البصرة في آخر شهر ربيع الآخر أو غرة جُمادي الاول سنة خمس...». وقال: «تولى البصرة فامعن بها قتلاً وبطشاً، وكان قد افتتح عمله بخطبته المشهورة التي سمِّيت بعد ذلك بالبتراء، لأنه لم يبدأها بالبسملة..».[5]

وكما ذكر الطبري قال ابن ابي الحديد في شرح النهج: أنه بعد ان ضمَّ إليه البصرة كان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام خلافة أمير المؤمنين علي عليه السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل وطرفهم وشردهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم.[6]

وكتب زياد بن أبيه إلى معاوية في حق الحضرميين أنهم على دين علي وعلى رأيه، فكتب إليه معاوية: اقتل كل من كان على دين علي ورأيه، فقتلهم ومثّل بهم.[7] وأراد زياد أن يعرض أهل الكوفة أجمعين على البراءة من الامام علي عليه السلام ولعنه وأن يقتل كل من امتنع من ذلك، ويخرب منزله، فضربه الله ذلك اليوم بالطاعون، فمات - لا رحمه الله - بعد ثلاثة أيام، وذلك في معاوية.[8]

هذه هي البيئة التي نشأ بها عبيد الله بن زياد وتأثر بها ولا يخفى أن جميع أنواع التنشئة الأسرية والاجتماعية في المنزل والمجتمع العام يؤثر كثيراً في البناء التكوينيّ للشخصيّة الإنسانيّة، وتظهر هذه العوامل بأشكال كثيرة كالأعراف والتقاليد والقيم والمعتقدات الدينيّة، فتختلف سمات الأفراد وشخصياتهم بالتفاعل المتبادل مع هذه البيئة، ويظهر ذلك جلياً بما استغله ابن زياد من سمعة ابيه زياد الّذي اوجد في نفوس المسلمين في مدن وولايات عديدة جواً من الارهاب والخوف فاستغله الابن في الهيمنة والسيطرة على الكوفيين بل زاد على اجرام أبيه فتعاظم الخوف أكثر وأشتد.

أمّا مجلسه فقد كان أشبه بمجالس الأكاسرة حيث ان نشأته في بلد فارس زمن ابيه زياد أثَّرت فيه كثيراً، وقد ذكر التاريخ: «ان لسانه كان به عجمة وإنما أتى عبيد الله بن زياد في ذلك أنّه نشأ في الأساورة عند شيرويه الاسواري، زوج أمّه مرجانة، وقد كان في آل زياد غير واحد يُسمَّى شيرويه»[9]، لذا فكان يضفي على مجلس أمارته هالة عظيمة على غرار سائر الطغاة والملوك الأكاسرة والفراعنة بعيداً عن بساطة الاسلام وطريقة حكمه.

كل ذلك كان انعكاسه على من يدخل الى مجلسه واضحاً ويستغل ابن زياد ذلك في استحكام ملكه وحكمه، بل كان يهيئ بعض الامور الخاصة بكل مجلس فمثلاً قُبيل دخول سبايا أهل البيت عليهم السلام الى مجلسه أمر فأدخلوا الرؤوس فوضع رأس الإمام الحسين عليه السلام أمامه ومسك قضيباً وأخذ يعبث بثنايا الرأس الشريف في محاولة منه للإهانة والاستخفاف كما ينقل أبو مخنف قال: «لما قتل الحسين جيء برؤوس من قتل معه من أهل بيته وأصحابه الى ابن زياد، فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً وصاحبهم قيس بن الاشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأساً وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن، وجاءت بنو تميم بسبعة عشر رأساً وجاءت بنو اسد بستة عشر رأساً، وجاءت مذحج بسبعة رؤس، وجاء ساير قيس بتسعة أرؤس.

قالوا: وجعل ابن زياد ينكت بين ثنيتي الحسين بالقضيب، فقال له زيد بن أرقم: أعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين فوالله لقد رأيت شفتي رسول الله عليهما يقبلهما..».

