المدرسة الشيرازية والدعوة إلى التعايش الإنساني

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين بارئ الخلاق أجمعين وبه نستعين والصلاة على خير خلق الله محمد واله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائم على أعدائهم أجمعين من الآن الى قيام يوم الدين.

لقد تميزت المدرسة الشيرازية في الدعوة إلى التعايش، وقد نظر قادتها لذلك وشرحوا التفاصيل ووضعوا النقاط على الحروف، وقد كتب الأستاذ نبيل نعمة الجابري عن ذلك قائلاً: تبقى أزمة الصدام التي تعيشها المجتمعات والأمم والحضارات حاضرة في وقت ومثيرة للحروب والفتن والكراهة ونزعات الانتقام والتأثر، فقد تعلم الإنسان كيف يحارب أخاه لكنه لم يتعلم كثيراً كيف يتعايش معه في إطار مشترك قائم على إدارة المصالح المشتركة بأساليب سلمية، فكيف يمكن تعلم تحقيق العيش المشترك بعيداً عن لغة الصدام والكراهية؟

في ذلك يقول الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي: «ان الفكرة توجه الإنسان وتقوم منه، ولكن للمصلحة فعاليتها .. وإذا تصارعت الفكرة والمصلحة الأقوى منهما يقرر مصير الإنسان التي تصارعا عليه فمن كانت إرادته قوية، يشجع الفكرة على الانتصار، ومن كانت إرادته ضعيفة تنتصر فيه المصلحة على الفكرة».

ويؤكد رحمه الله: وهو صاحب النهضة الفكرية والاجتماعية والأخلاقية التي شملت أغلب مناحي الحياة على رفضه المطلق لكل أساليب العنف والإرهاب، وضرورة التعايش الإنساني بين بني البشر في العالم الإنساني كافة، دونما تمييز بين دولة وأخرى وبين مذهب وآخر أو بين طائفة وغيرها .. حيث يرى إن الإسلام دين يعمل على نشر الأمن والأمان والسلم والسلام في العالم دون استثناء، وانه دين يحرم الظلم والإرهاب، والغدر والاغتيال، ويحارب كل ما يؤدي الى الذعر والخوف والرعب والاضطراب بين الناس الآمنين حيث يستنتج رحمه الله في ذلك الشأن. (ان المجتمع الذي تكثر فيه حالة الظلم، لابد وان تكثر فيه الاضطرابات المختلفة وحالة عدم الاستقرار، وتترتب عليه الآثار وخيمة جداً في نفوس أبناء المجتمع).

 وان الحل يكمن في تحريم انتهاك حقوق الإنسان وقمع أصحاب الفكر المخالف، واعتقال الكتّاب والمثقفين والباحثين وإشاعة الرعب والإرهاب التي لا تعد من مصاديق التعايش.

 

الأساس في صلاح المجتمع:

التعايش في المفهوم الإسلامي يستند على وجود أرضية مشتركة بين الأطراف والبحث عن الحقيقة الموجودة في ثنايا المفاهيم والمصطلحات، وقد أكدت روايات أهل البيت عليهم السلام، في التعايش، إذ يقول الإمام الباقر عليه السلام: «صلاح شأن الناس التعايش»، وإن شخصاً دعا بحضور الإمام السجاد عليه السلام قائلاً: اللهم أغنني عن خلقك، فلما سمع الإمام  كلامه ردّ عليه قائلاً: «ليس هكذا الناس بالناس، ولكن قل: اللهم اغنني عن شرار خلقك»، وقد قال رسول الله صلى الله عليه واله من قبل: «رأس العقل بعد الدين التودد الى الناس، واصطناع الخير الى كل أحد بر وفاجر».

 

التعايش يعني لا حدود مصطنعة:

ولأن مفهوم التعايش الاجتماعي يمثل مبادئ تخدم مصلحة الإسلام من ناحيتين: الأولى: تمكينه من الانتشار، والثانية حماية حقوق الأقليات المسلمة في جميع أنحاء العالم من جهة أخرى فقد دعا الإمام الشيرازي الى حكومة واحدة وأمة واحدة لا تحدها حدود ولا يفصل بينها فاصل والجامع بينها يكون الالتزام بما أمرنا الله به سبحانه وتعالى إذ لا فارق بين اسود وابيض أو غني و فقير فالكل سواسية والفارق يكون بالتقوى، حيث يقول: «وقد رأيت أنا آثاراً من الظواهر الإنسانية التي أمر بها القرآن وترمي لتحقيق أسرة واحدة قبل ستين سنة، حيث لم تكن بين العراق وبين سائر البلاد الإسلامية حدود جغرافية مصطنعة كما هي موجودة اليوم».

