الرّسائِل السّجّاديّة

نزار حيدر

لقد حمل الإمام علي بن الحسين زين العابدين السجاد عليه السلام على عاتقه أربع رسائل، هي على التوالي:

رسالة كربلاء

رسالة الحقوق

رسالة الدعاء

رسالة التربية والتعليم

والذي ينتبه الى جوهر الرسائل التي يتصدى لها كل إمامٍ من أئمة أهل البيت عليهم السلام سيلاحظ انها تنبع من ظرفية الزمان والمكان الذي يعيشه كل واحد منهم، فاختيار الرسالة لا يأتي من فراغ وهي ليست عبثية أبداً، بل انها رسائل هادفة تصيب الحقيقة والحاجة بلا زيادة او نقصان أبداً، وعلينا ان نتعامل معها على هذا الأساس، لنفهم ونعي هدف هذه الرسائل بشكل دقيق، لنُحسن الاختيار عندما نريد ان نركن إليها حسب الظروف والحاجة، طبعاً من دون ان يعني ذلك ان ليس فيها رسائل شاملة تنسجم مع كل زمان وفي كل مكان.

هذا من جانب، ومن جانب آخر، فان كل رسائلهم عليهم السلام، مهما تنوّعت ومهما اكتسبت من أولوية، بعضها على البعض الآخر، إنما جوهر هدفها هو تحقيق العدل في المجتمع، على اعتبار ان العدل هو جوهر رسالات السماء، ولذلك فان مشروع الظهور المقدس للإمام المهدي ـ عجل الله تعالى فرجه ـ يَصُبُّ في هذا الهدف، فهو (يملأ الارض قسطاً وعدلاً).

والآن: لماذا اختار الإمام السجاد عليه السلام هذه الرسائل تحديداً دون سواها؟.

لمعرفة الجواب ينبغي لنا ان نتخيّل، أولاً، عِظم الحادث الذي شهدته كربلاء في يوم عاشوراء، فانْ تقتل الأمة ابن بنت نبيها صلى الله عليه واله بعد مرور اقل من نصف قرن من رحيله الى الرفيق الأعلى من بين ظهرانيها، وبتلك الطريقة المفجعة، فهذا يعني انها كانت تمر بأمراض اجتماعية وأخلاقية خطيرة ورهيبة، كما يعني ذلك انها كانت مصابة بانحراف عظيم.

من خلال هذا التصور يمكننا ان نجيب على التساؤل؛ لماذا اختار الإمام عليه السلام هذه الرسائل تحديداً.

بالنسبة الى الرسالة الأولى فهي شيء طبيعي ان يتصدى لها الإمام على اعتبار انها محور حركة الإسلام التي تقتضي التبليغ لمعركة الحق ضد الباطل، والتي تجسدت في كربلاء في يوم عاشوراء عام ٦١ للهجرة بشكل عميق وواسع جداً، ففي لحظة إطلاق الإمام الحسين عليه السلام ملامح خط سيره ضد الظلم عندما قال: «مثلي لا يبايع مثله» تجسّدت أسس الصراع بين الحق والباطل لتصل الذروة باستشهاده عليه السلام في كربلاء وبقرار مباشر من ابن الطلقاء الطاغية الأرعن يزيد بن معاوية حفيد آكلة الأكباد هند وحمامة صاحبة الراية في الجاهلية.

لقد بذل الأمويون جهداً عظيماً لمحو اثر كربلاء، وفي المقابل بذل الإمام السجاد عليه السلام جهداً عظيماً للحفاظ عليها متّقدة، عصيّة على التحريف والتخريف، فكان ان نجح الإمام وفشلوا، وإنّ ما نراه اليوم من شعائر تحيي ذكرى عاشوراء الا دليلٌ على ذلك.

اما الرّسالتان الثانية والثالثة، فقد نبعتا من الواقع المر الذي مرت به الأمة بعد كربلاء، بل ان كربلاء كشفت عن هذا الواقع المر الذي كان بحاجة الى علاج جذري يمسّ إعادة بناء الشخصية (المسلمة) من جديد.

فعندما ترتكب الأمة جريمة بشعة وعظيمة تمثلت بحزّ راس سِبْط رسولها الإمام الحسين عليه السلام وذلك بعد اقل من نصف قرن على رحيل جده رسول الله صلى الله عليه واله الذي قال عنه: «حسين مني وانا من حسين»، و: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»، فان ذلك مؤشر على وجود خلل عميق في الشخصية (الاسلامية) على مستويين: الأول؛ هو العلاقة مع الله تعالى، والتي عالجها الإمام السجاد عليه السلام برسالة الدعاء، والثاني هو العلاقة مع بعضها البعض الآخر، اي العلاقة داخل المجتمع الإسلامي، والتي عالجها الإمام عليه السلام برسالة الحقوق.

