الرابع والعشرون من شعبان ذكرى رحيل المجدد الشيرازي الكبير

من شيراز وحتى سامراء حياة ملؤها الجهاد وسمتها التضحية

alshirazi.net

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

 

 اسمه ونشأته:

السيّد محمّد حسن ابن السيّد محمود الحسيني الشيرازي المعروف بالشيرازي الكبير.

ولد في الخامس عشر من جمادى الأُولى 1230 هـ بمدينة شيراز في إيران.

عندما بلغ عمره أربع سنوات وبسبب حدّة ذكائه أرسله خاله إلى معلّم خاصّ لتعلّم القراءة والكتابة، وبعد أن تعلّمهما تعلّم العلوم العربية، وأكمل مرحلة المقدّمات وعمره لا يزال ثماني سنوات، وعندما بلغ عمره اثني عشر عاماً بدأ يحضر دروساً في الفقه والأُصول، وذلك في مدينة شيراز.

ثمّ سافر إلى أصفهان عام 1248 هـ، ودخل مدرسة الصدر للعلوم الدينية، فشرع بكلّ جدّ ومثابرة في دراسة العلوم العقلية والنقلية، وقد حضر درس علامة اصفهان الشيخ محمد تقي الأصفهاني صاحب «الحاشية على المعالم»، وجد الأسرة المعرفة بمسجد شاهي، واستمر في تلقي العلم عنده حتى وفاة الشيخ الأصفهاني، ثم اختص بالعلامة الجليل السيد حسن البيدآبادي الشهير بالمدرس واستفاد من بحثه حتى ظهرت مقدرته العلمية، وأجازه إجازة وافية.

ثم حضر بحث المحقق الشيخ محمد إبراهيم الكرباسي ـ جد الأسرة الكرباسية المنتشرة في العراق وإيران ـ واستفاد من علمه الغزير حتى أصبح ممن يشار إليه بالبنان، بعد ذلك استقل بالتدريس وعد من أفاضل أصفهان وتخرج من حوزة درسه جماعة من الأفاضل.

 

السفر إلى العراق:

 بقي السيد المجدد في اصفهان حوالي عشر سنوات، ثمّ سافر إلى كربلاء المقدّسة عام 1259 هـ لإكمال دراسته الحوزوية، ثمّ بعد ذلك بفترة قصيرة سافر إلى النجف الأشرف لإكمال دراسته الحوزوية العليا فحضر بحث الفقيهين الشهيرين: الشيخ حسن كاشف الغطاء صاحب أنوار الفقاهة»، والشيخ محمد حسن صاحب «جواهر الكلام في شرح شرايع الإسلام».

بعد ان وافى أستاذيه الأجل اختص ببحث الشيخ الأعظم الأنصاري، ولازمه ملازمة الظل، والشيخ بدوره رعاه رعاية خاصة، واعتنى به عناية عظيمة بعد ان ترسم فيه النبوغ، فكان الشيخ يفضِّله على طلبته، ويصرح باجتهاده، وسمو فكره، واستمر إلى رحيل الشيخ الأعظم الأنصاري عام 1281هـ.

 

زمام المرجعية العليا:

«ولم أبالغ لو قلت: إنه لم يأت لحد التاريخ في رجالات الشيعة الإمامية من رجال الدين، والذين تصدوا لهذا المنصب الخطر الخطير، مع تلك الظروف الحرجة التي عاش فيها السيد المجدد الشيرازي من يضاهي هذا الزعيم المحنك الخبير البصير» 

السيد محمد كلانتر تحقيق كتاب المكاسب ج1 ص140

إثر وفاة الشيخ الأعظم وزعت المرجعية في الطائفة الإمامية بين المجدد الشيرازي والسيد الكوه كمري التبريزي، ونال السيد الشيرازي منها النصيب الأوفر، بعد ذلك توفى السيد الكوه كمري عام 1299هـ فتفرد المجدد الشيرازي قدس سره بالمرجعية وانقادت له الطائفة الإمامية في مختلف أصقاع البلاد الشيعية.

