الصحابي الجليل أنس بن كاهل الأسدي

مسيرة جهاد وكفاح حتى الشهادة في كربلاء العزة والإباء

alshirazi.net

الشيخ عدي طالب آل حمود

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين وأله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

قال الله سبحانه: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ)[1].

قوله: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ)، أي أنعم الله، وأصل المن القطع، قال في لسان العرب: « مَنَّهُ يَمُنُّه مَنّاً: قطعه.»، قال عزّ وجلّ: (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)[2]، أي غير مقطوع، والمن: النعمة، لأنه يقطع بها عن البلية، ويقول القائل: منّ عليّ بكذا أي استنقذني به مما أنى فيه. والمن: تكدير النعمة لأنه قطع لها عن وجوب الشكر عليها، المنة: القوة، لأنه يقطع بها الأعمال، وفي تخصيص المؤمن بذكر هذه النعمة وان كانت نعمة على جميع المكلفين، قيل فيه من حيث انها على المؤمنين أعظم منها على الكافرين[3].

والآية الكريمة في الحقيقة تذكير بالنعمة العظيمة التي انعم الله بها على المؤمنين ببعثة الرسول الأعظم صلى الله عليه واله بعد ان خالج بعض الأذهان من حديثي العهد بالإسلام بعد معركة أحد حول سبب الخسارة في المعركة، وما لحق بالمسلمين إثرها، فجاءت الآية المباركة مجيبة عن ذلك: ان كنتم قد تحمّلتم كل هذه الخسائر والمصائب، فعليكم ان لا تنسوا النعمة العظيمة ببعثة الرسول صلى الله عليه واله بهدايتكم وتربيتكم وتعليمكم وتزكيتكم وينقذكم من الضلالات وينجيكم من المتاهات، فمهما تحملتم في سبيل الحفاظ على هذه النعمة العظمى والموهبة الكبرى، ومهما كلفكم ذلك من ثمن فهو ضئيل الى جانبها وحقير بالنسبة اليها[4].

والقرآن العظيم يخبرنا بأن هذه النعمة هي استجابة لدعاء أبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام، قال الل سبحانه وتعالى على لسان النبي إبراهيم عليه السلام: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[5].

وكذا في غير موضع ذكّر الله المؤمنين بهذه النعمة العظيمة قال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ)[6].

وعليه فان الآية المتقدمة بينت وظيفة الرسول الأعظم صلى الله عليه واله في هداية الأمة وتربيتها وتزكيتها، فقام بالأمر خير قيام صلوات الله عليه واله فهذب النفوس ورباها وعلّمها حتى أكتسب البعض منهم رضا الله تعالى قال عزّ وجلّ: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدَاً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[7].

أمةٌ أبت ان تتربى:

ورغم وجود المعلم الأعظم والمربي الأكمل الرسول الخاتِم صلى الله عليه واله أبت بعض النفوس من صحابته وغيرهم التربية والتكامل فتسافلت تلك النفوس الصغيرة متمردة، وقد ذكرهم الله سبحانه تعالى وخصهم بالنفاق: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَتَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى‏ عَذَابٍ عَظِيمٍ)[8]، وبانحراف هذه الفئة انحرفت معظم الأمة بعد ذلك عن المنهج الحق لذا تسافل أمر الأمة الى ما بلغ عليه اليوم من تخلف وتشرذم وعمالة للكفار المتقدم على المسلمين في حضارة اغتر بها معظم المسلمين اليوم.

وكما هو الحال في بني أسرائيل الحال في المسلمين، فإن من قوم موسى الكليم عليه السلام أمة لم تنحرف بل التزمت الحق واتبعته قال تعالى: (وَمِن قَوْمِ مُوسَى‏ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)[9]، كان في أمة محمد صلى الله عليه واله أمة ملتزمة بالحق، فما جرى هناك جرى هنا وليكون الأمر مصداق ما ورد في الحديث النبوي الشريف: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، حتى لو دخل أحدهم جحر ضب لدخلتموه، فقالوا يا رسول الله ـ صلى الله عليه واله ـ اليهود والنصارى؟ فقال: عليه السلام: فمن إذاً»[10]. وقال صلى الله عليه واله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم. فقالوا يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن إذن»[11]، قال صلى الله عليه واله في حجة الوداع لأصحابه: «إنكم محشورون يوم القيامة حفاة عراة، وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب، أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم»[12].