فعندما نرى المجتمع يتقاتل على أتفه الأشياء ويشي بعضه بالبعض الآخر ولا يحترم الصغير فيه الكبير ولا يعطف الكبير فيه على الصغير، والمرأة فيه مُهانة والسلطة ظالمة للرّعية والأخيرة لا تنصف الأولى، وهكذا، فهذا يعني ان في المجتمع خللٌ خطير في فهمه للحقوق والتي تعني الحدود، فلو كان المجتمع يفهم حدوده لما تجاوز احدٌ على حقوق أحدٍ.

كذلك، عندما تشيع المظالم والفواحش والجرائم في المجتمع فذلك مؤشر على الفجوة الكبيرة بينه وبين الله تعالى، الأمر الذي لا يمكن علاجه الا بالدعاء الذي يعيد هذه العلاقة الى مسارها الصحيح.

ان ما يمرّ به العراق اليوم سببه أمران:

الأول؛ هو ضياع الحدود التي ترسم معالم العلاقة بين أبناء المجتمع الواحد، فبدلاً من ان تحكم قيم مثل المواطنة والمساواة والعدل والكرامة والتكافل الاجتماعي والتسامح والتراحم والتعاون وغير ذلك، العلاقة بين أبناء المجتمع العراقي، نرى ان (قيم) مثل التباغض والتلاعن والظلم والتفرقة على أساس الدين والمذهب والإثنيّة والمناطقية والعشائرية والكراهية والتربّص والاستئثار وروح الانتقام وغيرها من الأمراض الاجتماعية هي الحاكمة في المجتمع العراقي، وهذا لا يمكن ان نعالجه الا بالعودة الى مفاهيم الحقوق المتبادلة بين الناس ليقف كل واحدٍ عند حدّه فلا يتجاوز على حق الآخرين مهما كانوا، زوج او زوجة او أولاد في العائلة الواحدة، او أستاذ وتلميذ ورئيس وموظف صعوداً الى المسؤول والمواطن، مهما علت درجة هذا المسؤول ومهما دنت درجة ذاك المواطن، فالكل متساوون في الحقوق والواجبات بلا تمييز او امتيازات خاصة، الا ما ميّزهم به القانون ومعايير الإنسانية مثل العلم والخبرة والتجربة والنجاح والخدمة العامة وغير ذلك.

اما الثاني: فابتعاد المجتمع عن الله تعالى، والا؛ ماذا تسمي تورط جماعات العنف والارهاب بدماء الأبرياء وبهذه الطرق الوحشية التي تقشعرّ لها الابدان؟ لو كان هؤلاء قريبون من الله تعالى هل ارتكبوا مثل هذه الجرائم؟ هل اعتدَوا على أعراض الناس وأموالهم وممتلكاتهم؟ هل فجّروا ودمّروا الحضارة والتاريخ والمدنية كما فعلوا في الموصل الحدباء مثلا؟.

لقد عمد رسول الله صلى الله عليه واله الى قَصّ قميصه بالمقصّ عندما نامت عليه قطّة لأنه لم يشأ إرعابها وايقاضها بشكل تعسّفي، لانه كان قريباً من الله تعالى ويخشاه، فكانت رحمة الله قريبةً منه، اما هؤلاء الإرهابيون فقد ابتعدوا جداً عن الله تعالى فأبعدهم رب العزة عن رحمته، حتى تورّطوا بكل جريمة نجسة يئسوا بسببها من رحمة الله تعالى ولسان حالهم قول الله تعالى: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ).

اما الرسالة الرابعة والأخيرة، رسالة التربية والتعليم، فهي الأساس القوي والمتين لكل بناء حضاري، فإذا كان الطاغوت يعتمد سياسات التجهيل لتعمية المجتمع وتخديره، وبالتالي السيطرة عليه لاقتياده بالطريقة والوجهة التي يريدها، فان التربية السليمة والتعليم القويم هما المنبع الذي يعتمدهما الإسلام لخلق مجتمع حيوي يميّز مصالحه بشكل صحيح ولا يركن الى ظلمٍ او تعسفٍ أبداً.

لقد اعتمد الإمام السجاد عليه السلام سياسات تربوية وتعليمية راقية أفضت الى تغيير اجتماعي كبير، يشهد على ذلك الحركة العلمية التي ظلت من بعده عليه السلام ثم تطورت في زمن الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق عليهما السلام بصورة ملحوظة.