في ذكرى مولد الامل في الخامس عشر من شهر شعبان: لماذا ننتظر؟ وكيف؟

الأستاذ نزار حيدر

بسم الله الرحمن الرحيم 

 الانتظار فلسفة ثابتة في الحياة، فليس هناك من لم ينتظر، وانما الاختلاف في طريقة الانتظار والهدف منه، اما اصل الانتظار فلا مناص منه لكل انسان، ولذلك يخطئ من يظن بانه فلسفة شيعية بحتة، قد يكون الشيعة من اكثر الناس اعتناءً بها، الا انها ليست حكراً عليهم ابداً، وبتصفح سريع لرؤية مختلف الاديان والمذاهب، السماوية منها والوضعية، فسنلحظ هذه الفلسفة في صلب نهجهم الفكري والعقائدي والايماني.

   ولست هنا في وارد الحديث عن ذلك، انما اردت ان استفيد من ذكرى مولد الامل الامام الثاني عشر من ائمة اهل البيت عليهم السلام، الحجة بن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجهلأسلط الضوء على هذه الفلسفة بما يرتبط بحياتنا اليومية، سعياً مني لتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي تعلقت بفلسفة الانتظار بمرور الزمن.

   ان من طبيعة الانسان انه ينتظر، فهذا ينتظر ان ينهي دراسته ليبحث عن العمل المناسب، وذاك ينتظر ليسمع من البنت التي خطبها كلمة نعم ليتزوجها ويبني معها عائلته الصغيرة، وثالث ينتظر ليحين وقت السفر لتلقي العلاج اللازم، ورابع ينتظر ان يحين موعد لقائه بالرئيس او الوزير، وخامس ينتظر لحين الانتخابات التشريعية أملا بالفوز لتشكيل الحكومة الجديدة، وهكذا، هذا على الصعيد المادي، اما على الصعيد المعنوي، فترى ان كل انسان ينتظر امامه او منقذه او مخلصه، حسب اختلاف التعبيرات عند الاديان والمذاهب، ليغير ويبدل، فعندنا مثلا «يملأ الارض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما» وفي التوراة: (سيحكم على الضعفاء بالعدل).

   الذين يعون الحياة كونها فرصة واحدة فقط لكل انسان على وجه البسيطة، يتعامل مع الانتظار بايجابية، فتراه يعمل من اجل ذلك اليوم الذي ينتظره، سواء على الصعيد المادي او المعنوي، فهو لا يفرط بالوقت بحجة انه ينتظر، كما انه لا يستكين او يتماهل او يتواكل بحجة ان الزمن الآت كفيل بتحقيق ما يصبو اليه، ابدا، انه يعمل ويكافح ويكابد ويجاهد ويبذل كل جهده وطاقته العقلية والبدنية من اجل الاستعداد لليوم الموعود، ان على الصعيد المادي او المعنوي، فالطالب الذي ينتظر الامتحان النهائي لا ينشغل بالتفكير بيوم الامتحان على حساب الدراسة والجد والاجتهاد ابدا، كما ان الذي ينتظر يوم الانتخابات التشريعية املا بالفوز لا يهدأ له بال، فالذي ينتظر بوعي وادراك لاهمية ما ينتظره يبذل جهده من اجل ما ينتظره، وهذا ما نسميه بالانتظار الايجابي، اي الاستعداد لليوم الموعود بكل الطرق والاساليب، اما الذين لا يعون فلسفة الانتظار، فهو بالنسبة لهم فرصة للهرب من المسؤولية ومن الواقع، وان مفهوم الانتظار عندهم بديل عن العمل وان المستقبل بديل عن الحاضر، ولذلك فهم يخسرون الحاضر والمستقبل، لانهم يتواكلون ما قبل اليوم الموعود فاذا حل ذلك اليوم يجدون انفسهم بلا رصيد وبلا نتيجة بل وبلا دور، فمن يفرط بالمقدمات لا يحصل على النتائج ابداً، ولذلك قيل قديما (من طلب العلا، المستقبل، سهر الليالي، الحاضر).

   هذا النوع من الناس هم الفاشلون والمهزومون الذين يرمون بكلهم على المستقبل بلا استعداد، وعلى من ينتظرونه بلا تهيئة، ولذلك فهؤلاء ليس لهم اي دور في اليوم الموعود، فاذا كان احدهم ينتظر الامتحانات ستمر عليه بلا نتيجة، واذا كان ينتظر الامل فسيظهر وليس له اي دور في حركته التغييرية التاريخية.

   ان علينا ان نصحح المفاهيم قبل ان نتبناها، ونعيها قبل نتحدث عنها، فعندما ندعي اننا ننتظر الامل، علينا ان نسال انفسنا، ترى ما الذي قدمناه لذلك اليوم؟ وما الذي اعددناه للمستقبل؟ اوليس اليوم الموعود مستقبلا؟.

