الشهيد البطل عمار بن سلامة الهمداني 

من صحبة الرسول صلى الله عليه واله وحتى الشهادة في طف كربلاء

alshirazi.net

الشيخ عدي طالب آل حمود

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين بارئ الخلاق أجمعين وبه نستعين والصلاة على خير خلق الله محمد واله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائم على أعدائهم أجمعين من الآن الى قيام يوم الدين.

امتازت النهضة الخالدة المباركة لسيد الشهداء عليه السلام بصفحات مشرقة عبر مواقف ابطال عقمت الامهات ان تلد نظيرهم، وفي هذه السلسلة من المقالات حول شهداء انصار سيد شباب أهل الجنة التي أكتبها بمناسبة شهر محرم الحرام محاولاً ابراز المواقف الخالدة المشرفة المسفرة عن الايمان الصلد التي تحلى به انصار سيد الشهداء عليه السلام ومنهم الصحابي الشهيد عمار بن أبي أسامة الدالاني الهمداني الذي أدرك النبي صلى الله عليه وآله وصحب أمير المؤمنين مجاهداً بين يديه في حروبه الثلاث خرج ثائراً مع الحسين عليه السلام حتى استشهد في كربلاء.

 

أسمه ونسبه:

  هو عمار بن أبي سلامة بن عمران بن دالان، يلقب بالدالاني والهمداني، ويكنى بأبي سلامة، وبنو دالان بطن من همدان من القحطانية، أسلمت على يد أمير المؤمنين عليه السلام حينما  بعثه رسول الله صلى الله عليه واله لدعوة القبائل اليمنية الى الاسلام، حيث أقام فيهم سنة: الثامنة أو التاسعة كما في السيرة الحلبية، بل التاسعة حيث عاد الى مكة في حجة الوداع وهي السنة العاشرة من الهجرة كما هو مسلم.

وهمدان الكبرى قبيلة يمنية ورد ذكرها – باسم بني همدان – في نقوش المسند ابتداء من مطلع القرن الأول الميلادي في زمن ملوك سبأ وذي ريدان .. و«همدان» أحد البيوت القبلية الحاكمة في المرتفعات الشمالية لليمن، وكانوا أقيالاً – أي أمراء – لشعـب «حاشد».

وقد ذكر المؤرخون: عندما ظهر الإسلام في مكة والمدينة المنورة، اعتنق عدد من اليمنيين من قبائل شتى الإسلام، لكن قبائل اليمن بكاملها لم تعتنق الإسلام إلا بعد إسلام قبيلة «همدان»، على يد الإمام على بن أبى طالب عليهما السلام، فعن البراء بن عازب، قال: بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم خالد بن الوليد إلى اليمن يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه فبعث علياً عليه السلام وكنت فيمن عقب على علي ثم صّفنا صفاً واحداً، وتقدم بين أيدينا، وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسلمت همدان جميعاً، فكتب علي عليه السلام إلى رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم بإسلامهم ، فلما قرأ صلى الله عليه وآله وسلم الكتاب خرّ ساجداً ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان ثم تتابعت أهل اليمن على الإسلام[1] .. وقال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - نعم الحي همدان .. ما أسرعها إلى النصر، وأصبرها على الجهد، وفيهم أبدال وفيهم أوتاد الإسلام. 

وقد سكنت قبيلة همدان الكوفة إثر الهجرة اليها وقُدر عددهم في الكوفة التي كانت اسباعا ما بين «40ـ إلى 50 ألفا»، باعتبار أن عدد الكوفة كما في فتوح البلدان، وخطط الكوفة حدود 300 ألف.

 فكان القبيلة سنداً لأمير المؤمنين عليه السلام بحيث لم ينحاز أي همداني الى معاوية وحزبه، وكيف  يكون ذلك وهم تربية أمير المؤمنين عليه السلام، إلا ان دورها في الكوفة تضاءل بعد سيطرة معاوية على الأمور، بل ان آخر مشاركة فاعلة لديهم في مسرح الكوفة كانت أيام الإمام الحسن المجتبى،  والسبب في ذلك إلى هجرة همدان من الكوفة في معظمها ولعل هجرتهم كانت الى جبل عامل، تماما مثلما حدث للأشعريين «من مذحج» الذين هاجروا من الكوفة الى قم المشرفة.

