النقد الايجابي في المجتمع الإيماني

بقلم العلامة الحجة الشيخ ناصر الأسدي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد واله والطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

الأصل في الانتقاد الاجتماعي أنه غير مرغوب به ولكن لو صممنا على النقد فكيف يكون إيجابياً؟

الواقع لو عرفنا المعيار وميّزنا القاعدة حصلنا على الجواب. والقاعدة هي أن يكون النقد والتقييم كتقييم المرآة، والحديث النبوي الشريف الذي سارت به الركبان: «المؤمن مرآة المؤمن»[1]، ما أجمل هذا التشبيه النبوي الرصين، فالمرآة تتحلى بأسمى صفات النقد الايجابي البنّاء.

أولاً: فهي لا تكبّر الصغير ولا تصّغر الكبير، فلو كانت شعرة طفيلية أو طائشة على جبهة الإنسان أو أنفه لا تظهرها المرآة وكأنها عصى أو جذعة .. بل تظهر الحقيقة كما هي وبحجمها الخارجي.

ثانياً: المرآة حين النقد لا تحمل حقداً أو عصبية أو توتراً بدافع عنصري أو حزبي أو جهوي معين، بل تقول الحقيقة بشفافية تامة، وما أكثر ما نشاهد التقييمات والانتقادات التي تنبعث من أفواه الأخوة تجاه الأشخاص والأشياء إنما تنبعث بدوافع جهوية وانتماءات متناقضة مع الجهة التي استهدفت في النقد أو التقييم وهذا ما تتسامى عنه المرآة.

ثالثاً: المرآة توجه إلى العيب وتشير إلى النقطة السوداء دون إلتباس أو تشهير وتسقيط فيسلم المنتقد ـ بالفتح ـ الملاحظة دون أن يراق ماء وجهه ويفتضح في المجتمع وقد ورد في الحديث الشريف: «من وعظ أخاه سراً فقد زانه ومن وعظه علانية فقد شانه»[2].

والنقد الإيجابي المستور ودون ضجيج زين وأحترام، بينما المكشوف على رؤوس الأشهاد: تشهير وانتقاص وان لم يقصد منه ذلك.

رابعاً: المرآة تسجل الملاحظة دون تجريح أو تقريع أو لسع، بينما النقد السلبي يأتي في أحيان كثيرة لاسعاً وجارحاً للشعور وقارعاً ... بينما المرآة تقول كلمتها في منتهى اللين والشفافية الودية الناصحة.

خامساً: وهي تسجل النقد من منطلق المحبة ـ لو صح التعبير ـ لا من منطلق العداء والبغضاء كما يلاحظ ذلك في انتقادات الجهات المتخاصمة التي لا تبعث عن محبة بل تنتقد للتشهير المنبعث من البغضاء الملتهبة بين جوانبها ضد الطرف الآخر.

ساساً: النقد المرآتي يكون لغرض الإصلاح وفي الوقت المناسب بينما النقد السلبي يكون أحياناً كثيرة بعد فوات الأوان كمكن ينتقد صفقة بعد عقدها أو يوجه إلى مشتري المنزل قائل: إنك خسرت وأخفقت بشرائك المنزل بضعف ثمنه وفي موقع غير مناسب، ومساحة ضيقة...

سابعاً: المرآة لا تبادر بالنقد ما لم ينظر إليها فلا تتطفل والقرار بيد طالب النقد بينما الناقد السلبي يبادر إلى ذلك دون أن يُطلب منه في كثير  من الأحيان.

ثامناً: أهم شرط للمرآة ان يكون الطرف الآخر حاضراً شاهداً يقظاً واعياً ومفتح العينين ... أما الناقد السلبي يسرد انتقاده في غياب المنتقد ـ بالفتح ـ أحياناً.

تاسعاً: تطرح المرآة ملاحظتها بمنتهى الوضوح دون لف أو دورات أو تمويه أو غموض أو شائبة كذب أو ما أشبه ذلك مما يحدث أحياناً في نقد الآخرين.

عاشراً: المرآة تنظر ثم تنتقد أما الآخرون فكثيراً ما يسمعون الموضوع وينتقدون، والبون شاسع بين الرؤية والسماع ... حيث أن الأخير يأتي بمعرفة ناقصة بينما المشاهدة تؤدي إلى الحقيقة كل الحقيقة.

والآن تبين كيف أن النقد يكون إيجابياً كيف متى يكون سلبياً وهدّاماً ومؤذياً، وتبين أيضاً مدى دقة وعمق التشبيه في حكمة الرسول صلى الله عليه واله المشرقة الرائدة: «المؤمن مرآة المؤمن».

والحمد لله رب العالمين.

-----------------------------------------

[1] ـ مستدرك الوسائل: الميرزا حسين النوري قدس سره، ج9، باب وجوب أداء حق المؤمن وجملة من حقوقه الواجبة والمندوبة، ص49.

[2] ـ بحار الانوار، العلامة المجلسي قدس سره، ج71، ص166.