أهمية التوازن في النفس الإنسانية ... قبسٌ من فكر سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

alshirazi.net

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين سيدنا ومولانا محمد وآل الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

إنّ النفس الإنسانية دقيقة جدّاً وسريعة التأثر إلى درجة كبيرة، فهي كالنابض الذي يهبط لأدنى ضغط ويرتفع بارتفاعه بسرعة. مثاله: لو تبسّمتَ في وجه شخصٍ ما، فسوف تنبسط أساريره ويتعامل معك باتّزان، ثمّ لو عبّست في وجهه بعد ذلك، تراه يفقد وعيه ويختلّ توازنه ولا تعود معاملته لك كما كانت آنفاً، ولا يعذرك أو يحتمل وجود سبب ما لعبوسك.

ولكي يكون الإنسان مالكاً لزمام نفسه متّزناً لا يتأثّر لأدنى سبب ولا يفقد توازنه بسرعة، فإنّه يحتاج إلى تسديد إلهيّ، والإمام السجّاد يطلب من الله تعالى في هذا الدعاء أن يمنحه التوازن بأعلى مستوياته؛ ولذلك يقول: (ولا ترفعني في الناس درجة إلاّ حططتني عند نفسي مثلها)، أي درجة بدرجة حتى لا يحصل عندي أدنى اختلال.
والتوازن في النفس مهمّ جدّاً، كما هو مهمّ في كلّ شيء؛ وكما أنّ أدنى اختلال في توازن الأشياء قد يؤدّي إلى تحطّمها أو خرابها، فكذلك الحال مع النفس.

فالطائرة التي تحلّق في الفضاء ربما ساهم في توازنها اجتماع آلاف العوامل على نحو الأمر الارتباطي - على حدّ تعبير الفقهاء- . فما أكثر الأجزاء والعوامل والشروط التي لابدّ من توافرها، وما أكثر الموانع والمُخلاّت التي لابدّ من رفعها، حتى تستطيع أن تحلّق هكذا في الفضاء ولا تهوي، ولو اختلّ جزء واحد من تلك الأجزاء أو حصل مانع ما فربما تفقد الطائرة توازنها وتسقط.

والخرج الذي يوضع على ظهر الدوابّ لحمل البضائع، فإنّه ينبغي أن يوازن بين طرفيه، فلو وُضع في أحد الطرفين ما زنته عشرة كيلوغرام، فإنّه ينبغي أن يعادل في الطرف الآخر بالوزن نفسه، وإلاّ مال الطرف الأثقل وسقط الخرج. وهكذا الحال بالنسبة لكلّ شيء.

فكلّ هذا يشير إلى أهميّة التوازن في الأمور التكوينية، وهذا ما يلمسه عامّة الناس عادة ويدركونه بسهولة.
فكذلك التوازن مطلوب في النفس وباقي الأمور المعنوية، بل هو أهمّ، لأنّ فقدان التوازن في المادّيات قد يؤدّي إلى تلف الأبدان، أمّا في المعنويات فيؤدّي إلى تلف النفوس، وبالتالي خسارة الدنيا والآخرة.

وإذا كان بدن الإنسان بحاجة إلى توازن يحفظ سلامته من أيّ اختلال قد يؤدّي إلى تلف في الكبد أو المخّ أو أيّ عضو من أعضائه الأخرى، فإنّ الأمر مع النفس آكد؛ لأنّه بالنفوس تحيا الأبدان وليس العكس، وبالنفوس يصل الناس للتكامل والرقيّ وليس بالأبدان.