 

 صحبته رضوان الله عليه:

 كان أبو سلامة الشهيد عمار صحابياً، ادرك النبي صلى الله عليه وآله ورآه رؤية، كما ذكره الكلبي وابن حجر[2]، قال أبو جعفر الطبري: كان من أصحاب علي عليه السلام ومن المجاهدين بين يديه في حروبه الثلاث وهو الذي سأل أمير المؤمنين عليه السلام عندما سار من ذي قار إلى البصرة فقال: يا أمير المؤمنين إذا قدمت عليهم فماذا تصنع؟ فقال عليه السلام: ادعوهم إلى الله وطاعته فإن أبوا أقاتلهم فقال أبو سلامة: إذن لن يغلبوا داعي الله[3].

 

اضطراب اوضاع الكوفة واحداث متلاحقة:

إثر هلاك معاوية وانتفاض الكوفة على الحكم الاموي، ومراسلة كبرائهم الإمام الحسين عليه السلام، وارسال الشهيد مسلم بن عقيل عليه السلام الى الكوفة ممثلاً عن الإمام الحسين عليه السلام، ونهضته المباركة، ومن ثم شهادته سلام الله عليه، لم يستقر وضع الكوفة تماماً بل باشرت الحكومة الاموية بقيادة عبيد الله بن زياد لعنه الله بالقبض على شيعة أهل البيت عليهم السلام ومن يشك بولائه لسيد الشهداء عليه السلام، فتم القبض على الكثير منهم وسجنهم، فيما اختفى البعض منهم، فيما كان الإمام الحسين عليه السلام قد بعث المجاهد البطل قيس بن مسهر الصيداوي برسالة الى أهل الكوفة، وحين وصوله الى القادسية تم إلقاء القبض عليه من قبل شرطة الحصين بن نمير، فقام رضوان الله عليه بإتلاف الرسالة، فأرسلوه الى ابن زياد، وحين مثوله أمامه سأله ابن زياد: من أنت؟ أجاب: رجل من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابنه عليهما السلام.

فسألة ابن زياد بحدّة: لماذا خرقت الكتاب؟ أجابه بشجاعة البطل الباسل: حتى لا تعلم ما فيه. فصرخ ابن زياد: ممن الكتاب والى من؟ قال قيس: من الحسين بن علي الى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم. فغضب ابن زياد قائلاً: والله لا تفارقني حتى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم، أو تصعد المنبر وتلعن الحسين بن علي وأباه وأخاه وإلا قطعتك إرباً أرباً، فقال قيس: أما القوم فلا أخبرك بأسمائهم، وأما لعنة الحسين وأبيه وأخيه فأفعل، فصعد المنبر وحمد الله وصلى على النبي وأكثر من الترحم على علي وولده صلوات الله عليهم، ثم لعن عبيد الله وأباه، ولعن عتاة بني أمية عن آخرهم، ثم قال: أنا رسول الحسين إليكم وقد خلّفته بموضع كذا فأجيبوه[4].

ونقل الطبري عن أبي مخنف، ان الشهيد قيس  رضوان الله عليه قال عندما ارتقى المنبر: «أيها الناس: إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله وابن فاطمة بنت رسول الله، وأنا رسوله اليكم، وقد فارقته بالحاجز[5]، فأجيبوه .... ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعلي بن ابي طالب ..»[6].

بهذه الشجاعة العلوية الحسينية أعلن الشهيد قيس بن مسهر الصيداوي عن قرب وصول الركب الحسيني، وقد قدّم حياته ثمناً لذلك، قال الشيخ المفيد رضوان الله عليه: «فأمر به عبيد الله بن زياد أن يرمى من فوق القصر، فرمي به فتقطع، وروي أنه وقع الى الأرض مكتوفاً فتكسرت عظامه وبقي به رمق، فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمر اللخمي فذبحه، فقيل له في ذلك وعيب عليه، فقال: اردت ان اريحه»[7].

هذه الشجاعة والثبات على المبدأ والصمود الأسطوري ليس بالأمر السهل بل لابد ان تكون النفس قد صقلت وصفت حتى تنتج مثل هذه الثمار، أين مدعي عرفان ابن عربي من هذه التربية وهذه الشجاعة وبناء النفس الكبيرة.

