عصرنةُ الخطابِ الحسيني.. لماذا؟ وكيفْ؟

نزار حيدر

إن محاولات تحجيم النهضة الحسينيّة، أو سجن الأهداف السامية لكربلاء وعاشوراء في أُطرٍ طائفيّة أو فئوية ضيّقة، تُعدُ جريمة بحق الإنسانية، وظلم للبشريّة التي تبحث اليوم عن الجوانب المعنوية السامية، بعد ان أشبعت الجانب المادي في حياتها حدّ التُخمة.

والمحاولات هذه على نوعين:

 الاول/ هي التي تحصر النهضة في (العَبرة) فقط، فلا تعير (العِبرة) ايّ اهتمام، وكأنّ الحسين السبط عليه السلام استُشهد في كربلاء من اجل ان نبكي عليه فقط او أن نقيم عليه المآتم لإحياء ذكراه الخالدة.

انها تُقدّم الحسين عليه السلام العاطفة فقط، ولذلك فهي تحجِّمُه بإِبعادِه عن الحقائق الأخرى التي نهض من اجلها الإمام عليه السلام.

الثاني/ هي التي تتعامل مع كربلاء على انها حدثٌ تاريخيٌّ فحسب، وأنها تراجيديا تخصّ فئة من الناس، او مجموعة من المسلمين.

انّهم يتعاملون بطائفيّة مقيتة وفئويّة ظالمة تتعدّى على حقوق الإنسانية وتتجاوز على العقل البشري الذي يعشق الحق بغض النظر عن دينه ومذهبه وعنوانه وجغرافيّته، فما بالك اذا كان هذا الحق يتجلى على يد سبط رسول الله صلى الله عليه واله؟.

ان الإمام الحسين عليه السلام هو القرآن الناطق، وهو الامتداد الطبيعي لسيرة جدّه رسول الله صلى الله عليه واله وأبيه أمير المؤمنين عليه السلام كما يحدثنا عن ذلك هو عليه السلام بقوله: «لأسير بسيرة جدي رسول الله وأبي علي بن ابي طالب»، فهو لمّا كان كذلك، ينبغي ان نتعامل معه ومع قضيته ومنطلقاته وأهدافه وأدواته كما نتعامل مع القران الكريم والرسالة والولاية، فهو للناس كافة، لا يجوز حصره بفئة او بمجموعة أبداً، فانّ ذلك يضرّ بنا قبل ان يعتدي على الحدث السامي.

فكيف يمكن ان ننطلق بكربلاء من فضاء الحدث الآني الذي مضى في إطار (الدين) و(المذهب) الى الحدث الإنساني الخالد الذي يشعُّ قِيَماً نبيلة وأهدافاً عظيمة للإنسانية جمعاء؟.

برأيي، فإنّنا بحاجة أولاً وقبل اي شيء آخر، الى ان نعيد النظر في نوعية الخطاب الذي لازلنا نستخدمه في عرض وتقديم النّهضة الحسينيّة، وهذا يحتاج الى ان ننتبه الى نقطة في غاية الأهمية تخص (اللّسان) الذي نتحدث به للآخر، فلكل جماعة او أمة لسانها الخاص كما هو معلوم، وان هذا الاختلاف في الألسن يعتبره القران الكريم من آيات الله تعالى التي تدلّ على وحدانيته وعظمته ورحمته كما في قوله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) وليس المقصود بالألسنة هنا هذا العضو الصغير الذي يأخذ حَيِّزاً ما في الفم، أبداً، فهو لا يختلف من إنسان لإنسان بالشكل والحجم والوظائف، كما انه لا يعني اللغة فحسب، والا فان القران الكريم نزل باللغة العربية فلماذا لا يفهمه بعض العرب وقت نزوله؟ او شكّكوا وكفروا به؟ إنما المقصود باللسان هنا، حسب فهمي القاصر، هو الثقافة وطريقة التفكير، فما يفهمه الإنجليز مثلا ويتبنّونه من ثقافات وطريقة تفكير تختلف عما يتبنّاه الأميركان، على الرغم من ان لغة كلا الشعبين واحدة هي الانجليزيّة، صحيح ان لهذه اللغة قواسم مشتركة في المفاهيم والمتبنّيات الفكرية والثقافية والأدبية، ولكن، يبقى انّ لكلّ شعبٍ ثقافته وطريقة تفكيره واستيعابه للأمور.

وهكذا بالنسبة لبقيّة الشعوب والأمم، فلكلٍ لسانٓه، اي ثقافته وطريقة تفكيره وفهمه للأشياء على الرغم من تشابه الكثير منهم في اللغة.