ولذلك يطلب الإمام من الله تعالى أن يمنحه هذا التوازن فيقول: يا إلهي بمقدار ما ترفعني في الناس، احططني بالمقدار نفسه عند نفسي. وبمقدار ما تحدث لي عزّاً ظاهراً أحدث لي عند نفسي ذلّة باطنة لئلاّ يحصل عندي أدنى اختلال، ولكي أحظى باتّزان يحفظني من الهويّ والانزلاق. فإنّ هذا التعادل والتوازن الموجود في العبارات ليس من باب البلاغة وجمال التعبير فقط ـ وإن كانت البلاغة لا تخلو منها كلمات أهل البيت سلام الله عليهم ـ وإنّما هو الدقّة المقصودة أيضاً؛ لأنّ أدنى اختلال في توازن النفس قد يؤدّي بها إلى الهلكة أخيراً.

 

ضرورة السعي والدعاء:

معلوم أنّ الأسباب كلّها بيد الله تعالى، ولذلك نسب الإمام سلام الله عليه الرفعة في الناس، والحطّة في النفس، والعزّ الظاهر، والذلّة الباطنة كلّها إلى الله تعالى على نحو الحقيقة، ولكن حيث إنّ الدعاء صادر من الإمام المعصوم فهو يلفت نظرنا إلى الأدواء التي قد تصاب بها النفس وسبل علاجها عبر الأدوية التي تناسبها، فالإمام هنا يخبرنا أنّ الرفعة التي تحصل للإنسان بين الناس قد تصيبه بالغرور ولابدّ له من أن يوازنها بأن لا يستعظم نفسه بل يستصغرها ويطلب من الله أن يعينه على ذلك.

فلو قيل: إذا كان الأمر بيد الإنسان فلماذا يطلب ذلك من الله تعالى؟ وإذا كان بيد الله فما هو دور الإنسان في ذلك؟

نقول: صحيح أنّ الأسباب كلّها بيد الله ولكنّه تعالى لا يسهّلها لمن لا يطلبها بسعيه، كما لا يمكن أن ينالها الساعي بسعيه فقط لولا عناية الله تعالى له والتي تستلزم عدم فتور الإنسان بدعائه، ولذلك اقتضى الأمر المولويّ بالإجابة من خلال السعي والدعاء معاً.

إننا نؤمن ﴿إنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾[1]، ولكن هذا لا يعني أن يجلس الإنسان في بيته ويكتفي بالدعاء في طلب الرزق من الله تعالى؟

صحيح أنّ الله هو الرزاق، ولكن لابدّ للإنسان أن يعمل في سبيل تحصيل الرزق، أمّا الذي لا يسعى فلا شيء له؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إلاّ مَا سَعَى[2].

لقد خلقنا الله في هذه الحياة الدنيا ليختبرنا ويبلونا سواء في سعينا لتحصيل الرزق المادّي أو الرزق المعنوي، فعلينا أن نبذل ما منحنا الله تعالى من طاقات للاستفادة منها في كلّ المجالات المباحة.

وصحيح أيضاً أنّ الإمام سلام الله عليه يعلّمنا أن نطلب الموازنة من الله تعالى فنسأله أن يحطّنا في أنفسنا مثلاً، أو أن يحدث لنا ذلّة باطنة كلّما رُفعنا في أعين الناس وأعززنا، ولكن مفتاح هذا الأمر بأيدينا أيضاً، وما لم نصمّم على أن نكون كذلك فإنّ الله تعالى لا يعيننا، كما أنّنا لا نستطيع بلوغ الأمر من دون إرادة الله.

ولذلك ينبغي للعبد أن يتوجّه بالدعاء إلى الله تعالى وأن يتضرّع إليه؛ قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأ بِكُمْ رَبّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾[3]، وفي الدعاء أيضاً: (ولا ينجّي منك إلا التضرّع إليك)[4].

ومن هنا يتّضح أنّ في الدعاء حثّاً للتوجّه على الخصال الحميدة والاجتناب عن الخصال الذميمة، كما أنّ فيه إلفاتاً إلى أنّ كلّ الأمور هي بيد الله تعالى ويجب الاستعانة به والتضرّع إليه.

