الغدير النهج الإلهي لمجتمع العدالة والرفاه والحرية والكمال الإنساني

قراءة من رؤى سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

alshirazi.net

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

قال الله عز وجل: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً) سورة المائدة: 3.

إن غاية الإسلام الاجتماعية هي إيجاد المجتمع الصالح المرضي من قبل الله تعالى، ذلك الرضا الكامل الذي تحقق بإكمال الدين وإتمام النعمة الإلهية بتنصيب الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أميراً للمؤمنين وخليفةً لرسول الله صلى الله عليه واله.

ولعل شخص يعترض بأن هذا الكلام مجرد دعوى بحاجة إلى إثبات؟

نقول: لأجل إثبات ذلك لا بد من بيان مصطلح المجتمع الصالح أولاً ومن ثم بيان ان الغدير هو المنهج المحقق لهذا الاجتماع.

 

المجتمع الصالح:

 المجتمع الصالح هو المجتمع النقي الخالي من الرذائل الأخلاقية، سواء كانت شخصية أم اجتماعية، حيث ان الأولى تجعل الفرد المشوب برذائل الصفات شاذاً في المجتمع الصالح ومن ثم مؤثراً في غيره من أفراد الاجتماع لتظهر النتيجة بعد تفشي الأمراض الأخلاقية مجتمعاً مريضاً متسافلاً بعيداً عن التكامل، ولذا قال سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله: «المجتمع الإسلامي هو المجتمع الملتزم بالأخلاق الإنسانية والآداب الاجتماعية التي جاء بها الإسلام».[1]

ولبيان الأمر أكثر نقول:

إن الاجتماع كما يقرره علماءه يشتمل على الأخلاق والآداب والمواثيق والقوانين والمواريث والشعائر والمقررات الاجتماعية، فالأول يمثل الصفات النفسية كالكرم والبخل والشجاعة وغيرها، والثاني يمثل الآداب في بناء الدور والسلام والمجالسة وصلة الرحم وكيفية الملابس وغيرها، والثالث ما يحصل من العهود بواسطة جماعة من كبار المجتمع مع آخرين منهم أو مع مجتمع آخر، والرابع القوانين المرعية في بيعهم ونكاحهم ومواريثهم ومرافعاتهم، والخامس ما ورثه المجتمع من الآباء والأجداد من الرسوم والآداب وغيرها، والسادس ما يظهره المجتمع من الأعمال في فترات خاصة بحسب عقيدته، السابع ما كان من القوانين المرعية مما يحسن إتباعها ولا تصل إلى القانون الذي يعاقب مخالفه، فإذا لم يسرِ فرد ما على هذه الأمور سُمي «شاذاً» فإن استمر على خلافه مع الاجتماع سُمي «منحرفاً».[2]

كذلك فإن الروابط التي تحكم أفراد الاجتماع ان كانت سماوية سميت «ديناً»، كما أن الروابط سواء كانت سماوية أم لا تسمى أنظمة ومناهج وقوانين ومسائل وروابط وغيرها.

والإسلام الحنيف كقانون رباني ألزم معتنقيه بمجموعة أنظمة وقوانين مقرراً العقاب على عدم الالتزام بها، وإنها تمثل مراد الله تعالى، وجعل مصادر للتشريع أي طرقاً لمعرفة مراد المولى سبحانه تمثلت بالقرآن العظيم والسنة المطهرة وهي كل ما ورد عن المعصوم عليه السلام من قول او فعل او تقرير ـ كما قرر ذلك في علم أصول الفقه ـ، ومن البديهي ان في إبعاد المعصوم وإقصاءه عن قيادة المجتمع يعني ابتعاد المجتمع عن معرفة مراد الله تعالى وبالتالي مخالفة التشريع الإسلامي الحاكم للاجتماع الإسلامي فيأخذ المجتمع في التسافل بدل التصاعد.