عام 1288هـ تشرف بزيارة البيت الحرام لأداء فريضة الحج في أحسن حال فنوى ان يقيم في المدينة المنورة مجاور قبر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله فلم يتم له ذلك، ثم حاول أن يجاور قبر الإمام الرضا عليه السلام في مشهد المقدسة فلم تتيسر له الأمور.

 

كربلاء المقدسة ثم سامراء المشرفة:

عام 1291هـ قصد زيارة سيد الشهداء عليه السلام لأداء مراسم زيارة النصف من شعبان المعظم وبعد ذلك قصد مدينة سامراء المشرفة لزيارة الإمامين الهمامين الهادي والعسكري عليهما السلام، فدخل مدينة سامراء آخر شهر شعبان المعظم 1291هـ فنوى الإقامة فيها عشرة أيام ليصوم شهر رمضان المبارك ويتشرف بزيارة الحرم المطهر في الليل، لئلا يخلو الحرم في الشهر الفضيل ليلاً من الزائرين حيث كان الحرم يغلق بعد فريضة العشاء إذا لم يتشرف بالزيارة أمثال سيدنا المترجم.

مضى شهر رمضان المبارك والسيد المجدد في سامراء وتلامذته ينتظرون مقدمه الشريف وهم جاهلون عن حقيقة الحال، انصرمت الأيام والليالي والسيد في سامراء المشرفة إلى أن طال الأمد فكتب إليه بعض طلبته من الخواص يستفسر عن سبب تأخره عند ذلك أبدى لهم رأيه وأخبرهم بعزمه على السكنى في سامراء.

وعلى اثر ذلك التحق به خواص أصحابه، والمبرزون من تلامذته كالعلامة النوري والمولى فتح الله والشيخ فضل الله النوري ـ شهيد ثورة المشروطة في إيران على يد يفرم خان الأرمني ـ، وبعد ان انتشر الخبر أخذ طلبة العلم في حوزة النجف الأشرف وأعلامها بالسفر إلى سامراء وبلغ عدد المهاجرين إليها بالآلاف فأصبحت سامراء بعد إن كانت قرية صغيرة وقرية تابعة إلى قضاء الدُجيل عاصمة علمية كبيرة من اكبر العواصم العلمية الشيعية، ومن أعظم المعاهد الدراسية بفضل هذا الزعيم الديني، وصارت مكتظة برجال الدين ونوابغ العلماء كالسيد حسن الصدر، والسيد إسماعيل الصدر، والسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، والسيد محمد الأصفهاني، والسيد ميرزا إسماعيل الشيرازي ـ ابن عم السيد المترجم ـ، والمحقق الخراساني، والحاج محمد حسن كبة، وإضراب هؤلاء الأعلام الذي ملئوا الآفاق علما وآثارا.

فلما رأى السيد المجدد كثرة الوافدين شرع في بناء مدرستين ـ ولا تزال قائمتين الى اليوم وتسمى مدرسة الإمام الشيرازي ـ وبنى للمعيلين من الأفاضل دورا كثيرة.

 

من تلامذة المجدد:

الشيخ محمّد كاظم الخراساني المعروف بالآخوند، السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي، الشيخ محمّد حسين الغروي النائيني، الشيخ محمّد القمّي المعروف بالأرباب، الشيخ محمّد الكاشاني المعروف بالآخوند الكاشي، السيّد إسماعيل الصدر، السيّد مهدي الحيدري، السيّد محمّد علي الشاه عبد العظيمي، الشيخ حسين النوري الطبرسي، الشهيد الشيخ فضل الله النوري، الشيخ محمّد كاظم الشيرازي، الشيخ محمّد تقي الشيرازي، السيّد عبد الحسين اللّاري، الشيخ هادي المازندراني، الشيخ حسين السبزواري، السيّد إبراهيم الدامغاني، الشيخ علي الروزدري، السيّد محمّد الفشاركي، الشيخ رضا الهمداني، السيّد حسن الصدر.