أصحاب الرسول صلى الله عليه واله شهداء بين يدي الإمام الحسين عليه السلام:

وعلى نقيض هؤلاء المنحرفون من الصحابة صحابة بلغوا من الكمال ان أصبحوا خير أهل الأرض بل لم يوجد لهم نظير قال سيد الشهداء عليه السلام: «فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي»[13]، فمضوا ثابتين على المنهاج الحق، وان ظلّ بعضهم بعد شهادة الرسول الأعظم صلى الله عليه واله إلا ان الرحمة الإلهية تداركته ببركة أهل البيت عليهم السلام، ومن هؤلاء المتكاملين الصحابي الجليل: أنس بين كاهل الأسدي. وهو من المجاهدين مع رسول الله صلى الله عليه واله حيث شهد بدراً، ومع أمير المؤمنين عليه السلام حيث شهد حنيناً، ومضى شهيداً محتسباً مع سيد الشهداء في كربلاء العزة والإباء.

اسمه ونسبه:

أنس بن الحارث بن نبية بن كاهل بن عمرو بن صعب بن أسد بن خزيمة الأسدي، الكاهلي من وجوه الكوفيين ومن الموالين والمحبين لأهل البيت عليهم السلام شيخ كبير وصحابي جليل رأى النبي صلى الله عليه وآله وسمع حديثه وشهد معه بدراً وحنيناً، قال السيد الخوئي قدس سره في المعجم تحت رقم 1933 باسم انس بن الحارث: «قتل مع الحسين عليه السلام ، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، رجال الشيخ ( 9 ). وعده مع توصيفه بالكاهلي، من أصحاب الحسين عليه السلام»، وتحت رقم: 1940 باسم انس بن مالك، قائلاً: «عُد من المستشهدين بين يدي الحسين عليه السلام ، وسلم عليه في زيارتي الناحية والرجبية».

قال الشيخ علي النمازي الشاهرودي، في مستدركات علم رجال الحديث[14]: هو أنس بن كاهل الآتي، ولعله متحد مع أنس بن الحارث الذي قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: «إن ابني هذا ـ يعني الحسين عليه السلام ـ يقتل بأرض من العراق، من أدركه منكم فلينصره»، قال: فتل أنس مع الحسين عليه السلام.

وقد حاول الذهبي تجريد الصحابي الجليل أنس من صحبة رسول الله صلى الله عليه واله مدعياً انه ليس له صحبه وان حديثه مرسل، إلا ان ابن حجر في الإصابة قال في ترجمته: «ووقع في التجريد للذهبي لا صحبة له وحديثه مرسل.. وكيف يكون حديثه مرسل وقد قال سمعتُ، وقد ذكره في الصحابة البغوي وابن السكن وابن شاهين والدغولي وابن زبر والبارودي وابن مندة وأبو نعيم وغيرهم».

وروى ابن حجر في الأصابة وغيره عن أشعث بن سحيم عن أبيه قال: سمعت أنس بن الحارث يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: ۍان ابني هذا ـ يعني الحسين ـ يقتل بأرض كربلاء فمن شهد منكم فلينصره».

ذكره بن شهرآشوب والخوارزمي مصحفا بـ(مالك بن أنس الكاهلي) وذكره في البحار مصحفاً بـ(مالك بن أنس المالكي) وصححه بعد ذلك عن ابن نما الحلي. الكاهلي: بنو كاهل من بني أسد بن خزيمة بن عدنان (عرب الشمال). شيخ كبير السن: ذو منزلة اجتماعية عالية بحكم كونه صحابياً من الكوفة، فقد ذكر ابن سعد أن منازل بني كاهل كانت في الكوفة.

لقاءه بسيد الشهداء عليه السلام:

ثلاثة أقوال في مسألة لقاء الشهيد أنس بسيده الإمام الحسين عليه السلام[15]:

الرأي الأول: ذهب الى أن الصحابي الشهيد أنس التقى ليلاً بالإمام الحسين عند قدومه الى كربلاء، وهو ما قال به الشيخ السماوي في أبصار العين وجواد محدثي في موسوعة كربلاء.

الرأي الثاني: ان اللقاء تمّ قبل وصول الإمام الحسين الى كربلاء، إلا ان بعض أصحاب هذا القول لم يحدد في محل اللقاء كالسيد بحر العلوم في مقتل الحسين عليه السلام، والاتجاه الآخر قال اللقاء كان في قصر بني مقاتل كما عن البلاذري في انساب الأشراف حيث قال: «وكان أنس بن الحارث الكاهلي سمع مقالة الحسين لابن الحر، وكان قدم من الكوفة بمثل ما قدم به ابن الحر، فلما خرج من عند ابن الحر سلّم على الحسين ـ عليه السلام ـ وقال له: والله ما أخرجني من الكوفة إلا ما أخرج هذا من كراهة قتالك أو القتال معك، ولكن الله قذف في قلبي نصرتك وشجعني على المسير معك. فقال له الحسين عليه السلام: «فاخرج معنا راشداً محفوظاً»[16].

