الشهيد الشيرازي.. غصن من شجرة عاشوراء

سلام علي صادق

ولد شهيدنا الغالي عام1354هـ في النجف الاشرف من اسرة شعارها العلم ودثارها الورع والتقوى. منهاجها محمدي. خلقها علوي. جلالها فاطمي. مرتكزها حسني. طريقها حسيني. كربلائي الفطام والنشأة.

درج في طفولته بين القبتين الشريفتين لسيد الشهداء وبطل العلقمي سلام الله عليهما يستقي منهما ينابيع الاباء والعز والشرف والشمم فاستوى ونمى عليها فكره وجسمه وعظمه حتى نشا في حظيرة القدس وامتلى ايمانا ويقينا بما يرى ويسمع ماحوله ومن اساتذته اهل الصنعة والفن (الفقه والاصول والاخلاق) امثال والده اية الله العظمى المقدس المهدي الشيرازي رحمه الله والسيد هادي الميلاني رحمه الله وكبار العلماء.اما اخوه الاكبر الامام الراحل أعلى الله درجاته فقد عنيا ببنائه روحيا حتى احكم بنائه احكاما عاليا. فكانا رضوان الله عليهما قبسين من نور ونار،نور للمؤمنين ونار على المنافقين والمستبدين.

عرفته سوح ومحافل مدينة كربلاء الحسين عليه السلام فهو المنافح والمكافح عن شريعة جده المصطفى صلى الله عليه واله بقلبه ولسانه ويده. وحرص اشد مايكون الحرص على تحصين الاسلام والشباب بمختلف وسائل التثقيف. فشرع قلمه الشريف السيال يسطر الاسفار تلو الاسفار من عقائد وموسوعات واقتصاد ادب فيملئ بها عقل ووجدان عشاق الحق والحقيقة.

والمتتبع لحياة فقيدنا الغالي يلاحظ وبوضوح تعلقه الشديد بسيد الشهداء عليه السلام وشعائره المقدسة. فداب رحمه الله على شد الامة الى هذه الشعائر التي تحمل عز ومجد وصرخة الامام الحسين عليه السلام بوجه الظلم والظالمين في كل عصر. حمل رحمه الله هذه الراية راية الشعائر الحسينية خفاقة وارسى دعائمها ماديا ومعنويا لتكون قضية الامام الحسين عليه السلام جذوة متقدة لاتخمد امام اعتى الاعاصير .لهذا عندما نستطلع حياته الشريفة نرى انه لم يهادن او يساوم على حساب دينه او بما يؤمن من قيم او مثل. ولعل من اجلى مواقفه الصلبة وهو يتحدى السلطات المتامرة على الشعب العراقي المظلوم وقوفه على منصة حفل ولادة الامام امير المؤمنين عليه السلام في كربلاء المقدسة وهو يندد بالبعثين واذنابهم ممن جاء بالقطار (الانكلو ـ امريكي ـ الصهيوني) وقف ليرسل قصائده وكانها الحمم تنصب فوق رؤوس الطغاة فكانت بداية المواجهة والصراع صراع الحق مع الباطل. لقد جن جنون الظالمين ان يقف رجل اعزل عن السلاح ـ الا سلاح الايمان والتوكل على الله تعالى ذكره ـ في وجه الحكومة التي بناها الاستعمار. الامر الاخر لم يكن هذا الرجل من غمار الناس بل هو من اسرة عرفت بمقارعة الاستعمار والاستبداد بكل اشكاله. واستشعرت الحكومة انذاك خطورة وجود شهيدنا الغالي بين اوساط الجماهير وعلى الصعيدين الحوزوي والاجتماعي وهو العالم المحبب الى هذه الطبقات للطفه وحسن سلوكه معهم.

وهكذا ادركت حكومه البعث الكافر ان وجود هكذا شخصية سوف يكون عائقا اما اهدافهم ونزواتهم الشيطانية  وتمرير مخططات الدوائر الاستعمارية بالمنطقة فعمدت الى وسائلها الخبيثة من مكر وخديعة لاعتقال شهيدنا الغالي. فكان من اوائل العلماء المعتقلين المغيبين في (قصرالنهاية) اوقل زنازين الموت لما فيها من انواع التعذيب الوحشي فتعرض شهيدنا الى اربع واربعين شكلا من اشكال التعذيب اقلها الكوي بالمكواة في الصدر والظهر. حتى وصل الامر ان والدته المكرمة رحمه الله بعد السماح لها بزيارته لم تعرفه من شدة ماعرض له من التعذيب.!!

وبعد ان رفع المؤمنون اكفهم تضرعا للباري تعالى يفرج عنه وعن باقي المعتقلين في سجون البعثيين، والضغوطات الساسية من قبل بعض الحكومات على حكومة البعث، ودعائه هو شخصيا وتوسله باهل البيت عليهم السلام وخصوصا بالامام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف حتى فرج الباري تعالى عنه. ليهاجر بدينه وروحه الى بيروت للعلاج وليبدا مرحلة جهادية جديدة دون تقاعس فشرع ببناء الحوزة العلمية الزينبية بدمشق ومدرسة الامام المهدي في بيروت هذا غير اسفاره الكثيرة للخليج وفرنسا وساحل العاج وسيراليون حاملا لواء الاسلام ومذهب اهل البيت عليهم السلام فكرا وعقدا وعملا. الى ان جاء اليوم المشؤوم السادس عشر من جمادى الاخرة من عام  1400 هـ الذي اغتيل فيه شهيدنا الخالد على يد عملاء البعث الكافر. لترتفع روحه الطاهرة الى عليين وتلتحق بركب ابي الشهداء الحسين عليه السلام.

فسلام عليك ايها الشهيد الثائر وطبت حيا ةميتا وطاب مثواك الاقدس.

فالى روحه المقدسة التي عشقت الحسين عليه السلام وحملته فكرا وعقيدة ومنهجا فعشقته الشهادة وارادته صرحا في دنيا الاسلام والكرامة. اهدي قصيدتي (محراب النخيل):  

 اطلق لقافيـه الجراح معاصما             فعسى دماء القيد ان تتكلما

واسبغ وضوئك في تراب ماله             الا الرصاص معبرا ومترجما

لازلت ياابن الناهضين الى السما             وحياَ لايات الاباء وملهـما

تلقي بشمسك للنخيل فيزدهي             محرابه للواهبين ملازمـــا

او ترسم الحب القديم بريشـة              العشق المكلل بالورود وبالدما

فرميت كل حروفك العطشى الى              تلك الوجوه المرهقات لتبسما

اظمات يومك كي تلوح مشاعلا              صحراء نفسي كي اعيش لاحلما

اظمات يومك كي تكون جداولي              لاتشتكي قيدا مذلا او ظمـا

فجرت شريان القوافي لانهــا              جفلت سنينا لا تطيق تكلمـا

ورفعـت ماذنه الحسين مرددا              ما السجن يرهب صولتي أوأقحما

هم حالوا ان يجعلوا من صبحك              الوضاء ليــلا اعتمــا

هم حالـوا او حالوا ان يصلبوا               كل الجباه البيض حتى تلجما

او ان يعيدوا اللات والعزى معا              فتكون ارجاء النفوس جهنما

قد حالوا قطف الربيع بزهره              مذ حالوا قتل الحسين ومسلما

فيعود جهلي والقيود بمعصمي              ويكون باسا بالعراق مخيما

فبعثت من نفحات روحك قبسة              علوية البنيان تبـدي الانجما

وابيت الا  كربلاء ويومها               نهجا قويما بالكفاح وسلمـا