الإمام محمد الباقر عليه السلام وعناصر الكمال الإنساني

alshirazi.net

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين محمد واله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

الإسلام كدين إلهي كامل لم يدع جانب من جوانب الحياة الا ونظَّمه سواء على مستوى الفرد أم الهيئة الاجتماعية، والغاية كما لا يخفى السير بالإنسان والمجتمع معاً الى الكمال، فاعد الإسلام لذلك عدته وأوجد عوامل الوصول إلى بغيته.

خلق الله سبحانه الإنسان وأودعه القدرة والقوة على تحقيق الهدف المنشود وعبّد الطريق له وأرسل له أنبياءه وأقام حججه على عباده، فأوضحوا منهاجه وارشدوا الخلق الى كل ما فيه صلاحهم ورشدهم وكمالهم.

ويمكن لكل مفكر البحث في الآيات الكريمة والروايات الشريفة ليتضح له بجلاء عوامل الكمال على الصعد كافة، لكننا سنقتصر في بحثنا هذا على جانب الكمال الشخصي أي على مستوى الفرد، وبالتأكيد إن تكامل الأفراد تكامل المجتمع كونهم اللبنة الأساسية في البناء الاجتماعي.

 كثيرة هي الروايات الشريفة المبينة لأركان التكامل إلا إننا اخترنا أركان ثلاث مثّلت القمة في الكمال متمثلة بالحديث الشريف الوارد عن الإمام باقر علوم الأوليين والآخرين محمد بن علي عليهما السلام حيث قال: «الكمال كل الكمال: التفقه في الدين، والصبر على النائبة، وتقدير المعيشة».[1]

 

الركن الأول: التفقه في الدين

قالوا في اللغة: «فقه الأمر فقهاً: أحسن إدراكه. يقال: فقه عنه الكلام ونحوه: فهمه».[2] وهذا الركن بديهي بما ان الإسلام أوجد آلية الكمال فلابد من فهم الإسلام أولا ليمكن تطبيقه ومن ثم تحصيل ثمرته المنشودة، ومن هنا نجد الروايات الشريفة بعثت نحو طلب العلم لاسيما العلوم الدينية وجعلتها في قمة العلوم من حيث الشرفية بل إن كتب الروايات الشريفة وكذا كتب الأخلاق أفردت باباً خاصاً في هذا المضمار وسنورد بعض من تلك الروايات المباركة:

قال رسول الله صلى الله عليه واله: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة».[3]

وعن أبي عبد الله الإمام الصادق عليه السلام: «إذا أراد الله بعبد خير فقهه في الدين».[4]

وعن بشير الدهان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: «لا خير فيمن لا يتفقه من أصحابنا، يا بشير إن الرجل منهم اذا لم يستغن بفقهه احتاج إليهم، فإذا احتاج إليهم أدخلوه في باب ضلالتهم وهو لا يعلم».[5]

أقول: من البديهي أن كل ما يخالف أهل البيت عليهم السلام فهو ضال، وهذا الضلال قد ألقى بحباله ومكره أوساطنا في الوقت الراهن في مختلف المجالات الحياتية لاسيما الأُطر الفكرية والقوانين الوضعية المتحكمة في تنظيم الشعوب فمثلاً العراق ذا الغالبية الشيعة يخضع لقوانين وضعية مخالفة في الجملة لتعاليم العترة الطاهرة صلوات الله عليها، وما هذا إلا بسبب الابتعاد عن النهج النمير الصافي العذب للقوانين الإلهية، وبالجملة العراق بل العالم اجمع لن يرى السعادة والرفاه والتطور الحقيقي للكمال المنشود إلا بالعودة إلى القوانين الإلهية المبيَّنة من قبل أهل بيت العترة والرسالة عليهم السلام.

 

الركن الثاني: الصبر على النائبة

الصبر وهو ثبات النفس وعدم اضطرابها في الشدائد والمصائب، بأن تقاوم معها، بحيث لا تخرجها عن سعة الصدر وما كانت عليه من السرور والطمأنينه.[6]

وكذا إنَّ تكامل الإنسان أكثر كان ذلك في درجة صبره حيث يكون رضاه بما نابه فرحاً بذلك ملتذاً به مبتهجاً فكل ما يرد من المحبوب محبوب وقد بشَّر الله سبحانه الصابرين في ابتلاءه وامتحانه عبر نوائب الزمان قال تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وإِنّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ*أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ)[7].

وقد ورد: إن الإمام محمد بن علي الباقر ـ عليهما السلام ـ قال لجابر بن عبد الله الأنصاري ـ وقد اكتنفه علل وأسقام، وغلبه ضعف الهرم ـ : «كيف تجد حالك؟» قال: أنا في حال الفقر أحب إلي من الغنى، والمرض أحب إلي من الصحة، والموت أحب إلي من الحياة، فقال الإمام عليه السلام: «أما نحن أهل البيت، فما يرد علينا من الله من الفقر والغنى والمرض والصحة والموت والحياة فهو أحب إلينا». فقام جابر، وقبل عينيه، وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قال لي: «يا جابر! ستدرك واحداً من أولادي اسمه اسمي، يبقر العلوم بقرا».

 

الصبر وفق المنظور القرآني:

القرآن العظيم جعل من الصبر سلم الارتقاء الى الكمال والرضوان الإلهي بل ان اعلى المراتب الإلهية لم تنل الا بالصبر قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا)[8].