فتوحيد بلاد المسلمين بأسس مبنية على التعايش السلمي كمفهوم اجتماعي لا سياسي من أجل أن تنصهر هذه الدول في دولة واحدة هو ما يصبو اليه الإسلام في وقتنا الحاضر لا العمل على أسلمة الشعوب أو السعي في اتجاه الفتوحات التي أثبتت فشلها كونها اعتمدت على السيف في نشر الإسلام ولنا في الدولة الإسلامية التي تكونت في زمن الرسول الأعظم صلى الله عليه واله والأئمة الأطهار عليهم السلام المثال الذي نهتدي به اليوم في طريقة فهمنا للإنسانية.

 

التعايش في ميثاق الأمم المتحدة:

وقد أكد ميثاق الأمم المتحدة الصادر عنها على ضرورة ام يتمثل التعايش في أن «يكون الحوار فيما بين الأفراد او الجماعات أو الدول حوار الند للند، أي حوار بين متساويين، وأن يعلو الحوار فوق أية تعصبات أو أية أفكار مسبقة عن الآخر».

وهذه الفكرة تؤكد على الموضوعية العلمية التي طالما ذكرها الإمام الشيرازي حرصاً منه على بث مثل هذه الثقافة إذ يقول: «إن من أهم أسباب الأزمة التي نعانيها تتخلص في انعدام الحوار على اعتبار انه إحدى أهم مسؤولياتنا هي قراءة واقع الأمة والمجتمع ووضع الخطط اللازمة لنقلها الى حالات التطور والتقدم ولا يأتي ذلك الا عبر المزيد من الحوار والنقاش الهادئ بين مختلف الأطراف والتيارات الواعية ومن يمثلها حيث ان الاستبداد الفكري قرين الاستبداد السياسي وهما معا من نتائج التخلف ومن أسبابه حقاً فلا بد من فتح باب الحوار الفكري مع الثقافات الأخرى على أساس من الشعور بالعزة والاستقلال».

إن الدعوة الى الحوار والنقاش عند الإمام الشيرازي ليس معناه التنازل عن المبادئ الإسلامية استمالة لجهة من الجهات فإن هذا مرفوض ويعد من المداهنة المنهى عنها، وبذلك يكون الاستماع الى الآخر والحوار معه والاعتراف بحقوقه والعمل معه من أهم العوامل التي تؤدي الى بناء النظام المكون للدول التي تتعدد فيها الأطياف والمكونات الاجتماعية.

 

التعايش والتسامح:

كما يمثل التعايش في (الاستعداد لممارسة التسامح مع الآخر وقبول الآراء المضادة، بشرط التجنب الصارم لأن يتدهور ذلك التسامح الى علاقات مهينة بين متسامح يعتقد أنه الأعلى والأفضل وآخر تفرض عليه المكانة الأدنى ويشار إليه بإصبع الاتهام والريبة)، وقد تطرق السيد الشيرازي الى هذا المبدأ قائلاً: (المطلوب انتهاج لغة الحوار الموضوعي في نقاط الخلاف الفكري والعقائدي والعملي، وليس لغة العنف والفرض والاكراه).

 

التعايش وتمثل العدالة:

كما يتمثل أيضاً في أن (تكون لغة العدالة وموازينها الصارمة هي الحكم الذي يحتكم إليه في القناش وفي الوصول الى نتائج يقبلها الجميع)، فالعدالة تساهم في بناء عالم يتعايش فيه الناس بسلام وبتفاهم معقول، لذلك نجد ان اغلب الدول الدكتاتورية والتي تنعدم فيها العدالة يكون فيها التعايش معدوماً تقريباً فلا مكان للحوار ولا مكان لفهم الآخر المتوافق، فما بالك في الفرد المخالف.

فكل انسان يتعامل مع نفسه من خلال تعامله مع الآخرين مهما حاول التظاهر بغير ذلك، ويكشف عن هذه الحقيقة بوضوح أنه لا يشعر بالتناقض بين نفسه وبين الآخر إلا ويبتعد عنهم استعداداً للهجوم عليهم والثأر منهم وانه لا يشعر بأن عدواً من أعدائه التاريخيين يساعده في تأمين شيء من هدفه وإلا ويقلب الصفحة معه ويتعلق به وكأنه ولي حميم وهذه هي مصاديق التعايش مع الآخرين.[1]

 ------------------------------------------------------------

[1] ـ نبيل نعمة الجابري: كيف نعيش مع الآخرين.