الرأي الثالث: أن الصحابي الشهيد قد أقبل مع سيد الشهداء عليه السلام من مكة، وهو ما اختاره الشيخ القرشي[17]. وهذا يعني انه رضوان الله عليه لم يكن في الكوفة أبان الأحداث التي شهدتها وأدت الى شهادة مسلم بن عقيل عليه السلام وهانئ بن عروة رضوان الله عليهما.

وأياً كان الرأي فما نؤمن به قاطعين أنه لبى نداء الجهاد مع سيد الشهداء عليه السلام على كبر سنه الذي تجاوز التسعين عاما، وكان له الموقف الكبير حتى نال رضاً الله سبحانه برضى سيد الشهداء عليه السلام القائل: «رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلاءه ويوفينا أجور الصابرين»[18].

دورة في معركة الطف الخالدة:

استأذن الصحابي الجليل أنس بن الحرث رضي الله عنه الإمام الحسين عليه السلام لمبارزة الأعداء فأذن له، فبرز الى القتال وقد شد وسطه بعمامته، رافعاً حاجبيه بالعصابة ولما نظر الى الإمام الحسين عليه السلام بهذه الحالة أرخى عينيه بالبكاء وقال: شكر الله لك يا شيخ، اقتحم حومة الميدان وهو يرتجز:

قد علمت كاهل ثم دودان       والخندفيون وقيس عيلان

بان قومي آفة للأقران          وإنني سيد تلك الفرسان

وفي مثير الأحزان[19] كان رجزه:

آل عليٍ شيعة الرحمن          وآل حربٍ شيعة الشيطان

فقاتل قتال الأبطال حتى قتل على كبر سنه ثمانية عشر رجلاً، ثم فاضت روحه الطاهرة الى بارئها، ولتلقتي مع مبريها ومهذبها ومزكيها رسول الله صلى الله عليه واله وهو عنه راض، ولتستقر روجه الطاهرة في الجنان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين والكملين وحسن أولئك رفيقاً.

 ------------------------------------------------------------

[1] ـ سورة آل عمران، الآية 164.

[2] ـ سورة فصّلت، الآية: 8.

[3] ـ تفسير التبيان، الشيخ الطوسي، ج3، ص38.

[4] ـ تفسير الأمثل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي،

[5] ـ سورة البقرة، الآية: 129.

[6] ـ سورة الجمعة، الآية: 2.

[7] ـ سورة التوبة، الآية: 100.

[8] ـ سورة التوبة، الآية: 101.

[9] ـ سورة الاعراف، الآية 159.

[10] ـ الأقتصاد، الشيخ الطوسي، منشورات مكتبة جامع جهلستون ـ طهران، 1400 هجرية، دليل آخر على إمامته عليه السلام، ص213.

[11] ـ الافصاح، الشيخ المفيد، مؤسسة البعثة، الطبعة الثانية 1414 هجرية، دار المفيد بيروت ـ لبنان، ص49.

[12] ـ نفس المصدر، ص50.

[13] ـ الأرشاد، الشيخ المفيد، مؤسسة آل البيت لتحقيق التراث، دار المفيد بيروت ـ لبنان، الطبعة الثانية 1414 هجرية، ج2، ص91.

[14] ـ مطبعة شفق، الطبعة الأولى، طهران، 1412 هجرية، ج1، تحت رقم: 587/ 2021، ص تحت عنوان: أنس بن الحارث بن نبيه الكاهلي.

[15] ـ راجع تفاصيل ذلك: موسوعة في ظلال شهداء الطف، الشيخ حيدر الصمياني، منكتبة أهل البيت قم المقدسة، الطبعة الأولى 1432 هجرية، ج2، ص296 وما بعدها.

[16] ـ انساب الاشراف، البلاذري، ج3، ص384.

[17] ـ حياة الإمام الحسين عليه السلام، باقر شريف القرشي، ج1، ص101، وج3، ص234.

[18] ـ من خطبة الإمام الحسين عليه السلام المشهور لما عزم في المدينة على التوجه الى كربلاء.

[19] ـ ابن نما الحلي، ص46.