شيعة أهل البيت عليهم السلام والتهجير القسري أسبابه وأصوله

alshirazi.net

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين واله الطيبين الطاهرين والعنة الدائمة على أعداءهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

 

إطلالة تاريخية:

المتتبع المنصف للأمور التاريخية ليقطع بأن ظاهرة التهجير القسري ليست بالجديدة فلقد مورست وبشكل واسع عجيب ضد أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام على حدٍ سواء من السادة العلوين ـ الذي هجِّروا حتى حدود موسكو ـ أم عامة الشيعة الآخرين.

 ابتدأ الأمر أيام معاوية بن أبي سفيان «مؤسسة الدولة الأموية» عند دخوله الكوفة إثر صلحه مع الإمام الحسن بن علي عليهما السلام حيث مارس ضد الشيعة أقسى أنواع التعذيب والقتل والسجن والتهجير الأمر الذي أدى بالكثير منهم إلى الهروب إتقاءاً لبطش جلاوزة الحكم الأموي، وذات الأمر قد مورس في اليمن بقيادة بسر بن ارطأة وتقتيله وتشريده (تهجيره) للشيعة فقد فعل فيهم من القبائح ما يعجز اللسان عن بيانه والقلم عن كتابته، وحادثة استباحة المدينة جلية للمثقف الواعي، كذلك ما فعله الحجاج بن يوسف الثقفي بحق شيعة أمير المؤمنين عليه السلام، ولو أردنا استقصاء جرائم الأبادة الجماعية والتهجير القسري أبان الحكم الأموي وكذا العباسي لخرجنا عن إطار وجازة المقال.

وعلى كل حال ان هذه الممارسات المخالفة للقيم الإنسانية فضلاً عن الدينية تكرست عبر الزمن ثقافةً في أوساط بعض شرائح المجتمع البعيد عن تعاليم مدرسة أهل بيت العصمة والرسالة صلوات الله عليهم بل ان هذا الأمر دخل حتى في فقه بعض المذاهب المنحرفة والمخالفة للدين المحمدي الحق، وبصورة موجزة ان السياسة المنحرفة خلقت أسلاماً جديداً منحرفاً عن الإسلام المحمدي الحق يرى في قتل الأبرياء وتهجيرهم والتنكيل بهم ثواباً عظيماً موجباً لدخول الجنة والتلذذ بما فيها لاسيما الحور العين، وازداد الأمر سوءاً والثقافة إطاراً متشدداً بتدخل الدول الأجنبية وخلق عقيدة قائمة على أنقاض التراث الأموي العباسي متمثلة بالإسلام الأيوبي.

 

مصر والإرهاب الأيوبي:

قامت الدولة الفاطمية سنة 297 هجرية شمال أفريقيا ومصر برئاسة أبي عبد الله المهدي وبمعونة أبي عبد الله الشيعي الذي يعتبر المؤسس الحقيقي لها. وبسط الفاطميون سلطانهم على أفريقيا من المحيط الاطلسي حتى برزخ السويس والشام، ولهم السلطة في اليمن أيضاً، ولولا هزيمة جيوشهم أمام الأتراك سنة 451 هجرية لبلغوا جبال الهملايا.

بلغت الحضارة الإسلامية في عهد الفاطميين الازدهار فقد بنو المدن والمساجد وأنشأوا المكتبات والجامعات واتسعت التجارة والزراعة وانتشرت الآداب والفنون وأنواع العلوم.