نعم التاريخ أنبأنا بأن اصل الانحراف الاجتماعي الإسلامي ابتدأ من قبل أشخاص معدودين خالفوا التشريع الإسلامي فيما عرف بـ «سقيفة بني ساعدة» حيث كان الاتفاق على المخالفة، فهؤلاء المنحرفين اجتماعياً استطاعوا بعد ذلك من التأثير الكبير في الاجتماع الإسلامي وإيجاد الفرقة فيه بسبب خبث نفوس هؤلاء المنحرفين قال أمير المؤمنين عليه السلام: «وإنما أنتم إخوان على دين الله ما فرق بينكم إلا خبث السرائر وسوء الضمائر، فلا تؤازروه ولا تناصحوه، ولا تباذلون ولا توادون، وما يمنع أحدكم أن يستقبل أخاه بما يخالف من عيبه، إلا مخافة أن يستقبله بمثله»[3]. والنتيجة أخذ المجتمع في التسافل بل أصبح بؤر الرذائل الخلقية والعملية حيث ان الاجتماع هو الجهاز الضاغط على الأفراد والجماعات في الاستقامة او الانحراف، والفرقة من مواليد الاجتماعات المنحرفة، فلو كان المجتمع موحداً ثقافياً خاضعاً لمجموعة التشريع الإسلامي ذائباً في بوتقته لاستطاع القضاء على أي انحراف اجتماعي طارئ.

ولو كان المجتمع صالحاً مستقيماً لأخذ في الرقي والتصاعد حيث ان جماعته تشتغل في البناء فتوجد المؤسسات البانية والجمعيات الخيرية والمنظمات العاملة في سبيل الرقي والتقدم وهي تجذب اكبر قدر من الأفراد فيعج المجتمع بالفضيلة ويأخذ بالرقي والتقدم والسير في مدارج الكمال.

 

الغدير المنهج الإلهي للكمال الإنساني:

الغدير في حقيقته الإسلام المحمدي الكامل وهو النعمة الإلهية الكبرى لذا فقد أنزل الله تعالى بذلك قرآناً قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً)[4]، ولذا قال سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: «إن الإسلام الحقيقي هو الإسلام المرتكز والثابت على أساس ولاية الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه». وقال كذلك: «لقد قال مولانا الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: إنّ الله لا يقبل توحيده إلاّ بالاعتراف لنبيّه صلى الله عليه وآله بنبوّته، ولا يقبل ديناً إلاّ بولاية من أمر بولايته»[5]

 

الغدير امتداد لنهج الرسل والأنبياء:

قبل قليل أوردنا ان الغدير مثَّل النهج نحو اكتساب الرضا الإلهي حيث شمل المنظومة التشريعية الإسلامية المجسدة للإرادة الإلهية وان طرق معرفة المراد هو مصادر التشريع الإسلامي ومنه الإمام المعصوم عليه السلام ومصداقه الأكمل أمير المؤمنين عليه السلام ولذا لو لم يظهر هؤلاء المنحرفون عن الاجتماعي الإسلامي المتماسك الذي أسسه رسول الله صلى الله عليه واله واتبعوا أمير المؤمنين عليه السلام لبلغ المجتمع القمة في التكامل يقول سماحته دام ظله في هذا المقام: «قال الصحابي الجليل سلمان المحمديّ رضوان الله تعالى عليه: لو بايعوا عليّاً ـ يعني يوم السقيفة ـ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم»[6].

فالغدير اذاً امتداد لرسائل السماء ومناهج الأنبياء كونه الطريق إلى المراد الإلهي قال سماحته دام ظله: «لقد أراد الله عزّ وجلّ ـ بالإرادة التشريعية ـ أن يكون الغدير امتداداً لبعثة آخر الأنبياء وأشرفهم سيّدنا النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله، ولو فُسِح المجال لذلك بعد النبي صلى الله عليه وآله، وتواصلت المسيرة المحمّدية العلوية لشهد العالم - اليوم - العدل والطمأنينة والرفاه والكرامة والعزّة والخير بأعلى مراتبها وعلى شتى الأصعدة».

وعليه فكل ما وجد بعد الانحراف عن الغدير والانقلاب على الأعقاب عن النهج الرباني كان سبباً للتسافل الاجتماعي وبكل ملازماته من الظلم والقهر وتفشي الأمراض بأنواعها الاجتماعية والأخلاقية والخلقية وغيرها، قال سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: « كل ما يشهده العالم اليوم من المظالم وانفلات الأمن (الإرهاب) والمشاكل في شتى المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والعائلية وغيرها، هذه كلها نتيجة إقصاء الغدير في التاريخ».

