الإمام السيد محمد الشيرازي فقيهاً ومصلحاً

الأستاذ الدكتور السيد حسن الحكيم

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلى الله على محمد واله الطاهرين.

 تعد دراسة العلماء ورجال الفكر ورواد المعرفة من باب الوفاء لمقامهم والاعتزاز بمواقفهم وإحياء لنتاجاتهم المعرفية، واننا أمام علم كبير من أعلام أمتنا قد جمع بين الإصلاح والجهاد والكتابة وهو الإمام الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي، فانه يعد وريث مدرستي العلم والفقه والأدب والجهاد (النجف الأشرف وكربلاء المقدسة) فقد انتهل من علومهما وتغذى من أفكارهما وتحمل أعباء المرجعية في ظروف قاسية ثقيلة بين ستينات القرن العشرين وسبعينياته.

وكنا قد عاصرنا هذه الحقبة الزمنية، وعشنا في أجوائها الدامية، وتلمسنا جور حكامها زمانياً ومكانياً، وقد شخصّ الإمام السيد محمد الشيرازي هذه المرحلة، وهو أقدر من غيره على التشخيص، وأشار إليها بوضوح بحكم مسؤوليته الدينية وموقعه الاجتماعي، فكانت معاناته أكبر من معاناة غيره، لأنه يمثل أمة ومجتمعاً، فما كان منه إلا المجابهة وتحدي الحاكم ببسالة، والتصدي للأفكار الوافدة بروح علمية، بعيدة عن الانحياز.

 كان في هذا الجانب قد ساير قادة الأمة السابقين الذين قارعوا المستعمر الدخيل، والحاكم الظالم المتسلط على رقاب الناس، فقد سلك قدس سره طريق جده الأعلى الإمام المجاهد السيد محمد حسن الحسيني الشيرازي ورائد النهضة السياسية العملاقة المعروفة بحادثة التنباك، وقد اقلقت السلطات البريطانية، وكانت هدى والده الإمام الكبير السيد مهدي الحسيني الشيرازي مناراً لفكره النير، الذي استمد أصوله من الإمام الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني والإمام الشيخ محمد حسين النائيني وغيرهما من أعلام الفكر في النصف الأول من القرن العشرين، وما زالت القضية الاجتهادية بين انصاري المشروطة والمستبدة موضع دراسة الباحثين في التاريخ الحديث.

وقد أحاطت هذه الأحداث بفكر الإمام السيد محمد الشيرازي. واستقى من أهدافها مسارات لقيادة المجتمع، والحفاظ على وحدة الأمة وإلغاء الفوارق العرقية بين الناس، فانه قد خاض صراعاً فكرياً وسياسياً عنيفاً بين 1958 – 1970م في العراق، وما قدمته المرجعية الدينية من آراء لمواجهة المواقف العصيبة، وكانت المناداة بتأسيس حكومة إسلامية تأخذ على عاتقها بناء المجتمع والتصدي للأفكار الهدامة، فأصبحت متجسدة في فكر الإمام السيد محمد الشيرازي، وقد تلمست المرجعية العليا نبوغه الفكري والمعرفي فمنحته الإجازات العلمية، التي هي وثائق تاريخية دوّن نصوصها الإمامان السيد محسن الحكيم والسيد عبد الهادي الشيرازي.

 وكانت (الموسوعة الفقهية) قد عبّرت عن فكره ورأيه وإبداعه وما فيها من تجديد ومواكبة للزمن دون ان ترهبه السلطة وظلم الحاكم، فانه قدم للحوزة العلمية بحوثاً ذات أصالة وإبداع، ووفق منهجية علمية متطورة وقدمها للمتلقي والدارس متنوعة بالأدلة والبرهان، لكي يقطع الطريق أمام المتشكك والمنحرف، وان هذه المنهجية نحتاجها وفق متطلبات المرحلة الراهنة، فالأسلوب التدريسي الممنهج، والمنبر الداعي للإصلاح، والإعلام المؤثر في المجتمع، أداة للتصدي للغزو الفكري، الذي نعاصر مستجدات علمية وحضارية.

 فما علينا إلا دراسة موروثنا دراسة منهجية علمية دقيقة بدءاً بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وأقوال الأئمة عليهم السلام، فان في هذا الموروث نصوصاً تساير مستجدات العصر وإلى هذا الجانب يشير الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي بقوله: (على المسلم ان يتعرف على دينه ويفهمه كما أنزله الله تعالى).

ويحتاج الباحثون من حوزويين وجامعيين ومثقفين إلى دراسة أفكار السيد الشيرازي وفق منهجية تحليلية نقدية، وتحقيق المخطوط من مؤلفاته، ودراسة نتاجه المعرفي بتفاصيله.

وكانت أفكاره الإصلاحية تساير مؤلفاته دون الاستسلام للمستجدات الحديثة وما يصطدم منها مع العقيدة، فانه قدس سره دعا إلى تطبيق أحكام الشرع في أجهزة الدولة، واستحداث المؤسسات الاستشارية لمراجع الدين، وذلك للحفاظ على استمرارية العطاء العلمي، وان هذه المبادرة لإحياء ذكرى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي تحفزنا على انتهاج خطاه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

-------------------------------------

المقالة في الاصل كلمة للأستاذ الدكتور السيد حسن الحكيم القاها في المهرجان التأبيني للذكرى الثالثة عشر لرحيل الامام السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره والذي اقيم في كربلاء المقدسة سنة 1435 هجري.