إقامة الدين وحاكمية الله في جميع جزئيات الحياة

قراءة من رؤى سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

alshirazi.net

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

قال تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى‏ بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى‏ وَعِيسَى‏ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) سورة الشورى: 13.

قال الإمام الشيرازي الراحل أعلى الله درجاته: (شَرَعَ لَكُم) جعل (مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى‏ بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى‏ وَعِيسَى) فإن دين الجميع واحد فقد أوصاهم جميعاً (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ) أصوله وفروعه (وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) بأن يخالف أحدكم الآخر[1].

وخلاصة الأمر: إن الله سبحانه أمر عباده جميعاً بإقامة الدين حيث قوله سبحانه: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ) أمرٌ، وقد قال علماء أصول الفقه: إن الأمر ظاهر في الوجوب، وعليه فإن الدين وهو القانون الإلهي والشريعة الربانية تكون واجبة التطبيق، ولا يجوز لأي شخصاً التشريع قبال الله سبحانه فإن له الولاية التشريعية كما التكوينية، فان الله عز وجلّ حكيم، والحكيم لابد وان يكون له غرض في عمله «خلق الكون وما فيه» وإلا لكان عمله وخلقه عبثا ـ تعالى الله عن ذلك ـ وإن غرضه سبحانه هو تطبيق الأحكام بدلالة الكتاب والسنة المطهرة، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)[2]، فعدم عبادتهم خلاف ما خلقوا لأجله[3].

كما وانه لا يحق لغير الله سبحانه أن يحكم على خلاف حكم الله حيث ان ذلك تصرف في حق الغير وهو قبيح عقلاً وممنوع شرعاً، قال تعالى: (وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُوْلئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)[4]، وقال كذلك: (وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)[5]، والفسق معناه الخروج والكفر السقوط، إذن فالأصل عدم جواز التصرف في ملك الله إلا بإذنه فلا يجوز للغير تشريع الأحكام خلاف أحكام الله تعالى.

 

مسؤوليتنا تجاه الدين:

تقدم ان الدين هو القانون الإلهي ولا يجوز التشريع خلافه، ويجب على الجميع إقامته أي تطبيقه، وفي هذا المقام قال سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله: «المسؤولية والواجب اليوم هو ما جاء في القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ). فعلى كل واحد منكم والشيعة كافة أن يعلموا ما من شأنه إقامة الدين، مهما كان مستواه وفي أي دور كان. وإقامة الدين يعني أن يكون الدين حاكماً وبارزاً في تفاصيل الحياة كلها وفي كل الجوانب، وليس شعاراً يرفع فقط أو اسماً يردد فقط. وهذا الأمر بحاجة إلى تعبئة الطاقات، ومنها تعبئة الطاقات العلمية»[6].

 

إقامة الدين في جميع جزئيات الحياة:

كذلك يجب ان نطبق القانون الإلهي في جميع مناحي وجزئيات الحياة والكون، قال سماحته دام ظله: «السعي لتطبيق الإسلام يجب أن يشمل جميع جوانب الإسلام، ولا يجوز تطبيق قوانين الحدود، مثلاً، وإهمال تعاليم الإسلام، في المجالات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها».

 

التضحية في سبيل إقامة الدين:

كما وأن إقامة الدين تحتاج إلى تضحيات كبيرة وجسام وقد ضحى في سبيل ذلك الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار عليهم السلام وهم أشرف ما خلق الله، أفلا يستحق الأمر أن نضحي نحن ونقدم كل ما نستطيع في سبيل رفعة الدين وتطبيق الأحكام الإلهية!؟ قال سماحته دام ظله: «إن أحكام الله تعالى لها رفعة خاصة. فقد ضحّى مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله من أجلها وكذلك ضحى مولانا الإمام أمير المؤمنين ومولاتنا الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء، ومولانا الإمام الحسن المجتبى والإمام الحسين صلوات الله عليهم أجمعين، وكذلك سيضحّي مولانا المفدّى الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف من أجل إقامة الأحكام الإلهية، كما صرّحت بذلك الروايات الشريفة».

 

الإستعداد الكامل في سبيل الإقامة:

من الواضح ان من يطمح إلى تطبيق الأحكام الإلهية والإصلاح العام لابد ان يكون مستعداً تمام الإستعداد لذلك عبر التكامل العلمي والأخلاقي المتحصل من خلال التعبئة العلمية والتقوى الحقيقية، كما أكد ذلك سماحة المرجع الشيرازي دام ظله حيث قال: «ان سر توفيق أولئك الفقهاء الكبار هو أمران:

الأول/ التعبئة العلمية. فحاولوا ان لا تضيعوا وقتكم حتى الدقائق المعدودة وانشغلوا بالعلم وطلبه، والعلم هو علوم أهل البيت صلوات الله عليهم.

الثاني/ التقوى الحقيقة. وأسهل طريق لهذا الأمر هو ما أوصى به مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وهو محاسبة النفس يومياً ولو لدقائق»[7].

والحمد لله رب العالمين.

__________________

[1] تبيين القرآن، الإمام الشيرازي الراحل، دار العلوم للتحقيق والنشر، بيروت 1423هـ، ص497.

[2] سورة الذاريات: الآية 56.

[3] المصدر السابق، ص537.

[4] سورة المائدة: الآية 47.

[5] سورة المائدة: الآية 44.

[6] خلال لقاء سماحته دام ظله بطلبة العلم من مدرسة الحسنين سلام الله عليهما للعلوم الدينية من مدينة كربلاء المقدسة، بتاريخ 22 شوال المكرم 1434 للهجرة.

[7] اللقاء ذاته.