شاع الخبر في الكوفة كلها فقرر بعض الأبطال الالتحاق بالإمام عليه السلام إلا ان القرار لم يكن جماعية بسبب اختفاء انصار الإمام عليه السلام بل ان بعضهم لم يكن يعرف اخبار سائر الانصار لذا كان الالتحاق فرديا عدا ستة اتفقوا على الالحاق سوياً، منهم: المجاهد جابر بن الحارث السلماني، والمجاهد مجمع بن عبد الله العائذي، وحينما وصل الركب المقدس كربلاء واستقر، التحق عدد من الانصار رغم المخاطر والصعاب منهم مسلم بن عوسجة الاسدي مع عائلته، و حبيب بن مظاهر، وأبو ثمامة الصائدي، وحنظلة بن أسعد الشبامي، وقاسط بن زهير التغلبي، وأخيه كردوس بن زهير، وجنادة بن الحارث الانصاري، وغيرهم من الأحرار[8].

 

قرار المجاهد عمار بن أبي سلامة اغتيال الطاغية ابن زياد لعنه الله:

القضاء على الفتنة الكبرى وضمان تحقق النصر واستتباب الأمر لسيد الشهداء عليه السلام في الكوفة والعراق كله لا يتم إلا بالقضاء على رأس الأفعى عبيد الله بن زياد، فقرر المجاهد الشهيد عمار اغتيال ابن زياد، فأخذ يتربص به فعلم بذهابه الى النخيلة لتنظيم الجيش المتوجه الى كربلاء لقتال السادة الأبرار ذرية النبي المختار الإمام الحسين وأهل بيته وصحبه صلوات الله عليهم، فذهب الى النخيلة لتحقيق الهدف لكن الفرصة لم تسنح وكيف لفارس واحد مواجهة جيش تعداده عشرات الآلاف؟!، وعبيد الله بن زياد الماكر الحذر جداً، روي البلاذري قائلاً: «وهمّ عمّار بن أبي سلامة الدالاني أن يفتك بعبيد اللّه بن زياد في عسكره بالنخيلة، فلم يمكنه ذلك، فلطف حتّى لحق بالحسين فقُتل معه..»[9]

 

المجاهد الشهيد عمار بن أبي سلامة يلتحق بالركب الحسيني المقدس:

إثر تلك الاحداث المتلاحقة اتخذت الحكومة الاموية تدابير احترازية كبيرة لمنع وصل الانصار الى سيد الشهداء عليه السلام في كربلاء، فوزعت المسالح ونشر المسلحين بكثافة على الطرق جميعاً، وتركز خمسمائة فارس عند جسر الصراة[10]، بقيادة زجر بن قيس الجعفي، وهذا الأمر يدعو الى التأمل والتدبر، فهذا القائد قد شهدت له ساحات القتال في الجمل وصفين بالقتال الى جانب أمير المؤمنين عليه السلام فهو القائل يوم الجمل:

أضربكم حتى تقروا لعلي       خير قريش كلها بعد النبي

وفي معركة صفين:

فصلى الإله على أحمد             رسول المليك تمام النعم

رسول المليك ومن بعده            خليفتنا القائم المدعم

علياً عنيت وصي النبي            يجالد عنه غواة الامم[11]

ونقل السيد الامين في أعيان الشيعة عن تاريخ بغداد إنه من أصحاب امير المؤمنين عليه السلام ارسله بسرية الى المدائن وكانوا رابطة من اربعمائة فارس، وهو الذي بعث اليه الإمام الحسن عليه السلام لأخذ بيعة المدائن له صلوات الله عليه[12]، ونقل أبـن عـسـاكـر فـي تـاريخه. قـال: إنّ زحـر بـن قيس الجعفى الكوفي ادرك عليّاً عليه السلام، وشهد معه صفّين وكان فارسا شجاعا، وله اولاد اشـراف وكـان خـطـيـبـا بـليـغـا، وكـان أمـيـراً عـلى أربـعـمـائة فـارس مـن اهـل العـراق يـوم صـفـّيـن مـع الإمام عـلى بـن أبـى طـالب عليه السلام.