كما وامتاز الحكم الفاطمي بابتعاده عن الطائفية لذا فقد عين الكثير من المخالفين في مناصب الدولة حتى تلك المعروفة بالوزارات السيادية ومنها ان الخليفة الفاطمي العاضد نصّب صلاح الدين الأيوبي ـ بعد وفاة عمه أسد الدين شيركوه سنة 564 هجرية ـ في الوزارة ولقبه بأمير الجيوش والملك الناصر، الا أن الغدر من طبيعته وسجيته التي تلقاها إثر التربية الطائفية التي نشأ عليها فغدر بالفاطميين وانقلب عليهم وضم مصر الى مملكته، ولأجل استتباب الأمر له اتخذ سياسة  تجهيل الأمة وإبعادها عن الإسلام الحق فقام بالعمل على تخلف المسلمين عبر إحراق المكتبات وإبعاد العلماء ومحاربة الثقافة وكل ما يبت إلى النهضة الفكرية، فكيف يستطيع حكم شعب واع مثقف لاسيما في الجانب العقائدي، فقام بالقضاء على أي عامل مساعد عبر قتل وتهجير الكثير من المخالفين له لاسيما شيعة أهل البيت عليهم السلام فامتاز عصره بممارسة أنواع التعذيب والتنكيل بحق الشيعة بأبشع الصور من هتك الحرمات وحرق المكتبات والجوامع الشيعية لاسيما جامع الزهراء الشريف الذي غير اسمه تعصباً إلى الأزهر[1]، حتى إننا اليوم نستطيع القول إن مقولة التطهير الطائفي برزت من قبل الأيوبيين أكثر من غيرهم ومن يطلع على أعمال الإرهابي صلاح الدين ضد الشيعة يقطع صادقاً إنه المثال الصادق لطواغيت الإرهاب التكفيري القديم فقد اتسم حكمه بتعصب طائفي مقيت.

وقد اشعل جرّاء تعصبه المذهبي وعنفه وإرهابه الحروب والفتن بين المسلمين، فكانت ممارساته تصب في القضاء على كل اثر شيعي مهما كان بل حمل الناس على اعتناق المذهب الأشعري ومن يخالف تضرب عنقه وأمر ان لا تقبل شهادة أحد ولا يقدم للخطابة ولا التدريس إلا اذا كان مقلداً لأحد المذاهب الأربعة السنية، وبذلك أحدث فجوة لا تلتئم وجرحاً لايندمل.[2]

 

الشيعة والقرن العشرين:

إن وقائع هذا القرن كثيرة والجرائم فيه عظيمة والنتائج وخيمة فبعد أن كان للشيعة حصة الأسد في تأسيسهم للدولة العراقية عام 1920م وارتضاءهم ملك سني كتعبير صادق على انعدام الروح العنصرية الطائفية الضيقة عندهم مورست ضدهم بعد ذلك حتى من قبل ذلك الملك الذي ارتضوه، وكذا من قبل من تلاه من حكام فالقوميون كانت وطأتهم على الشيعة عظيمة بمختلف توجهاتهم وأحزابهم ومن يقرأ تاريخ العراق في ستينات القرن المنصرم يكتشف بسهولة الواقع الطائفي المقيت الذي عاشه العراق، وما القوميون إلا شراك من نعل معاوية وثقافته الموروثة القائمة على التعصب القبلي القومي المخالف للإسلام الأصيل.

 

نموذج للتعصب القومي: « الرئيس المصري عبد الناصر»:

جمال عبد الناصر رئيس مصر عام 1956 ميلادية بعد غدره برئيسها نجيب، وهو أول من بالغ في مدح صلاح الدين الايوبي ـ تبعاً لسياسة العداء والتفرقة بين المسلمين ـ وتبعه آخرون دون تحقيق، علماً بأن عبد الناصر هو من سعى في تأجيج نار الطائفية المقيتة، بل ونار القومية البغيضة بين المسلمين، فقد دعا الى القومية العربية ونفي القوميات الأخرى، كما وبلّغ للطائفية مبشراً لها وضرب مذهب أهل البيت عليهم السلام بكل إمكانياته الدعائية ووسائله الإعلامية، وبالعديد من اللغات الحية العالمية ـ فأصبح أداة طيعة بيد المستعمر الصليبي كصلاح الدين الأيوبي ـ فأدت سياسته هذه الى تخلف مصر وتقهقرها بل خسارة العالم الإسلامي اجمع.[3]

وحينما سيطر القوميون على الحكم في العراق إثر غدرهم بقاسم عام 1963 ميلادية وثَّق عبد الناصر علاقته بهم كثيراً فأعلن عام 1964م عقد اتفاقية الوحدة مع العراق وأجراء سياسته الطائفية المقيتة عبر شبيهه وتلميذه عبد السلام عارف.