وكذا نُقل أن أنس بن مالك قال: «لمّا قُتلَ الحسينُ جيء برأسه إلى عُبيد الله ابن زياد، فجعل ينكثُ بقضيبٍ على ثناياه، وقال: إنْ كانَ لحسنَ الثغر، فقلتُ: أما واللهِ لأسوأنّك ، لقد رأيتُ رسول الله صلّى الله عليه واَله وسلّم يقبّل موضع قضيبك من فيه»[10].

ونقل العلامة المجلسي في البحار قائلاً: روى ابن نما قال: روى أن أنس ابن مالك قال شهدت عبيد الله بن زياد ينكث بقضيب على أسنان الحسين عليه السلام ويقول أنه كان حسن الثغر، فقلت: أمَ والله لأسوئَنّك لقد رأيت رسول الله يُقبّل موضع قضيبك من فيه، وعن سعيد بن معاذ وعمر بن سهل انهما حضرا عبيد الله ورأوا كيف يضرب بقضيبه أنف الحسين وعينيه ويطعن في فمه، وقال زيد بن أرقم لعبيد الله: ارفع قضيبك إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله واضعاً شفتيه على موضع قضيبك ثم انتحب باكياً، فقال عبيد الله: أبكى الله عينك عدو الله لولا انك شيخ قد خَرَفتَ وذهب عقلك لضربت عنقك، فقال زيد: لأحدثنك حديثاً هو أغلظ عليك من هذا: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله أقعد حسناً على فخذه الأيمن وحسيناً على فخذه الأيسر ووضع يده على يافوخ كل واحد منهما وقال: اللهم إني أستودعك إياهما وصالح المؤمنين فكيف كان وديعتك لرسول الله صلى الله عليه وآله[11].

فاتضح للقارئ الكريم كيف كان عبيد الله بن مرجانه يهيئ مجلسه بما تؤثر هيئته بالداخل لإضعاف خصومه ومن الشواهد على ذلك ما ذكره التاريخ من ان ابن زياد لعنه الله لما أحضر السبايا في مجلسه أمر بإحضار المختار بن أبي عبيدة الثقفي[12] رضوان الله عليه وكان محبوساً عنده من يوم الذي قتل فيه مسلم بن عقيل رضوان الله عليه، فلما رأى المختار هيئة منكرة وحرائر رسول الله صلى الله عليه وآله في مجلس ابن زياد وبتلك الحالة التي يرثى لها زفر زفرة شديدة وجرى بينه وبين ابن زياد كلام أغلظ فيه المختار فغضب ابن زياد وأرجعه إلى الحبس، ويقال ضربه بالسوط على عينه فذهبت.

 لكن كل ذلك هل يؤثر في ان يوهن أو يضعف من شخصية قوية كشخصية زينب الكبرى عليها السلام فتذهل عن أداء المهمّة بدقة فتفضح الطغاة وتصلح أمر المسلمين وتبيّن الحق؟ للإجابة لابدَّ من البحث في جانبين:

الأول: في كيفية سلوك السيدة زينب عليها السلام حال دخولها مجلس الطاغية ابن زياد لعنه الله كما ورد في المصادر التاريخية.

الثاني: الحوار الذي دار بين السيدة زينب عليها السلام والطاغية وهو في أبهة[13] عرشه وطغيانه ونشوة انتصاره الظاهري على معسكر الحق الحسيني.

أمّا الجانب الأول: فقد نقل الشيخ المفيد رحمه الله: «وأُدخل عيال الحسين عليه السلام على ابن زياد، فدخلت زينب أخت الحسين في جملتهم وهي متنكرة وعليها أرذل ثيابها، فمضت حتى جلست ناحية من القصر وحفت بها إماؤها»[14].

عبارة الشيخ واضحة في ان عقيلة الطالبيين عليها السلام أثناء دخولها رغم كونها أسيرة مسبية إلا ان شخصيتها كانت متميزة وهادئة غير مضطربة تسير بثقة عالية ودقة في اختيار المكان الذي ستجلس فيه وهو ناحية جانبية من القصر وليس أمام الطاغية كما هو المفروض في هكذا موقف لينظر الطاغية فيما سيفعله بالأسرة إلا ن تصرفها هذا فوت عليه لحظة تشفّي ومظهر انتصار، الأمر الذي لفت نظر الطاغية لهذا التصرف فسأل من تكون هذه المرأة، كما ورد في تاريخ الحادثة حيث قال الشيخ المفيد رحمه الله: «فقال أبن زياد: مَن هذه الّتي انحازت ناحيةً ومعها نساؤها؟ فلم تجبه زينب، فأعاد ثانية وثالثة يسأل عنها، فقال له بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله، فأقبل عليها ابن زياد وقال لها ...»[15].