ولهذا السبب نرى ان القران الكريم اهتم كثيراً بفكرة تطابق بعثة الرسل والأنبياء مع لغة الأمم المُرسَلة لها الرسالة، وهي هنا المستقبِل او المتلقّي، فهو ينبّه في أكثر من آية الى فكرة تطابق لغة (الرسول والرسالة والمستقبِل) بما يحقق مبدأ الفهم الحقيقي للرسالة ليس باللسان الذي يعني اللغة فحسب، أبداً، وإنما بالثقافة وبطريقة تفكير المتلقّي، وما يفهمه من الآيات والبراهين، فقال تعالى مثلا (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، وفي آية اخرى (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) وان موسى عليه السلام طلب من ربه عندما بعثه الى فرعون ان يبعث معه أخاه هارون خشية ان لا يتمكّن من إيصال الفكرة بشكل سليم على الرّغم من انّ لغته ولغة أخيه ولغة فرعون واحدة لا تختلف، فقال عليه السلام كما ورد في القران الكريم: (وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ) لماذا؟ (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ).

تأسيساً على كل ذلك، ينبغي لنا ونحن نبلّغ لعاشوراء ونسعى لنقلها إلى الآخر في هذا العالم، ان ننتبه الى ثقافة الآخر وطريقة تفكيره وفهمه للأمور، فلا نترجم القضية الى اللغات الأخرى أبداً فان ذلك لا ينفع في شيء، وإنّما يجب ان نترجمها كثقافة وطريقة تفكير وفهم للقضايا والأمور، فلا يكفي ان تترجم كراساً يتحدث عن كربلاء وعاشوراء والحسين عليه السلام الى اللغة الانجليزية مثلا او الفرنسية لتنشره في وسط المجتمعات التي تتحدّث هاتين اللغتين، أبداً، فلكل مجتمع ثقافته وطريقة تفكيره وفهمه للأمور على الرغم من وحدة اللغة.

يجب علينا ان نفهم (اللّسان) هنا بالثقافة وطريقة التفكير واستيعاب الأمور، وليس اللغة فحسب، لنضمن تفاعلا اكبر وأعمق مع الحسين عليه السلام ومبادئه وأهدافه وقيمه، وكل ما يتعلق بنهضته المباركة وحركته الخالدة.

انّ علينا ان نُترجم الدم الطاهر الذي سال على ارض كربلاء في يوم عاشوراء من نحور الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه، الى ثقافة الآخر والى طريقة فهمه للأمور واستيعابه للمفاهيم، فلا يكفي ان نترجم هذا الدم الى اللغات العالمية اذا لم نأخذ الثقافة بعين الاعتبار، فقد يكون المردود سلبياً فينقلب التأثير الإيجابي الذي نبغيه من عملية التبليغ الى اثر سلبي لا سمح الله، وصدق الله الذي قال في محكم كتابه الكريم: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) ومن الحكمة والموعظة الحسنة معرفة ثقافة الآخر وطريقة تفكيره واستيعابه للأمور.

انّ اللّغة لا تتغيّر على مرِّ العصور والأزمنة، وإنما الذي يتغيّر هو الثقافة وطريقة التفكير وفهم الأمور، ولذلك نرى ان بعثة الرسل والأنبياء تختلف من عصر الى عصر في إطار اللغة الواحدة، صحيح ان الهدف واحد والذي يحصره القران الكريم بقوله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) او قوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم) الا ان المادة والمحتوى والطريقة والأدوات كلها تختلف بعضها عن البعض الآخر، من اجل ان تستوعب الرسالة متغيّرات الزمان والمكان في إطار تغيّر وتطوّر الثقافة وطريقة التفكير والفهم، على الرغم من وحدة اللغة وثباتها، ما يعني تغيّر (اللّسان) وتبدّله وتطوّره بمفهوم الثقافة والإدراك وفهم الأشياء، وليس بمفهوم اللغة.

لقد ظلّت البعثات الإلهية تترى على اهل اللّسان الواحد كلغة لتستوعب كل المتغيّرات الثقافية وطريقة التفكير والاستيعاب، حتى ختمها الله تعالى ببعثة الرسول الأكرم صلى الله عليه واله الذي جاءت معجزته هذه المرة القرآن الكريم الذي يتميّز بقدرته الخارقة على استيعاب متغيرات الثقافة وطريقة التفكير والاستيعاب ليس للسانٍ واحدٍ فقط (الثقافة العربية) وإنما ليستوعب كل الثقافات وطرق التفكير والفهم والوعي والإدراك لمختلف الألسنة وعلى مر العصور والأزمان، ما يدلّ دلالة واضحة على ان اللّسان المقصود ليس العضو الذي يحويه الفم ولا اللغة التي يتفاهم بها الناس، وإنما الثقافة وطريقة التفكير والفهم والاستيعاب، وتأسيساً على هذه الحقيقة في وعي القران الكريم يمكننا ان نفهم سرّ خلوده، وكيف انّ السّماء ختمت البعثات والرسالات بالإسلام.

ليس من المعقول ان تبقى طريقة التبليغ وأدواته ومفاهيمه على حالها من دون تغيير وتطوير في زمن العولمة ونظام القرية الصغيرة، فلقد تغيّرت كثيرا الثقافات وطريقة التفكير وفهم الأمور عند الشعب الواحد فما بالك بالشعوب المختلفة والمتعددة؟ على الرغم من ان مفهوم (اللّسان) كلغة لم يتغيّر في المجتمع الواحد، وصدق الله الذي قال في محكم كتابه الكريم: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ).