أثر شخصية أمير المؤمنين عليه السلام في تكوين الثقافة الاجتماعية «العراق انموذجاً»

قراءة من رؤى سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

alshirazi.net

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

لكل إنسان ثقافة دينية أو دنيوية، ورثها أو اكتسبها من مجتمعه، أو اخترعها، وثقافات الأفراد تتجمع حتى تعطي لوناً خاصاً للمجموع، ثم تتجمع ثقافات الجماعات في وحدة أكبر، وتتغير اللون إلى المتوسط بين تلك الألوان، وهكذا تتجمع الوحدات الكبرى في وحدة جامعة، تعد تلك ثقافة المجتمع.

وكلما كبرت الوحدة الجامعة، كان الرقي أكثر، حيث ان الفضائل في الأفراد والجماعات تجد متنفساً أكثر وظهوراً أقوى، ولذا حيث جمع الإسلام بين الشعوب المختلفة من عرب وفرس وقبط وهند وغيرهم، وصلت الأمة الإسلامية إلى أكبر قدر من النضج في مختلف ثقافات الحياة[1].

إذاً فثقافة الأفراد مجموعةً تشكل ثقافة المجتمع التي تمثل رؤاه لمجمل الاختصاصات الحياتية وبالتالي فالأجيال الصاعدة تكتسب ثقافتها من المجتمع الذي تنشأ فيه وتتعلم من ذلك الكم أو التراكم الثقافي الذي ترثه ومن ثم تتكون شخصية الفرد وفق ما يرثه وبحسب ما يكتسبه.

أقول: لكن تتفاوت قوة الشخصية وحجمها فبعض الأشخاص ـ وان كانوا قلةً ـ يؤثرون بتكوين هوية الأمة عبر تجديد موروثها الثقافي وهذا ما فعله الأنبياء عليهم السلام وخير مصداقاً لذلك أعمال الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وكذا أمير المؤمنين عليه السلام الذي استطاع إيجاد التصحيح المطلوب بعد الانحراف أو الانقلاب الذي أعقب إصلاحات الرسول في الأمة.

 

الثقافة العلوية في الأمة المحمدية:

تأثرت الأمة بعد رحيل رسولها الأكرم صلى الله عليه واله بأعمال أشخاص عدة منهم من اثر إيجاباً بمعنى حاول المحافظة على الدين المحمدي القويم والسير بالأمة وفق نهجه السماوي، ومنهم من أثر سلباً بسبب عداءه للإصلاحات المحمدية ولدينه ككل، وأفضل مصداقاً للأول أمير المؤمنين علي عليه السلام، لكن رغم جهوده العملاقة في الإصلاح والتأثير بتشكيل الثقافة العامة وإصلاح الانحراف لم تتبعه الأمة ككل بل ظهر فيه من ناصبه العداء وانحازت له أقوام متأثرين به وبشاكلته أيما تأثر وبذلك انقسمت الأمة أشياعاً ولم يرأب صدعها شيء إلى يومنا هذا، وفي ذات الوقت تنوعت ثقافتها وفق ما ورثته من الأشخاص الذين تأثرت بهم وكان نصيب العراق وبمرور الزمن ان تأثر شعبه أكثر ما تأثر بأمير المؤمنين عليه السلام كونه ـ أي العراق ـ مقر حكمه وعاصمة خلافته فيما تأثرت الشام مثلاً بمعاوية وما شاكله من رؤوس النفاق والانحراف.

ومن هنا لا بد من إلقاء نظرة موجزة حول ثقافة أمير المؤمنين عليه السلام، ونستطيع إيجازها بأنها الدين المحمدي الكامل، وبعبارة أخرى هي ما أمر بها الرسول الأعظم صلى الله عليه واله مرات عدة في حياته الشريفة واشهرها في غدير خم، وفي المقام يقول المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله: «بأن الإسلام الحقيقي هو الإسلام المرتكز والثابت على أساس ولاية الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه».

 

الغدير النهج الإلهي لإسعاد البشرية:

 فالغدير إذاً يمثل الدين المحمدي الحق الذي يمثل النهج الإلهي لإسعاد البشرية يقول المرجع الديني سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: «إنّ الغدير ثقافة إلهية لسعادة البشر كافّة وعلى طول التاريخ، وفي كل الأبعاد. فالغدير هو ثقافة العلم، والغدير ثقافة الحريّة، والغدير ثقافة السلم، والغدير ثقافة التعايش على أساس التعقّل، والغدير ثقافة كل فضيلة وكل حسن وجميل».

 

الرسول يدعو إلى نشر ثقافة الغدير:

ومن هنا ينبغي على من يريد الهداية ومن يتخذ علياً عليه السلام إماماً أن ينشر ثقافة الغدير في العالم اجمع لتعم كل فرد لتصير بذلك شخصيته علوية ليمكن بذلك تحقيق أحلام الأنبياء عليهم السلام قاطبة، ولن يتحقق ذلك إلا بالتناصر بين المؤمنين فإن فعل ذلك كان ممن دعا له رسول الله صلى الله عليه واله يقول سماحته دام ظله: «لقد دعا مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله بعد تنصيب الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، دعا بالرحمة مرتين، وباللعن مرتين، حيث قال: (اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله). وهذا يعني: اللهم كل من يوالي عليّاً فكن له وليّاً، ومن يعاديه فكن له عدوّاً. وكل من ينصر عليّاً فانصره، سواء كان رجلاً أو امرأة، وعالماً أو جاهلاً، وغنيّاً أو فقيراً، وسواء كانت النصرة فردية أو جماعية، وبأي شكل كانت وبأي طريق، وبأي أسلوب. واخذل كل من يخذل عليّاً، مهما كان الخاذل، وفي أي مقام، وتحت أية ظروف. فاخذله بالمشاكل وبالمصاعب، وبالدنيا والآخرة، وأوكله إلى نفسه»[2].