 فنلحظ أنَّ ابن زياد اكتشف تميز السيدة وقوة شخصياتها ومما زاد من وضوح الصورة عدم اجابتها على سؤاله رغم انه لم يوجّه السؤال مباشرة اليها محاولة منه للتقليل من شأنها إلا ان الثقة بالنفس التي تميزت به سلام الله عليها حداها ان لا تجبه احتقاراً وازدراءً لشأنه وبذلك استصغرت قدره وعكست الامر فحاول اللعين الانتصار عبر الحوار، وهذا يمثِّل الجانب الثاني من التحليل الّذي نحن بصدد حيث يكمل الشيخ المفيد وغيره من المؤرخين واصحاب المقاتل فقد ورد فيها: «.. فأقبل عليها ابن زياد وقال لها: الحمدُ لله الذي فَضَحكُم وقَتَلَكُم وَأَكذَب أحدُوثَتكُم[16]؟

فقالت زينب عليها السلام: الحَمدُ للهِ الّذي أَكْرَمَنا بِنَبِيهِ مُحَمَدٍ صلى الله عليه وَالِهِ وَطهرنا من الرِجس ِتَطْهِيراً، وإنَّما يُفتَضَحُ الفَاسِقُ ويَكذبُ الفاجرُ، وهو غيرنا والحمد لله.

فقال ابن زياد: كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟

قالت: كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى‏ مَضَاجِعِهِمْ، وسَيَجمعُ اللهُ بينك وبينهم فتحاجّون إليه وتختصمون عنده»[17].

 وفي مقتل الإمام الحسين عليه السلام لابن طاووس أجابت سلام الله عليها: «ما رأيت إلا جميلاً أولئك قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم وتختصمون عنده وستعلم لمن الفلج ثكلتك أمك يا ابن مرجانة».[18]

 

بيان:

ابتداء لابد من ملاحظة ان ابن زياد وقبل دخول موكب السبايا القصر اصدر إذن عاماً للناس بحضور المجلس قال السيد ابن طاووس وغيره: «..ثمّ ان ابن زياد جلس في القصر للناس وأذن إذناً عامّاً وجيء برأس الحسين عليه السلام فوضع بين يديه وأدخل نساء الحسين عليه السلام وصبيانه إليه ..»[19]، الأمر المبيّن ان الطاغية كان يحاول إعلامياً الانتصار فكان الحديث مع السيدة زينب عليها السلام بمرأة ومسمع عامّة الناس، ومن خلال تحليل النص المتقدّم نلاحظ:

أولاً: محاولة الطاغية ابن زياد إضفاء الشرعية على جرائمه في كربلاء وقتله لسيد الشهداء عليه السلام عبر بيان ان ذلك كان بأمر من الله تعالى وان الله عزّ وجل هو من قتل الإمام الحسين عليه السلام كونه خارج على الشرعية الإسلامية، ولا تخفى كذلك محاولته لتكريس مذهب الجبر الّي أسسه معاوية بغية إضفاء الشرعية على حكمه، فكلام ابن زياد واضح من هذا المنطلق[20].

وكذا محاولته إلصاق تهم الكذب والبدع والافتراء بالإمام الحسين عليه السلام، إلا ان محاولاته هذه باءت بالفشل حيث تصدّت بطلة كربلاء السيدة زينب عليها السلام له وعبر الأدلة الشرعية ففندت ادعاءه وتهمه حيث بينت ان أهل البيت معصومون مطهرون بنص القرآن الكريم ومن شهد له القرآن لا يمكن إلا ان يكون صادقاً واقعاً قال الله تبارك تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)[21]، كما وبينت سلام الله عليها ان الجهاد الحسيني نابع من صميم كتاب الله وبأمر من الله تبارك وتعالى حيث قال: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى‏ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)[22]، وقوله عزّ وجلّ: (كُتِبَ عَلَيْهِمُ) واضحٌ في الدلالة على المطلوب.