 

التأسّي بالناجحين:

قبل سنوات دُعيت للصلاة على جنازة أحد التجّار المؤمنين ـ كنت قد شاهدته وعايشته ـ كان شخصاً عادياً وكان يحظى باحترام جميع الطبقات بدءًا بالعلماء ورئيس الحكومة وانتهاءً بعامّة الناس؛ حتى أنّني أحببت أن أسأله مرّة - وكنت في داره - عمّا إذا كان هناك سرّ ينطوي عليه فرزقه الله هذه المحبّة والاحترام في قلوب الناس، فامتنعت وصرفت النظر، غير أنّ المعروف عنه أنّه كان رجلاً متديّناً، مؤدّباً، يشهد صلاة الجماعة ويتحلّى بكثير من الفضائل.
نقل لي بعض من يعرف تاريخه قائلاً: إنّه كان في شبابه حمّالاً ولكنّه كان يتحلّى بالأخلاق والذكاء والجدّ، فترقّى وضعه المالي تدريجياً حتى أصبح تاجراً وصاحب نعمة، واستمرّ على أخلاقه وتواضعه حتى بعد أن تغيّر وضعه وتحسّن، فجمع إلى جانب المال حسن الخلق والدين فكسب بذلك احترام الناس لدرجة كبيرة، حتى أنّي عندما حضرت مجلس الفاتحة الذي أُقيم على روحه شاهدت حضوراً كثيفاً من مختلف الطبقات علماء وموظفين وكسبة وتجّاراً وشيوخاً وشباباً.

ما يلفت النظر أنّ الرجل لم يكن من العلماء ولا من الزهّاد ولا من المتميّزين في شيء سوى أنّه كان تاجراً متديّناً عاديّاً.

نقَل لي بعض أصدقائه القدامى عن أحواله فقال: كان هذا الرجل يحتفظ حتى آخر حياته بالوسيلة التي كان يحمل بها البضائع على ظهره أيّام كان حمّالاً، ليس هذا فحسب بل كان ينظر إليها كلّ يوم قبل مغادرة البيت ويخاطب نفسه قائلاً: لقد كنتَ حمّالاً فلا تنسَ !

فهذا الرجل كان يحفظ توازنه بهذا العمل، لأنّ الله وفّقه لأن يكون مصداقاً لما ورد في دعاء الإمام السجّاد سلام الله عليه: (ولا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي بمثلها، ولا تحدث لي عزّاً ظاهراً إلا أحدثت لي ذلّة باطنة بقدرها).

وهذا الأمر وإن كان صعباً في الواقع إلاّ أنّ التوفيق الإلهي يهوّنه؛ فالإنسان بحاجة إلى توفيق من الله تعالى، وحريّ بالإنسان ـ علاوة على ذلك ـ أن يتذكّر دائماً أصله، ومم خُلق، (ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى) [5].
إنّ الإنسان إذا تأمّل في هذه الآية الشريفة وحدها وتدبّر فيها كفته ليتذكّر واقعه وحقيقته، ودعته للتواضع والسعي للعمل بمضمون ما ورد في هذه الفقرة من دعاء مكارم الأخلاق.

قال الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: (مسكين ابن آدم... تؤلمه البقّة وتقتله الشرقة، وتنته العرقة)[6].
فكم هو ضعيف هذا الإنسان؟ وإذا كان ضعيفاً إلى هذه الدرجة فما الذي يدعوه للتكبّر؟ هل الثروة والمال والسلطة والجاه أم البدن القويّ، وهذه كلّها قد تزول في لحظة.

لقد نُقل عن السيّد البروجردي رحمه الله أنّه نذر نذراً شرعياً في أيّام شبابه إن صدرت منه إهانة لأحد فإنّه يصوم سنة كاملة. وقيل إنّه صام لذلك سنة أو سنتين. هذا الأمر ليس يسيراً، خاصّة بالنسبة لشخص كالسيّد البروجردي فإنّه لم يكن شخصاً عادياً منزوياً بل كان رجلاً كثير الاحتكاك بالناس، يؤمّ المصلين ويلتقيهم في المسجد ويلقي الدروس على الطلاب ويستمع لمشكلات الناس ويفتيهم، ومن ثمّ فإنّ نجاحه في مهمّة ضبط نفسه في هذا المجال، وعدم صدور ما عزم على اجتنابه إلاّ نادراً، إنّما يشير إلى علوّ همّته وتوفيق الله تعالى له.

