الأمة بين الإسلام الواقعي والإسلام الظاهري

قراءة من رؤى سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

alshirazi.net

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

قال تعالى: (وَأَنَّ هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَتَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) سورة الأنعام: 153.

عرَّف علماء اللغة الإسلام ـ وهو مصدر ـ بأنه الانقياد لأمر الآمر ونهيه بلا اعتراض[1]، وبهذا المعنى صرَّح القرآن العظيم بقوله: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)[2]، فضلاً عن آيات كريمة عدة أكدت على وجوب طاعة الله ورسوله صلى الله عليه واله، ومما لاشك فيه ان وجب الطاعة أمر لا يمكن امتثاله ببعض الأوامر دون بعض بل الأمر المطلوب شرعاً هو الطاعة في جميع الأوامر، وقد ذم الله تعالى اليهود لذلك أي للانتقائية في الطاعة فكانوا يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض بحسب أهواءهم ورغباتهم.

فتلخص ان المسلم الحقيقي هو من آمن بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه واله على نحو العموم المجموعي لا انه يؤمن ببعض ويكفر بالبعض الآخر.

والإسلام المحمدي العظيم هو إسلام كامل لا نقص فيه قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ  لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ  الْإِسْلاَمَ دِيناً)[3]، والإكمال كان بتنصيب أمير المؤمنين علي عليه السلام خليفة شرعياً لرسول الله بأمر الله تعالى، قال الإمام الشيرازي  قدس سره: «.. إكماله بنصب علي أمير المؤمنين عليه السلام في غدير غم، بعد حجة الوداع»[4].

وعليه فان إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ركناً أساسياً في الإسلام الحقيقي، وهذا الإسلام هو آخر ما جادت به السماء  وأكمل، بل جعل التسمك به وبنهجه وبخلفاءه المعصومين من أهل البيت عليهم السلام أمراً مفترضاً عدلاً للتسمك بكتاب الله العزيز القرآن العظيم بموجب حديث الثقلين المتواتر، وفي هذا الصدد قال المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله: «لقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّي مخلّف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا من بعدي: كتاب الله وعترتي أهل بيتي.

هذه الرواية نقلتها العشرات من الكتب بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله. فإذا أردنا أن يقبل الله تعالى منّا إسلامنا فهذا الإسلام يجب أن يكون إسلاماً وإيماناً بالقرآن والعترة معاً. وهذا هو الدين الكامل، ولا انفصال بين القرآن والعترة، ولا يفترقا إلى يوم القيامة أبداً. فالذي يرضى بإسلام بدون النبي وعترته صلوات الله عليه وعليهم، فهو بالواقع وحسب كلام النبي صلي الله عليه وآله ممن لا يُقبل إسلامه، بل إنّ هكذا إسلام هو ليس إسلام النبي صلى الله عليه وآله، أصلاً»[5].

أما الإسلام الظاهري فهو مجرد الإقرار بالشهادتين أي بالتوحيد والنبوة دون الإمامة، ومن الناحية الفقهية قال الفقهاء بان من اقر بالشهادتين فهو مسلم قال سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في رسالته العملية «المسائل الإسلامية»: «إذا نطق الكافر بالشهادتين، أي قال: «اشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمداً رسول الله» صار مسلماً وطهر بعد إسلامه بدنه وريقه ونخامته وعرقه»[6].

لكن هذا الإسلام هو ظاهري وليس حقيقي واقعي استلزمته صعوبة التعايش مع هؤلاء ورفعاً للحرج والعسر لكنهم في واقعهم لم يعتنقوا الإسلام الحق قال سماحته دام ظله: «إنّ المقصود من كلام النبي صلى الله عليه وآله (ما إن تمسّكتم بهما) يعني القرآن والعترة، وهذا يعني إنّ الإسلام هو التمسّك بالقرآن والعترة، وهذا الإسلام هو الإسلام المنجي وفيه سعادة الدنيا والآخرة. فالذي يؤمن ببعض القرآن ولا يؤمن ببعضه فهو بالواقع لم يؤمن بالإسلام الذي جاء به النبي صلي الله عليه وآله. وأمثال من له هكذا إيمان ينعتهم القرآن بالكافرين حقّاً، وهو قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا). فالكافر هو ليس من لم يؤمن بالقرآن فقط، بل هو من يؤمن ببعض القرآن ولا يؤمن ببعضه الآخر. فالقرآن وحدة واحدة، والنبي وآله وعتره وحدة واحدة أيضاً. فمن كان في إطار (كتاب الله وعترتي أهل بيتي) الذي جاء في وصية النبي صلى الله عليه وآله فهو سينال السعادة في الدارين. ومن لم يكن في إطار هذين الأمرين فسيُحرم من سعادة الدارين و(أولئك هم الكافرون حقّاً) الذي يبيّنه القرآن»[7].