ثانياً: إخبارها سام الله عليها معلنةً أمام عامّة الناس إن الله تعالى في القريب العاجل[23] سيعقد محاكمة بين الإمام الحسين عليه السلام وقتلته لاسيما ابن زياد يقدّم كل خصم فيها دليله، كما وأنها بينت ان النتيجة هي الخسران وجهنم المصير لبن زياد وحزبه.

ثالثاً: ما ورد في عبارة اللهوف من إجابة السيدة زينب عليها السلام: «ما رأيت إلا جميلاً» كاشف عن الروح الإيجابية والتفاؤل والثقة العالية بالنفس وهي من ابرز مقومات قوة الشخصية بل هي عبارات دالة على الانتصار لا الخسارة.

ولذا نجد أن الطاغية غضب بل استشاط غضباً حيث أن النص التاريخي يقول: «فغضب ابن زياد واستشاط»[24]، وفي عبارة اللهوف: «فغضب ابن زياد وكأنه همّ بها»[25]، أي بقتلها وهنا تدخل عمر بن حريث مبيناً انها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشئ من منطقها ولا تذمّ على خطابها، ولعل ابن حريث وهو أحد جلاوزة ابن زياد نظر إلى وجوه المجلس قد تغيَّرت على ابن مرجانة وأيقن إن عملاً من هذا النوع سيلهب المشاعر لا سيما وان النفوس قد أصبحت مشحونة بالحقد والكراهية ومهيّأة للانفجار بين الحين والآخر لما حلّ بالإمام الحسين عليه السلام وبنيه وأصحابه فقام عمرو وحال بين ابن مرجانة وما أراد، إلا ان ابن مرجانه وبعد خسارته في الحوار وفضحه أمام عامّة الناس وفشل إعلامه لم يبق له إلا التشفي فقط وهو أمر خلاف الاخلاق النبيلة والمروة الإنسانية وفاعله موضع استهجان لذا تركت له السيدة زينب عليها السلام ان يتشفى فقد ورد أن ابن زياد قال بعد ذلك للسيدة زينب عليه السلام: «لقد شفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة من أهل بيتك.

فرقت زينب عليها السلام وبكت وقالت له: لعمري لقد قتلت كهلي، وأبدت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت»[26].

  

موقفٌ شامخ أنقذ الإمامة الإلهية

 تعددت مواقف العظمة في المسيرة الخالدة للسيدة العقيلة عليها السلام الأمر المبيّن لرسوخ الإيمان ووضوح الرؤية للواقع والاحداث الجارية والتصميم الكبير على بلوغ الهدف مهما كانت التضحيات والنتائج، الأمر الكاشف عن ندرة هكذا شخصية في التاريخ، فمواقف تتلوها مواقف كاشفة عن قداسة الشخصية المجاهدة وسمو أهدافها وغاياتها.

ومن المواقف العظيمة الشامخة للسيدة العقيلة عليها السلام تدخلها الفوري والسريع للحيلولة دون قتل الإمام السجّاد عليه السلام حينما أمر بذلك الطاغية ابن زياد لعنه الله، حيث ورد في التاريخ إنّ الطاغية حينما خسر الجولة الإعلامية والفكرية وامتلأ غيضاً في حواره مع السيدة زينب الكبرى عليها السلام توجه الى الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام وكرر نفس العبارات وسأل عن اسمه فقيل له: (اسمه علي بن الحسين) فقال (إن علي بن الحسين قتل في كربلاء) فرد عليه الإمام قائلاً «قد كان لي أخ يسمى علياً قتله الناس» فقال له بلهجة شديدة «لا...قتله الله» فأجابه الإمام عليه السلام بهذه الآية الكريمة: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)[27].

فعند ذلك امتلأ غيظاً وقال: (ألك جرأة أن ترد علي) فهنا أمر بقتل الإمام عليه السلام وقال أضربوا عنقه. فنهضت زينب عليها السلام من مكانها وطوقت يديها حول عنق الإمام وقالت (يا ابن زياد حسبك ودمائنا .. والله لا أفارقه فإن قتلته فاقتلني معه) فعندما رأى ابن زياد هذه الحالة قال: (والله أرى هذه المرآة مستعدة لتودي بحياتها حتى تحفظ ابن أخيها). فعدل عن قتله، وبموقفها هذا تمكنت العقيلة من أن تحفظ الإمام عليه السلام.

وهنا يورد بعض المؤرخين أن زينب عليها السلام عندما كانت  تخاطب ابن مرجانه قال الإمام عليه السلام لها : «اسكتي يا عمه حتى اكلّمه» فخاطب عليه السلام ابن زياد قائلاً: «أبالقتل تهددني؟ أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة»[28].

ونستنتج من خطبة العقيلة زينب عليها السلام عند دخولها مشارف الكوفة وكذلك في مجلس ابن زياد والمحاورات التي دارت بين آل الرسول صلى الله عليه وآله وأهل الكوفة قد هزت مشاعر الناس وأيقضتهم وكشفت الحقائق وأظهرت زيف وأكاذيب يزيد وأضاليله بين الناس وما اقترف أعوانه من جرائم تندى لها جبين البشرية جمعاء وعرفوا حقيقة نهضة الإمام الحسين عليه السلام وقيامه وهنا ثُبِّتت فاجعة الطف ودُوِّنت في التاريخ ومنعتها من الانحراف الذي أراد بنو أمية انحرافها وإظهارها بشكل معكوس فارتدّ الناس على ابن مرجانه وابن ميسون وكان هذا سبباً لقيام الثورات بعد وقت قصير كثورة المختار بن أبي عبيدة الثقفي.

والحمد لله رب العالمين.

 

[1] ـ عظُم الأمرُ عليه: صَعُب وشقَّ.

[2] ـ يوصف مفهوم الشخصية بمجموعة السمات التي تكوّن شخصية الأفراد، وهذه السمات تختلف من شخص إلى آخر، حيث يتفرّد كلّ شخص بصفات تميّزه عن غيره، ويندرج تحت مصطلح الشخصية في العادة مفهومان أو معنيان وهما: المهارات الاجتماعية والتفاعلية مع البيئة الخارجيّة، كما تشترك الكثير من العلوم في دراسة مكنونات الشخصية الإنسانية وما وراءها بمنظور علمي ومتخصص من أهمها: علم النفس وعلم الاجتماع، وعلم الطب النفسي. انظر: أحمد عبد الخالق (1987)، الأبعاد الأساسية للشخصية، الطبعة الرابعة، الإسكندرية: دار المعرفة الاجتماعية، صفحة 29. ومعمري أحمد، حملاوي رضوان، بولال مبروك، كفاءة أستاذ التربية البدنية والرياضية وأثرها على أدائه المهني، صفحة 9-12.

[3] ـ تاريخ دمشق ج: ٣٤ / ص: ٣٠١.

[4] ـ الكامل في التاريخ ج: ٣ / ص: ٤٤٤.

[5] ـ الطبري، طبع دار الفكر 6 /105.

[6] ـ شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد  ج: ١١، ص٤٤.

[7] ـ بحار الأنوار ج: ٤٤ / ص: ١٢٦.

[8] ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج: ٤ / ص: ٥٨.

[9] ـ  البيان والتبيين، طبع دار المكتبة العلمية 1 ص 41.

[10] ـ مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور ( 7/ 151 ) .

[11] ـ مثير الاحزان، ابن نما الحلي، ص91. وعنه في البحار، ج45، ص118.

[12] ـ كنيته ابو اسحاق، وهو ابن عم والد ليلى والدة السيد علي الاكبر عليه السلام، ولد في مدينة الطائف عام الهجرة المباركة، ولما بلغ الثالثة عشر شارك مع أبيه في وقعة قس الناطف[12] فنشأ مقداماً شجاعاً ذا عقل وافر وجواب حاضر وصفات مجيدة من كرم وسخاء وفطرة سليمة تدرك الاشياء بفراستها.