وكذلك قال دام ظله: «على كلّ المفكّرين المسلمين، في الحوزات والجامعات وغيرها، أن يطبّقوا ثقافة الغدير في عالم اليوم الذي توجد فيه نسبة من الحريّات، حتى إن استغرق واستوجب هذا التطبيق عدّة سنوات. وهذا العمل من مصاديق نصرة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ومن يسعى في هذا السبيل سيكون مشمولاً بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم انصر من نصره»[3].

 

العراق بلد أمير المؤمنين عليه السلام:

العراق وعبر وتاريخه مثل ـ وكما تقدم الحديث ـ عاصمة أمير المؤمنين عليه السلام ومركز حكومته فتشكلت ثقافته العامة من تأثرها بذلك ولذا فهو بلد أمير المؤمنين علي عليه السلام ومن هنا تقع المسؤولية الكبرى على شعبه، قال سماحته دام ظله: «إنّ العراق بلد الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، الذي حكم العالم الإسلامي من العراق وبالتحديد من الكوفة خلال حكومته الظاهرية التي استمرت خمس سنوات تقريباً، وكان الإمام سلام الله عليه هو الحاكم الإسلامي الأعلى للرقعة الإسلامية آنذاك، التي امتدّت من أوروبا إلى أفريقيا وآسيا، رغم قلّة فترة حكم الإمام سلام الله عليه، وكثرة الأعداء في الداخل والخارج، وفرض ثلاث حروب عليه، كانت أشدّ الحروب في داخل الدولة الإسلامية آنذاك، وهي الجمل وصفّين والنهروان، بحيث صرفت هذه الحروب قرابة أربع سنوات من حكومة الإمام صلوات الله عليه.

وقال سماحته: رغم كل هذه المشاكل، بالأخصّ الحروب التي كانت الواحدة منها تكفي لتقويض التاريخ أيضاً وليس الحكومة فقط، مع كل ذلك، ترك مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه أروع وأعظم وأجمل القصص في التاريخ، في أمرين هما من أهم الأمور في الدنيا، قديماً وحديثاً وحاضراً، وهما الاقتصاد والسياسة. فما تركه الإمام سلام الله عليه في كلا الأمرين من بصمات، لم تحلم به الدنيا، لا في ذلك الزمان ولا حالياً، حتى في أكثر البلدان حريّة، وأعظمها اقتصاداً، حيث لم نجد لذلك نظير أبداً. وهذا كلّه موجود في التاريخ الشيعي، وفي تاريخ الكفّار»[4].

فالعراق الإسلامي إذاً متشخص بثقافة أمير المؤمنين عليه السلام لذا فهو قاعدة الانطلاق المرتقب لهداية العالم اجمع الى ثقافة الغدير لكن ذلك مشروط باستمرار ومضاعفة الجهود لتركيز ثقافة الغدير لدى الأجيال الصاعدة حتى نصل إلى مرحلة ان يكون العراق خالصاً علوياً ولا لثقافة أخرى، ولنختم المقال بكلام سماحة المرجع الشيرازي في هذا المقام ـ أي البعث نحو نشر ثقافة الغدير في نفوس الشباب العراقي ـ حيث قال سماحته دام ظله مخاطباً المثقفين العراقيين: «مَن للعراق غيركم؟ فاسعوا إلى تربية شباب العراق على قيم ومبادئ وثقافة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وليس على حبّه والولاء له فقط، فالولاء واجب. اسعوا إلى ذلك حتى يعرف ويعلم شباب العراق من كان عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه، وماذا عمل. فّإذا علموا ذلك فسيصلحون العالم كلّه وليس العراق أو المنطقة فحسب. وهذا من أهم مسؤولياتكم. فحاولوا أن تفكّروا جيّداً في نسبة مسؤولياتكم، وأن تتحملوا ما تتعرّضون له في هذا الطريق من متاعب ومشاكل، بالامتثال للقرآن الكريم، حيث قال تعالى: (ولمن صبر وغفر). فاصبروا واغفروا، حتى تنهضوا بالعراق وبالعالم كلّه إلى غد مشرق»[5].

والحمد لله رب العالمين.

__________________

[1] الإمام الشيرازي الراحل السيد محمد الشيرازي، الاجتماع، دار العلوم للطباعة بيروت،1413هـ، ج1 ص51.

[2] من كلمته دام ظله في درس الخارج الفقه ـ كتاب الحجّ ـ في مسجد الإمام زين العابدين صلوات الله عليه, بمدينة قم المقدّسة, صباح اليوم الأربعاء الموافق للسابع عشر من شهر ذي الحجّة الحرام 1434 للهجرة.

[3] المصدر نفسه.

[4] من كلمته دام ظله أثناء لقاءه جمع من أساتذة الجامعات والمدارس الأكاديمية ومسؤولي ورؤساء أقسام مركز المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف الثقافي في مدينة واسط في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، يوم الخميس الرابع من شهر ذي الحجّة الحرام 1434 للهجرة.

[5] نفس المصدر.