فعلينا أن ننتهز الفرص لتربية أنفسنا وتزكيتها بالعزم والمثابرة بعد التوكّل على الله تعالى.

من الضروري الإشارة والتنبيه إلى أمر وهو أنّ كثيراً من الناس يُتعب نفسه كثيراً لغرض تزكيتها وتربيتها في المواظبة على المستحبّات ولكنّه قد يغفل عن أمور هي من الواجبات، فلا يلتفت إليها؛ مع أنّ الالتزام بعمل الواجبات والانتهاء عن المحرّمات مقدَّم على العمل بالمستحبّات؛ ولذلك ورد في الحديث عن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: (لا قرب بالنوافل إذا أضرّت بالفرائض)[7].

فمثلاً: هناك بعض الناس يتصّور أنّ ابنه أو بنته أو أخته أو من هو أصغر منه من أرحامه، عبد بل ملك له، يحقّ له أن يتصرّف تجاهه كيفما شاء، ولعلّ كثيراً من الملتزمين أيضاً هكذا حاله.

عن إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ وهو من أصحاب الإمام الصادق سلام الله عليه قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام: رُبَّمَا ضَرَبْتُ الْغُلامَ فِي بَعْضِ مَا يَحْرُمُ. فَقَال: (وكَمْ تَضْرِبُهُ؟ فَقُلْتُ: رُبَّمَا ضَرَبْتُهُ مِئَةً. فَقَال: مِئَةً مِئَةً؟ فَأَعَادَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَال: حَدَّ الزِّنَى؟ اتَّقِ اللَّهَ. فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ فَكَمْ يَنْبَغِي لِي أَنْ أَضْرِبَهُ؟ فَقَالَ: وَاحِدا.ً فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَوْ عَلِمَ أَنِّي لا أَضْرِبُهُ إِلاَّ وَاحِداً مَا تَرَكَ لِي شَيْئاً إِلاَّ أَفْسَدَهُ. فَقَال: فَاثْنَتَيْنِ . فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا هُوَ هَلاكِي إِذاً. قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أُمَاكِسُهُ حَتَّى بَلَغَ خَمْسَةً، ثُمَّ غَضِبَ فَقَال: يَا إِسْحَاقُ إِنْ كُنْتَ تَدْرِي حَدَّ مَا أَجْرَمَ فَأَقِمِ الْحَدَّ فِيهِ ولا تَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ)[8].

إذاً ينبغي لنا أوّلاً أن نعرف حدود الواجب والحرام لنمتثل الأول ونجتنب الثاني، وبعد ذلك نسعى لعمل المستحبّ؛ لأنّه لا يقال لنا يوم القيامة: لماذا لم تؤدِّ المستحبّ الفلاني، ولكنا سنُسأل عن أداء الواجبات وترك المحرّمات. ولئن تذرّع أحدنا أنّه لم يكن يعلم، قيل له: فلِم لَم تتعلم؟.

والحمد لله رب العالمين.

-----------------------------------------

1ـ سورة الذاريات: الآية 58.

2 ـ سورة النجم: الآية 39.

3ـ سورة الفرقان: الآية 77.

4 ـ من لا يحضره الفقيه: 1 : 487 باب دعاء قنوت الوتر.

5 ـ سورة القيامة: الآية 37.

6 ـ نهج البلاغة: 550 رقم 419 الحكم القصار.

7 ـ وسائل الشيعة: 4 / 286 الباب 61 ح 5176

8 ـ الكافي، باب النوادر، 260.