وحينما غدر البعثيون بالقوميين عام 1969م وانقلبوا عليهم في العراق أصبح شيعة أهل البيت عليهم السلام فيه مستضعفين تحت أعتى حكم طائفي عرفته البشرية في التاريخ المعاصر، وابتدأ الحكم العفلقي بتهجير مئآت الآلاف من الشيعة حتى تجاوز عدد المشمولين بإسقاط الجنسية العراقية والتهجير النصفَ مليون شيعي حتى توج الأمر بالقرار الصدّامي المرقم 666 لعام 1980م فصادر الممتلكات المنقولة وغير المنقولة، بل سن سياسة قننها تشريعاً فمن كان تابع للاحتلال العثماني ـ السني ـ فهو عراقي، ومن تابع للاحتلال الإيراني ـ الشيعي ـ فهو إيراني، بل أصدر تعليماته الحزبية بأن كل شيعي إيراني حتى ولو حمل الجنسية العراقية.  

وعندما ختم صفحة التهجير القسري بحجة التبعية اظهر العفالقة تبريراً آخر وهو العمالة للدول الأجنبية، لاسيما بعد الانتفاضة الشعبانية فهجر مئات الآلاف من الشيعة إلى دول العالم حتى لا يكاد تخلوا دولة في العالم منهم الآن رغم وجود وزارة خاصة تعرف بـ «وزارة الهجرة والمهاجرين».

 

العراق اليوم والتهجير القسري:

منذ احتلال العراق وسقوط الصنم الصدامي البغيض عام 2003م والأشهر التي تلته كان العراق قد شهد فترة هدوء نسبي لا بأس به لعدة أشهر حيث أن العصابات المسلحة الطائفية مع قوات الاحتلال والمتظاهرة بمقاومته لم تبدأ العمل ـ والظاهر إنه لم يكتمل حينها الاتفاق ـ حتى إذا ما فوجئ العراقيون بانفجارات كربلاء المقدسة واستشهاد العديد من زوار الإمام الحسين عليه السلام بعد ذلك بدأت العمليات الإرهابية تتصاعد تدريجياً وبلغت ذروتها بعد كارثة سامراء والاعتداء الآثم على المرقد العسكري المطّهر، إلا أن ظاهرة التهجير أو التهديد تفاقمت وبشكل عجيب في المناطق الشيعية المتآخمة للمناطق السنية كقضاء تلعفر الذي يعتبر بحق من أوائل مظاهر التهجير القسري للشيعة بعد سقوط الصنم والحزن العميق الذي شعر به الإرهابيون بفقدهم إياه.

بعد ذلك تفشَّت الظاهرة وتفاقمت في مناطق عديدة من العراق حتى العاصمة بغداد فأوراق التهديد والقتل مظاهر أصبحت اعتيادية في الشارع البغدادي وهاهي المناطق أو المحافظات التي تشهد أمن مستقر إلى حدٍ ما تستقبل مئات الآلاف من المهجرين عن ديارهم التي سكنوها منذ أزمنة بعيدة حتى أصبح عدد العوائل المهجرة وفق أحدث إحصائية موثقة لوزارة الهجرة والمهجرين هي ارتفاع أعداد العائلات النازحة إلى أكثر من 90000 تسعين ألف عائلة.

 

 مَن وراء التهجير القسري:

أو بعبارة أخرى ما هي الأسباب المؤدية إلى ظاهره التهجير القسري؟

أن من يكمن وراء ظاهرة التهجير القسري هو من يحقق هدفه بواسطة العصابات الإرهابية التي تهدد وتقتل وتهجر هادفاً بذلك تفتيت البنية الاجتماعية في العراق مهشماً للنسيج الاجتماعي فيه والذي تعايش فيه العراقيون منذ القدم مستغلاً بذلك عدة نقاط ضعف يمر بها العراق منها البطالة الواسعة حيث إن عدد العاطلين عن العمل بلغ 50% من سكان العراق وهي نسبة مهولة، كذلك استغل الأزمة النفسية الصعبة التي مرت على العراق إبان الحكم البعثي الجاهلي المتعصب كذلك انعدام الخدمات من ماء وكهرباء وهذا عنصر أساسي لعب فيه ما شاء له اللعب، كذلك تبعث مسألة الثأر دورها البارز في النفوس بعد السقوط.