وبنو إسرائيل أورثهم الله ارض مصر بجميع نواحيها التي باركها الله سبحانه بالثمار وكثرة الأنبياء عليهم السلام وتمت كلمته الحسنى عليهم بسبب صبرهم[9] قال تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى‏ عَلَى‏ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا)[10].

وما تقدم مصداق وعد الله تعالى للصابرين قال تعالى: (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[11]، وقال عزّ وجلّ: (أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا)[12].

بل وعد الصابرين اجرا بلا حساب قال عز وجل: (إِنَّمَا يُوَفَّي الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)[13]، وكذا جعل الله سبحانه نفسه مع الصابرين قال تعالى: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[14].

 

الركن الثالث: تقدير المعيشة

بمعنى الإنفاق وفق القدرة بما يناسب وضعه المالي بلا إسراف أو تبذير فإذا امن الإنسان الحاجة اطمأن، فالمال ضروري لتلبية الحاجات والاستغناء عن الناس والاستقلال، فالحاجة إلى الناس خلاف الكمال حيث انه نقص.

وفي سبيل توفير المال الازم لتلبية حاجات الإنسان الحياتية لابد من العمل لتحصيله وفي هذا الصدد نجد أن أولياء الله المعصومين وأنبياءه عليهم السلام كانوا يعملون بما فيهم رسول الله صلى الله عليه واله وهذا حفيده باقر علوم الأولين والآخرين الإمام محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام يعمل كذلك ويقول انه في طاعة الله تعالى، روى الشيخ المفيد وغيره عن الإمام الصادق عليه السلام انه قال: ان محمد بن المنكدر كان يقول: ما كنت أرى مثل علي بن الحسين عليه السلام يدع خلفاً، لفضل علي بن الحسين ـ عليه السلام ـ حتى رأيت ابنه محمد بن علي فأردت ان أعظه فوعظني فقال له أصحابه: بأي شيء وعظك؟

قال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة فلقيت محمد بن علي ـ عليهما السلام ـ وكان رجلاً بديناً وهو متكيء على غلامين له أسودين أو موليين له، فقلت في نفسي: شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال طلب الدنيا لأعظنه، فدنوت منه فسلمت عليه فسلم علي بنهر وقد تصبب عرقاً.

فقلت: أصلحك الله، شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال، قال: فخلى عن الغلامين من يده ثم تساند وقال: لو جاءني والله الموت وأنا في هذه الحال جاءني وأنا في طاعة من طاعات الله اكف بها نفسي عنك وعن الناس وإنما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله، فقلت: يرحمك الله أردت ان أعظك فوعظتني[15].

 

تنويه وختام:

هذا لكن لا ينبغي ان يكون الطلب للمال غاية وهدف أساس فهذا خلاف الكمال الحقيقي، قال بعض العلماء: «أنه لا ريب في عدم كون المال والجاه كمالاً، لأن القدرة والاستيلاء على أعيان الأموال بوجوه التصرف وعلى القلوب والأبدان بالتسخير والانقياد ينقطع بالموت، فمن ظن ذلك كمالا فقد جهل. فالخلق كلهم في غمرة هذا الجهل، فانهم يظنون ان القدرة على الأجساد بقهر الحشمة، وعلى أعيان الأموال بسعة الغنى، وعلى تعظيم القلوب بسعة الجاه والمال. ولما اعتقدوا كون ذلك كمالا أحبوه، ولما أحبوه طلبوه، ولما طلبوه شغلوا به وتهالكوا عليه، فنسوا الكمال الحقيقي الذي يوجب القرب من الله، أعني العلم والحرية..».[16] فينبغي الطلب بمقدار حاجة الانسان او كما عبر الإمام عليه السلام: «اكف بها نفسي عنك وعن الناس».

وعليه فخلاصة ما تقدم إن أركان الكمال كل الكمال ثلاث العلم والصبر وتقدير المعيشة فان اجتمعن بلغ الإنسان مصاف الكمال الإنساني الحقيقي وفق الحديث الشريف، والحمد لله رب العالمين.

_________

[1] الكافي الشريف، ج1، كتاب فضل العلم ص32. وتحف العقول ص213.

[2] المعجم الوسيط: مادة فقه.

[3] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج2، ص32 باب9 من كتاب العلم ح20.

[4] الكافي الشريف، ج1 باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، ح3، ص32.

[5] نفس المصدر والباب ح6 ص33.

[6] جامع السعادات، العلامة محمد مهدي النراقي، منشورات الاعلمي بيروت الطبعة السابعة 1422 هجرية ج3 فصل الصبر ص281.

[7] سورة البقرة: الآيات 155ـ157.

[8] سورة السجدة: الآية 24.

[9] تبيين القرآن، الإمام الراحل السيد محمد الشيرازي أعلى الله درجاته، دار العلوم للطباعة والنشر بيروت 1423 هجرية، ص178.

[10] سورة الأعراف: الآية 137.

[11] سورة النحل: الآية 96.

[12] سورة القصص: الآية 54.

[13] سورة الزمر: الآية 10.

[14] سورة الأنفال: الآية 46.

[15] الارشاد، ص263 ومنتهى الآمال، الشيخ عباس القمي، مؤسسة النشر الاسلامي، ج2، ص139.

[16] جامع السعادات، مصدر سابق، ج2 ص359.