أدرك مبكراً المخاطر الاموية على الاسلام لاسيما وكان شاهداً على مظلومية اهل بيت العصمة والطهارة المتتالية، حتى بلغ بهم الامر قتل ريحانة رسول الله وسيد شباب اهل الجنة الإمام الحسين عليه السلام والكوكبة الطيبة الطاهرة من اهل بيته الاطهار صلوات الله عليهم وصحبه الابرار رضوان الله عليهم، فانتفض لأخذ ثأرهم والقِصاص من قتلتهم في الرابع عشر من شهر ربيع الثاني عام 66 من الهجرة الشريفة، واسس دولته في مدينة الكوفة.

[13] ـ أبَّهَةٌ: العظَمَةُ والرُّواء، ويعِيشُ فِي أُبَّهَةٍ: فِي كِبْرٍ، وفي الحديث: «كم من ذي أُبَّهة قد جعلته حقيرًا».

[14] ـ الارشاد، ج2، ص114.

[15] ـ نفس المصدر والجزء والصفحة.

[16] ـ تصغير حدث، وحَدَثَ الشيءُ يَحْدُثُ حُدُوثاً وحَداثةً ، وأَحْدَثه هو ، فهو مُحْدَثٌ وحَديث، والحُدُوثُ: كونُ شيء لم يكن. ومُحْدَثاتُ الأُمور : ما ابتدَعه أَهلُ الأَهْواء من الأَشياء. لسان العرب، مادة: حدث. 

[17] ـ نفس المصدر، ص115.

[18] ـ اللهوف، ص94.

[19] ـ اللهوف، ص93.

[20] ـ الجبر: هو الحمل على الفعل والاضطرار إليه بالقهر والغلبة، وحقيقة ذلك إيجاد الفعل في الخلق من غير أن يكون لهم قدرة على دفعه والامتناع من وجوده فيه، وقد يعبر عما يفعله الإنسان بالقدرة التي معه على وجه الاكراه له على التخويف والإلجاء أنه جبر والأصل فيه ما فعل من غير قدرة على امتناعه منه.

ومذهب الجبر هو قول من يزعم:  إن الله تعالى خلق في العبد الطاعة من غير أن يكون للعبد قدرة على ضدها والامتناع منها، وخلق فيه المعصية كذلك، فهم المجبرة حقا والجبر مذهبهم.

ويقابل مذهب الجبر مذهب التفويض، وهو القول برفع الحظر عن الخلق في الأفعال والاباحة لهم مع ما شاءوا من الأعمال، وهذا قول الزنادقة وأصحاب الإباحات.

 والواسطة بين هذين القولين أن الله تعالى أقدر الخلق على أفعالهم ومكنهم من أعمالهم، وحد لهم الحدود في ذلك، ورسم لهم الرسوم ونهاهم عن القبائح بالزجر والتخويف، والوعد والوعيد، فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبرا لهم عليها، ولم يفوّض إليهم الأعمال لمنعهم من أكثرها، ووضع الحدود لهم فيها وأمرهم بحسنها ونهاهم عن قبيحها. فهذا هو الفصل بين الجبر والتفويض على ما بيناه. انظر تصحيح اعتقادات الإمامية، الشيخ المفيد، تحقيق حسين دركاهي، دار المفيد للطباعة والنشر، بيروت ـ لبنان، الطبعة الثالثة، 1414 هجرية، ص47.

[21] ـ سورة الأحزاب، الآية: 33.

[22] ـ سورة آل عمران، الآية: 154.

[23] ـ وذلك انها سلام الله عليها استعملت حرف السين بقولها: «وسَيَجمعُ اللهُ بينك وبينهم فتحاجّون إليه وتختصمون عنده»، ولم تستعمل سوف، ومن المعرةف انها للمستقبل البعيد والسين للقريب العاجل كما في علم النحو ثابتٌ.

[24] ـ الأرشاد، ص115.

[25] ـ اللهوف، ص94.

[26] ـ الارشاد، ص115.

[27] ـ الزمر: 42.

[28] ـ أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت ـ لبنان، ج1، ص614.