 

دعوة غديرية:

من اجل إيجاد المجتمع السعيد الصالح لابد من العودة إلى نهج الغدير السماوي فهو اصل النعم كلها قال سماحته في هذا المقام: «أينما ورد ذكر إتمام النعمة في القرآن الكريم كان المراد منها النعم التي يصيبها الإنسان في الدنيا، ومن توجد علاقة مباشرة بين ولاية أمير المؤمنين علي سلام الله عليه والتمتع بالنعم الدنيوية، وإحدى الشروط المهمة الرئيسية للوصول بنا إلى مجتمع الحرية والبناء القائم على أساس العدالة والأخلاق وسيادة القيم والفضائل الأخلاقية الإنسانية... أن نسلّم لما بلّغ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم الغدير، وأن نقبل عمليا بولاية أمير المؤمنين علي سلام الله عليه بعبارة أخرى»[7].

فيتوجب على كل فرد مسلم لأجل إحياء الأمة والسير بها نحو الكمال الإسلامي المنشود من العمل لدعوة الاجتماع إلى الغدير ومنهاجه وهذا ما أكده سماحة المرجع الشيرازي دام ظله بالدعوة إلى العشرة الغديرية، وقد اصدر مكتبه دام ظله بياناً جاء فيه: «إن المسؤولية الملقاة على عاتقنا اليوم هي نشر ثقافة الغدير في العالم وتعريف الشعوب والمسلمين بالغدير وترسيخ مبادئه في أوساط المؤمنين، عبر مختلف الوسائل كالكتاب ووسائل الإعلام الحديثة بإسلوب جذّاب وعصري، وهو عمل يتطلّب جهوداً كبيرة ويتحمّل الشباب مسؤولية مضاعفة في هذا المجال، فعلى المؤمنين جميعاً أن يجدّوا ويجتهدوا من أجل تبليغ رسالة الله تعالى والنبي الأكرم وأهل البيت للعالم.

 وهنا أذكّر المؤمنين بخصلتين من الضروري أن يتحلّوا بهما على هذا الطريق، وهما:

1. التذكير المتواصل والتواصي بالحقّ الذي هو الغدير.

2. الصبر وعدم اليأس حتى تتحقّق النتيجة المطلوبة بإذن الله تعالى.

لم يسلم كل من أسلم منذ أن أطلق الرسول صلى الله عليه وآله دعوته، وربّما أسلم بعض العرب بعد عشرين سنة ولكن مع ذلك حسن إسلامه، ونحن أيضاً لا ينبغي لنا اليأس أو نتوقع أن يستجيب العالم لنا دفعة واحدة، ولكن لنعلم أن الناس إذا أدركوا حقيقة الغدير سارعوا إليه ووردوا مناهله. فلا شكّ ان القرن الحالي هو قرن عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه وقرن أهل البيت صلوات الله عليهم.

من هذا المنطلق يجدر بالمؤمنين والمؤمنات كافّة، وخاصّة القائمين بشؤون الثقافة الإسلامية، أن لا يقصّروا في نشر ثقافة الغدير، مؤكّدين مسؤوليتهم في الترويج لمفاهيم الغدير وتعاليمه، وأن يبذلوا مساعيهم الحثيثة في إحياء وتعظيم العشرة الغديرية المباركة».

هذا ما أردنا بيانه باختصار شديد عسى المولى سبحانه ببركة عيده الأكبر الغدير الأغر ان يوفقنا للكتابة بشكل أوسع من ذلك والحمد لله رب العالمين.

__________________

[1]ـ من عبق المرجعية، محمد طالب الأديب، منشورات ياس الزهراء، قم المقدسة، 1428هجرية، ص283.

[2]ـ الإجتماع، الإمام الراحل السيد محمد الشيرازي، دار العلوم للنشر، الطبعة السابعة 1413هـ، ج1 ص47.

[3]ـ نهج البلاغة، ص422.

[4] ـ سورة المائدة: 3.

[5] ـ مصباح المتهجد.

[6] ـ انساب الأشراف للبلاذري.

[7] ـ من عبق المرجعية، مصدر سابق، ص79.