كل هذه أسباب في نظري ليست أساسية إنما السبب الرئيسي هو الاحتقان الطائفي المتمثل بالفكر العقائدي التكفيري الذي يتجلى بوضوح في الفكر الوهابي المتزمت فالفكر الوهابي إلى حد كبير جداً يكفّر الشيعة (الرافضة) وإن (أموالهم وأعراضهم) مباحة بل ان من يقتل شيعياً فهو مثاب وأن له الجنة بلا حساب، ان مثل هذه الأفكار غزت الكثير من العقول الضعيفة ولا أقول منذ الاحتلال انما حتى في زمن الطاغية صدام كان الكثير ممن اعتنق الفكر التكفيري الذي نشأ بل وصدر اصلاً من رحم الغرب بغية السيطرة على موارد الثروة في البلاد الإسلامية لاسيما الخليج والعراق.

 

داعش أنموذج الانحراف والتشدد الوهابي:

احتل الشيوعيون أفغانستان فظهرت حركات جهادية مطالبة بالتحرير، فاستغل المعسكر الغربي هذا الأمر واخذ بدعم هذه التنظيمات والتشجيع عليها فاجتاحت البلدان الإسلامية لاسيما السعودية موجة الجهاد ضد الشيوعية والمطالبة بتحرير أفغانستان الإسلامية منها.

تشكَّلت مجاميع للجهاد فترأس ما يعرف بالمجاهدين العرب إسامة بن لادن بعد هلاك أستاذه هناك، فاستطاع وبمعية طالبان السيطرة على أفغانستان وإيجاد بيئة لإنتاج فكر منحرف بشدة أكثر من انحراف الفكر الوهابي الاموي الذي نتج عنه وقام على أنقاضه.

وبعد أحداث جسام شهدها العالم اتسع نطاق التنظيم وزاد الشقاق بين أتباعه وكثر المنشقين عنه إلى أن بلغ الأمر بظهور «داعش»، والتاريخ القريب لهذا التنظيم يبدأ في عام 2003م  مع الأردني أبو مصعب الزرقاوي، عندما أسس  «جماعة التوحيد والجهاد» في العراق، وأعلن مبايعته لأسامة بن لادن. ويمكن اعتبار تنظيم «القاعدة في بلاد الرافدين» الذي كان يتزعمه الزرقاوي بمثابة النواة الأولى لـ «داعش»، حيث كان يستقطب أتباعه من العامة «السنة» داخل العراق ومن دول أخرى.

وفي عام 2006م حاول الزرقاوي تجميع العصابات المتشددة المقاتلة تحت تنظيم «مجلس شورى المجاهدين»، بزعامة أبي عمر عبد الله رشيد البغدادي، لكن هذا المجلس لم يستمر أكثر من عشرة أشهر، إذ تم حله في نفس السنة  بعد مقتل الزرقاوي، ليحل محله أبو حمزة المهاجر على رأس تنظيم القاعدة في العراق، لكن أبي عمر البغدادي رفض البيعة له وأسس تنظيمه الخاص «دولة العراق الإسلامية». وفي عام 2010 قتل أبو عمر البغدادي لتتم مبايعة أبي بكر البغدادي أميراً للتنظيم الإرهابي الجديد.

عرف تنظيم داعش بالتفسير المتشدد للإسلام الأموي بل ان أتباعه أكثر تعصباً من معاوية ذاته كما تشهد لذلك تصرفاتهم وتصريحاتهم، ولا اعتقد ان تنظيم داعش يمثل القمة في الانحراف الوهابي بل ستشهد الأيام ظهور تنظيم أكثر تشدداً وتعصباً منه، كون داعش صنيعة استعمارية وجدت لتحقيق غايات معينة اذا تحققت صدر أمر المؤسسين الحقيقيين بالقضاء عليها ربما عبر تحالف دولي، لكن أتباع التنظيم الجهلة سيتخذوه عقيدة راسخةً وستسفر قابل الأيام عن تنظيم اشد خطورة وأكثر تعصباً من داعش ضد الإنسانية جمعاء.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

_________________

[1] ـ لمزيد من التفصيل راجع: الشيعة في الميزان، والنهاية: ج11 ص321، ونهاية الارب ج6، وتاريخ الشيعة للشيخ المظفر وغيرها.

[2] ـ صلاح الدين الايوبي التكريتي والتعصب الطائفي، الامام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره، مؤسسة المجتبى للطباعة والنشر، كربلاء المقدسة الطبعة الخامسة 1425 هجرية، ص 50.

[3] ـ نفس المصدر، ص63.