 

من صفاته وأخلاقه:

1ـ ذكاؤه: كان السيّد يتمتّع بذاكرة قوية وعجيبة، ويُنقل عنه أنّه كان يحفظ أكثر القرآن الكريم، وأدعية الأيّام، وزيارات المشاهد المقدّسة، ولم يُنقل عنه أنّه عندما كان يذهب للزيارة يصطحب معه كتاباً أو أيّ شيء آخر من كتب الزيارة.

2ـ هيبته ووقاره: يقول أحد أصدقائه: «قضيت مع السيّد مدّة طويلة نتباحث سويّة في الدروس، إلّا أنّه لم تكن لديّ الجرأة الكافية على النظر إلى وجهه، وعندما كنت أُريد الدخول عليه كنت أحسّ بأنّ قلبي يأخذ بالاضطراب، بالرغم من أنّه كان بشوشاً وسمحاً ولطيفاً».

3ـ مساعدته للمحتاجين: خصّص السيّد جزء من الأموال الشرعية لمساعدة المحتاجين والفقراء، وكان وكلاؤه يقومون بإيصال تلك المساعدات إلى أُولئك المستحقّين عن طريق قوائم أُعدّت مسبقاً بأسمائهم.

4ـ احترامه للضيف: كان السيّد يُبالغ في احترام ضيوفه، والمعروف عنه أنّه كان يتناول يومياً وجبة طعام واحدة، بينما نجده في الحالات التي يزوره فيها أحد أصدقائه ويبقى عنده يقوم بتناول ثلاث وجبات معه إكراماً واحتراماً.

5ـ احترامه للعلماء والطلّاب: كان السيّد يُعامل العلماء وطلّاب الحوزة العلمية معاملة الأب الرحيم، ولا يغفل عن متابعة أُمورهم، ويقابلهم بمُنتهى الأدب والاحترام، حتّى لو كانوا حديثي عهد بالدراسة، فهو يسمع أقوالهم وشكاواهم، ويقوم برفع احتياجاتهم، وهكذا كان حتّى مع الناس العاديين، فضلاً عن أفراد عائلته.

 

من مشاريعه:

1ـ جعل مدينة سامرّاء المقدّسة مدينة آمنة، بعد أن كان أغلب سكّان المدينة وضواحيها ـ قبل مجيء السيّد الشيرازي ـ يعيشون على السلب والنهب والفساد، بحيث أنّ الزوّار الذين كانوا يأتون لزيارة العتبات المقدّسة الموجودة فيها لم يكونوا يشعرون بالأمن والاستقرار، ممّا لم يكن يشجّع الزوّار بالعودة إليها مرّة أُخرى.

وكانت هذه الأُمور من الأسباب الرئيسية التي دفعته للسفر إليها، واتّخاذها محلّا دائماً لإقامته إلى آخر لحظات عمره الشريف، وقد ظلّت سامرّاء المقدّسة مركزاً علمياً لتحصيل العلوم الإسلامية، ومحلّا لتجمّع العلماء حتّى وفاته.

2ـ بنى مدرستين لطلبة العلوم الدينية في سامرّاء المقدّسة، وتُعتبر من أكبر المدارس العلمية الشيعية في العراق، وظلّتا قائمتين تحكي قصّة العصر الذهبي للفكر الشيعي إلى أن جاء نظام العراقي البائد ـ النظام العفلقي الصدامي ـ وقام بتخريبهما تعبيراً عن حقده الدفين للإسلام وعلمائه.

3ـ بنى جسراً في سامرّاء المقدّسة؛ وذلك لتسهيل وفود الزائرين والمسافرين إليها، بعدما كان الناس يستخدمون الزوارق للعبور إلى المدينة.

4ـ أمر بإعادة ترميم بناء المرقدين الشريفين للإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام، وبنى إلى جانبهما حسينية وسوقاً كبيراً، مع حمّامين لخدمة الزوّار القادمين إلى المدينة.