 

الأمة بين الإسلامَين:

للأسف فان الأمة انقسمت بعد شهادة رسول الله صلى الله عليه واله إلى قسمين الأغلب اعتنق الإسلام الظاهري ولم يستطع اعتناق الإسلام الواقعي المحمدي الكامل، لذا فان الإسلام لم يحقق أهدافه كاملة وبقيت بعض الوعود الإلهية لم تتحقق إلى اليوم لاسيما الوعد الإلهي القرآني بان يكون الإسلام هو الدين الوحيد لكل أهل الأرض ولا دين غيره قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى‏ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)[8]، ولو اعتنق المسلمون الإسلام الكامل لأكلوا من فوق رؤسهم ومن تحت أرجلهم وبلغ الإسلام أوجه وقمة مجده وكسبوا بذلك رضا الله تعالى قال تعالى: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَاءً غَدَقاً)[9].

 

نتائج اعتناق الإسلام الظاهري:

من المسلَّم به ان الإسلام منظومة شرعية متكاملة فان أهمل جانب منه لم يعطي النتائج المطلوبة ـ كما بينا آنفا ـ بل ان كان الجزء المهمل هو من أركان الإسلام كما هو الواقع حيث أن الجانب الذي أهمل من قبل البعض هو «الإمامة الإلهية» فتكون النتيجة انحراف كبير عن الإسلام الحق وهذا الانحراف له صور متعددة أخطرها الانحراف الفكري ونتائجه اليوم بادية للعيان وهل يوجد انحراف أكثر من أن يفجر إنسان ما نفسه وسط جمع من الأبرياء، وفي هذا الصدد قال سماحته دام ظله: «بعض الجهلة وباسم الإسلام يشدّ حزاماً ناسفاً علي بدنه ويفجّر نفسه وسط النساء والأطفال ويزهق أرواح الكثير من الأبرياء، أو يفجّر سيارة مفخّخة، ويزهق أرواح العديد من الأبرياء. وهؤلاء الجهلة هم ضحية الابتعاد عن أهل البيت صلوات الله عليهم، وضحية الابتعاد عن ثقافة أهل البيت صلوات الله عليهم، والإسلام بريء من هذه الجرائم، وهي ليست من الإسلام بتاتاً. ولكن أصحاب تلك الجرائم تراهم ينسبون جرائمهم وما يرتكبونه من أفعال مشابه، إلى الإسلام. وهذا كلّه كذب. فلو بحثنا في التاريخ فلن نجد حتى مورد واحد، أمر فيه أهل البيت صلوات الله عليهم بقتل طفل أو امرأة.

نعم إن هذه الجرائم قد قام بها معاوية وأمثاله، واتّبعه اليوم أتباعه، وارتكبوا ويرتكبون الجرائم في العراق وأفغانستان وباكستان. وجرائمهم لا نظير لها»[10].

 

مسؤولية المعتنقين للإسلام الكامل:

لقد لخص سماحة المرجع الشيرازي دام ظله المسؤولية بقوله: «علينا جميعاً أن نسعى إلى تصحيح عقائد الناس، وإلى تعليمهم الأحكام والأخلاق، وأن نعمل على نجاة الدنيا من المستنقع الذي غرقت فيه. علماً بأن كل مسلم له قدرة واستطاعة، فهو المعنيّ في هذا المجال وغير معفي منه. وعلى الجميع أن يعلموا بأنهم لهم التأثير بمقدار ما، ويمكنهم أن يكونوا مؤثّرين».

والحمد لله رب العالمين.

_________________

[1] المنجد في اللغة: مادة سلم.

[2] سورة الحشر: الآية7.

[3] سورة المائدة: الآية 3.

[4] تبيين القرآن: ج6، سورة المائدة، ص118.

[5] جاء ذلك في كلمة القاها سماحته ببيته المكرم بمدينة قم المقدسة مساء يوم الجمعة الموافق للسادس والعشرين من شهر رمضان المعظم 1435للهجرة.

[6] المسائل الاسلامية: كتاب الطهارة، بحث المطهرات، المطهر السابع «الاسلام»، المسألة 222، ص115.

[7] جاء ذلك في كلمة القاها سماحته ببيته المكرم بمدينة قم المقدسة مساء يوم الجمعة الموافق للسادس والعشرين من شهر رمضان المعظم 1435للهجرة.

[8] سورة التوبة: الآية 33.

[9] سورة الجن: الآية 16.

[10] جاء ذلك في كلمة القاها سماحته ببيته المكرم بمدينة قم المقدسة مساء يوم الجمعة الموافق للسادس والعشرين من شهر رمضان المعظم 1435للهجرة.