   ان الاتكال على ذلك اليوم كوصفة سحرية تحل كل مشاكلنا، لهو نوع من انواع الهروب من مسؤولية الحال الحاضر، وهو نوع من انواع الفشل ربما غير المرئي، لان المستقبل لا يناله المرء بالتواكل، كما ان اليوم الموعود لا يتحقق بالسكون، وان الحركة وبذل الجهد والسعي المستمر والصبر على البلاءات في ساحة العمل، ان كل ذلك هو الذي يحقق المستقبل الافضل، فالحاضر هو مقدمة المستقبل، فاذا كان الحاضر حسنا او على الاقل يسعى فيه المرء من اجل مستقبل افضل، عندها سيراه احسن من واقعه.

   لقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله قوله: «جهاد امتي انتظار الفرج»، هذا يعني ان الانتظار جهاد بكل ما تعني الكلمة، دون الاقتصار على المعنى المتعارف عليه، من حرب وقتال وما اشبه، بل ان جهاد النفس الذي ينتهي الى تغيير الذات واصلاحها يقف على راس هذا الجهاد، والذي سماه رسول الله بالجهاد الاكبر، تمييزاً له عن الجهاد الاصغر، الحرب، لان جهاد النفس اعظم من ذاك الجهاد، واذا كان للاول شروطاً قد لا تتحقق في عمر الانسان، والذي متوسطه ستين عاما مثلا، فلا يمارسه في كل حياته، فان جهاد النفس يشب ويكبر مع كل انسان منذ بلوغه سن الرشد وحتى مماته، لا يسقط عنه باي حال الا اذا كان مجنونا مثلا.

   انك تنتظر يعني انك تجاهد، سعياً من اجل تحقيق التغيير المرجو، اما اولئك الذين يدعون بانهم ينتظرون فيعيشون في الكهوف ويهربون من المجتمع ويتواكلون ويبررون الفشل ويتقاعسون، فهؤلاء لا ينتظرون المستقبل ولا ينتظرون الأمل، وانما ينتظرون ملك الموت ليقبض ارواحهم فيريحهم ويريح منهم الاخرين.

   ان من ينتظر مستقبلا افضل عليه ان يسعى لتحقيق ما يلي في حاضره الراهن:

   اولا: النهضة العلمية الشاملة، فبالعلم يرقى الانسان، اما الجهل والتخلف والامية فاسباب لتأخر الامم، وهذا ما نراه اليوم، عندما تحولت امتنا الى دمى غبية تنفذ اجندات فقهاء التكفير التي تحرض على الكراهية والقتل والتدمير، فاذا كان (الاستاذ) الجامعي عندنا يتبجح من على الشاشة الصغيرة بنحر الابرياء لمجرد انهم يختلفون معه في المذهب، فما بالك بالتلاميذ الذي سيتعلمون على يديه؟ ما الذي سيعلمهم هذا القاتل سوى الكراهية والتعطش للدماء والولوغ في دماء الابرياء؟ اي جيل سيتخرج من تحت يديه؟ وما الذي ينتظره امثال هؤلاء اذا كان (استاذهم) قاتلا وسفاكا يرقص على اشلاء ضحاياه؟ وما الذي يمكن ان ننتظره نحن منهم اذا كان منهج القتل والتدمير هو الحاكم في مناهجنا التعليمية؟.

   اذا اردنا ان نكون ممن ينتظر المستقبل الافضل وبالصورة الايجابية، فان علينا ان نعيد النظر في منهاجنا التعليمية، الاكاديمية منها والدينية، لتواكب العصر وحاجاته ولتساهم في بناء اجيال جديدة تعي مسؤولياتها وتحترم التزاماتها، تحترم الانسان بلا تمييز على اساس ديني او مذهبي او اثني وتستوعب وجود الاخر.

   ثانيا: ان الذي ينتظر يعني انه يمتلك الامل، فالانسان يعيش بالامل، فمن لا أمل له لا حياة له فضلا عن المستقبل، فاليائس والمتشائم ميت الاحياء، اما الذي ينتظر المستقبل، فهو الذي يمتلك الامل، والا لما انتظر شيئا، وهذا يتطلب ممن ينتظر ان يبذل جهده من اجل تغيير الواقع المرير للانتقال الى مستقبل افضل، فتغيير الحالة الاجتماعية وتحسين العلاقة مع الاخر وتطوير معائش المجتمع، وتحقيق التنمية، ان كل ذلك يصب في خانة الانتظار الحقيقي لمستقبل افضل، اذ لا يكفي ان ندعي الانتظار او اننا ممن يمهدون لليوم الموعود، فالتمهيد خطة وعمل وانجاز ونجاحات، فمن لم يسع لتغيير واقعه في اطار فلسفة الانتظار لا ترجو منه دوراً في المستقبل، لان الاخير نتاج الحاضر، فاذا كان سيئا كيف يمكن ان يكون المستقبل جيدا؟.