 

حركة تحريم التبغ:

في زمن حكم الدولة القاجارية في إيران تمّ التوقيع على عقد بين ناصر الدين الشاه القاجاري وبين بريطانيا، وذلك عام 1306 هـ، وبموجب هذا العقد فإنّه يحقّ للإنجليز التصرّف بالتبغ (التتن) في داخل إيران وخارجها، وعلى أثر هذا الامتياز وصل إلى إيران أكثر من مئتي ألف أجنبي، قاموا باستغلال الناس واستضعافهم، وإشاعة المفاسد الاجتماعية والأخلاقية.

وقد أرسل السيّد الشيرازي برقية من سامرّاء المقدّسة إلى الشاه القاجاري حول هذا الموضوع، نقتطف منها ما يلي: «إنّ تدخّل الأجانب في الأُمور الداخلية للبلاد، واختلاطهم بالمسلمين، وإشاعة الفساد تحت ستار امتياز التنباكو، يُعتبر منافياً لصريح القرآن الكريم والقوانين الإلهية، وبالتالي يُؤدّي إلى ضعف الدولة وعدم تمكّنها من المحافظة على سيادتها واستقلالها، وهذا ممّا يزيد قلق المواطنين وقلقنا على مستقبل المسلمين».

أمّا موقف الحكومة القاجارية ضدّ هذه الفتوى فقد كان عنيفاً، لذلك بدأت بوادر النهوض والتحرّك عند الناس بقيادة العلماء ضدّ الحكومة، وبعد مراسلات ومحاورات جرت بين السيّد الشيرازي والحكومة لم يتوصّل الطرفان إلى نتيجة؛ بسبب تصلّب مواقف السلطان القاجاري العميل للإنجليز، ممّا اضطر السيّد الشيرازي إلى إصدار فتواه المشهورة: «بسم الله الرحمن الرحيم، اليوم استعمال التنباكو والتتن بأيّ نحو كان يُعتبر محاربة للإمام صاحب العصر والزمان صلوات الله وسلامه عليه».

ثمّ أعقبها بالفتوى الأُخرى، وهي: «إذا لم يُلغَ امتياز التنباكو بشكل كامل سأعلن الجهاد العام خلال ثمان وأربعين ساعة»، وعلى أثر ذلك حدثت اضطرابات وتظاهرات في أماكن متعدّدة تطالب بإلغاء امتيازه بصورة كاملة، وأخيراً اضطرّت الدولة وتحت ضغط الجماهير بقيادة العلماء إلى الإعلان عن إلغاء الامتياز كاملاً.

وبكلمة موجزة يمكن القول: بأنّ قضية التنباكو كانت في الواقع نهضة إسلامية ضدّ الأهداف الاستعمارية، قادها علماء الدين الأفاضل برعاية السيّد الشيرازي لنيل الحرّية والاستقلال، والحفاظ على الهوية الإسلامية للشعب الإيراني المسلم.

 

من مؤلّفاته:

منهج النجاة (باللغة الفارسية)، زاد المتّقين (باللغة الفارسية)، حاشية على سراج العباد (باللغة الفارسية)، رسالة في المشتقّ، تقريرات بحثه، رسالة في اجتماع الأمر والنهي، رسالة في الرضاع، كتاب في المكاسب، كتاب الطهارة، زبدة المسائل.

 

وفاته:

لبى السيد المجدد الشيرازي قدس سره نداء ربه الكريم يوم الرابع والعشرين من شهر شعبان المعظم عام 1312 هـ بمدينة سامرّاء المشرفة، وهي نهاية حياته المشرفة التي قضاها في سبيل إعلاء كلمة الدين فرضوان الله تعالى عليه.

كان لوفاته رنة حزن وأسى عميق في نفوس المسلمين عامة، والطائفة الشيعية الامامية خاصة. وقد شيع جثمانه الشريف حملاً على الرؤوس والأعناق من سامراء إلى مثواه الأخير في النجف الأشرف ودفن في مقبرته الخاصة بجنب باب الصحن الشريف ـ باب الطوسي ـ على يمين الخارج من الصحن الشريف. والحمد لله رب العالمين.