فكيف بهذه الشخصية وهذا التاريخ تنقلب مع المنقلبين على الاعقاب، وتصل الى مستوى من التسافل ان تقطع الطريق على انصار سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، وحينما وصل الشهيد المغوار عمار بن أبي أسامة الى جسر الصراة أمره زجر بالانسحاب وانه يعرف مقصده حيث قال له: قد عرفت حيث تريد فارجع، إلا ان الهمة العالية والإصرار على بلوغ الهدف الاسمى في الالتحاق بسيد الشهداء عليه السلام ورّيثا العزم والقوة العظيمة لدى عمار فحمل على زجر وجيشه فهزمهم ومضى وليس أحد منهم يطمع في الدنو منه فوصل كربلاء ولحق بالحسين عليه السلام حتى استشهد بين يديه[13]، وكان قد شهد المشاهد مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وذكر صاحب الحدائق والسروي: إنه قتل في الحملة الأولى حيث قتل جملة من أصحاب الحسين عليه السلام وجاء في الأنصار: ذكره ابن شهرآشوب في عداد الحملة الأولى وورد السلام عليه من قبل الناحية المقدسة في الزيارة الرجبية: «السلام على عمّار بن أبي سلامة الهمداني»[14].

ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين.

 ------------------------------------------------------------

[1] ـ لتفاصيل اكثر انظر:  ابن الأثير ، الكامل: 2 : 300 في حوادث السنة العاشرة ،ط دار صادر. 

[2] ـ قال في الاصابة، 3:112، رقم 6463: «عمّار بن أبي سلامة بن عبداللّه بن عمران بن راءس بن دالان، الهمداني ثمّ الدالاني له إدراک، وکان قد شهد مع عليّ مشاهده، وقُتل مع الحسين بن عليّ بالطفّ، ذکره ابن الکلبي». 

[3] ـ إبصار العين في انصار الحسين، ص134.

[4] ـ بحار الانوار، ج44، في كتاب كتبه عليه السلام الى أهل الكوفة، ص370.

[5] ـ وادِ بعالية نجد وبطن الرمة، ومنه الى النقرة سبعة وعشرون ميلاً ونصف.

[6] ـ الطبري، ج4، ص297. ومقتل الحسين عليه السلام، أبو مخنف الأزدي، تعليق: حسين الغفاري، المطبعة العلمية قم، ص72.

[7] ـ بحار الانوار، ج44، ص370.

[8] ـ مبعوث الحسين عليه السلام، محمد علي عابدين، مركز دراسات نهضة الإمام الحسين عليه السلام، سلوى ـ الكويت، الطبعة الخامسة، 2007 ميلادية، ص244.

[9] ـ انساب الاشراف، ج388:3

[10] ـ جسر يقع عند فم ناحية النيل من ارض بابل، والصَراة : بالفتح ، نهر يأخذ من نهر عيسى من بلدة يُقال لها المحوّل، وهو من أنهار الفرات . راجع وقعة صفّين : 135.

 وهو الجسر الذي عبره أمير المؤمنين عليه السلام حينما مرّ بأرض بابل عائداً من معركة النهروان ثم ردت الشمس له سلام الله عليه لصلاة الظهر، كما في رواية جويرية بن مسهر قال: «قطعنا مع أمير المؤمنين عليه السلام جسر الصراة في وقت العصر فقال عليه السلام: إن هذه أرض معذبة، لا ينبغي لنبي ولا لوصي نبي أن يصلي فيها»، البحار ج41 ص168 و178 و188، وج80 ص317 عن علل الشرائع ج2 ص49 ـ 51، وعن بصائر الدرجات ص58 و217، وعن روضة الكافي ص300، وعن الفضائل ص71، وعن كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة.

[11] ، المراجعات، السيد شرف الدين الموسوي، تحقيق: حسين راضي، الطبعة الثانية، 1402، المراجعة: 108، ص401.

[12] ـ أعيان الشيعة، السيد محسن الامين، ج7، ص45.

[13] ـ مقتل الحسين ( عليه السلام ) للمقرّم : 199 عن كتاب الإكليل للهمداني.

[14] ـ بحار الانوار، ج45، ص73.