الحرية الإسلامية في أبعادها ونطاقها.. قراءة من رؤى سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

alshirazi.net

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد: قال تعالى: «وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ» الأعراف:157.

إنَّ من أهم الأهداف التي سعى لتحقيقها الرسول الأعظم صلى لله عليه وآله هي الحرية الإسلامية في أبعادها كافة والآية الكريمة المتقدمة تعد مؤسسة لقاعدة الحرية في الإسلام، فالإستبداد واكتناف المسلمين بالقيود يعني انعدام الحرية فتنعدم فرص الإرتقاء، حيث الأغلال هي العقبة الكؤود التي تحول دون تقدم الشعوب ورقيها وكما تتنوع الأغلال والآصار المثقلة لكاهل الإنسان، جاء الإسلام بحريات متنوعة وعلاجات ناجعة وبذلك فسح الطريق للمسلمين لسيادة الدنيا فبلغوا ما بلغوا بفضل الحرية التي عمل بعد ذلك الظالمون والأعداء نحو طمسها ورفعها وإعادة الأغلال مقيدتاً للمسلمين وبذلك رجعوا القهقرى متفرقين محسوبين على دول العالم الثالث وفق رأي أعدائهم.

 

الحرية أوسع الأحكام الإسلامية:

ينقسم الحكم التكليفي الإسلامي إلى خمسة أقسام وهي (الواجب والمستحب والحرمة والكراهة والإباحة)، والأصل في الحكم الإسلامي هو الإباحة وليس المنع الذي لا يكون نافذاً إلا بدليل، وبذلك تكون الحريات هي أوسع الأحكام الخمسة، الأمر الذي يجلي عظمة الإسلام، فالحريات فيه لا نظير لها في دين أو مبدأ أو قانون شهدته البشرية وبذلك يصعب حصر الحريات جميعاً في كتاب أو مقالة لذا فقد صرح سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله الوارف إلى كونها كثيرة جداً وذكر جوانب منها أثر سؤال وجّه إليه مفاده:

هل في الإسلام حرية؟

نعم، أفضل أقسام الحرية، بما لم يحلم بها العالم في ظل أرقى الحضارات الأرضية.

س: ما هي الحريات الإسلامية؟

ج: هي كثيرة، نذكر منها ما يأتي:

 

حرية الكسب والتجارة:

حرية العمل والتجارة، فلكل فرد من أفراد الأمة أن يختار لنفسه أي مهنة أو حرفة أو عمل شاء للتكسّب بها، فله أن يختار التكسب بالصيد، أو اخراج المعادن والكنوز، أو حيازة المباحات أو غير ذلك من الكسب الحلال، كما ان للتاجر أن يستورد ما شاء بضاعة أو يصدرها، أو يشتري أو يبيع فلا مانع له إطلاقاً فلا جمارك في الإسلام ولا رسوم ولا شروط، نعم يشترط أن تكون البضاعة محرمة ـ كالخمر ـ وأن لا يكون التعامل ربوياً أو حراماً وأن لا يحتكر التاجر وأن لا يكون في ذلك ضرر على الناس وعلى اقتصادهم.

 

حرية الصناعة والزراعة:

من شاء أن يزرع أي مقدار من الأرض بأية كيفية شاء كان له ذلك ولا «إصلاح زراعي» بالمعنى المستورد في الإسلام نعم، إن كانت الأرض (مفتوحة عنوة) وجب على الزارع دفع أجرة الأرض ـ بمقدار طفيف ـ الى الدولة وهو المسمّى بالخراج وإن كان الزراع فقيراً وجب على الدولة سد حاجته حسب شأنه ولا مانع من أن يزرع الإنسان أي مقدار شاء على شرط أن لا يفوّت الفرصة على الآخرين وأي زرع أراد الا ما كان منه مضراً كالأفيون وليس للدولة أخذ الضريبة إلا الخمس والزكاة مع شرائطهما كما سبق وكذلك جميع الصناعات فإنها تكون حرّة ـ بما للكلمة من معنى ـ إلا ما كان منها محرّماً في الإسلام كصناعة الخمور والمخدرات.

 

حرية البناء والعمران:

حرية البناء والعمارة، فمن شاء أن يعمر الأرض بأية كيفية كانت، كان له ذلك فإن للإنسان في ظل حكم الإسلام أن يتخذ ما شاء من الأرض المباحة وان يبني فيها ما يريد من بيت أو محل أو معمل أو مسجد أو حسينية أو مدرسة أو مستوصف أو مستشفى أو ما أشبه ذلك بكل حرية ولا رسوم على العمارة إطلاقاً ولا يحق للدولة أن تأخذ منه ولو فلساً واحداً للأرض أو غيرها فقد قرر الإسلام: «من أحيا أرضاً مواتاً فهي له» إلا إذا كانت الأرض مفتوحة عنوة فعلى العامر الأجرة للدولة.

واذا طبق هذا الحكم في الأرض والعمران كان كفيلاً بسد حاجات الناس في المسكن وأرتفاع أزمة السكن الشائعة في كل بلاد المسلمين.

 

حرية الإقامة والسفر:

حرية السفر والإقامة، فمن شاء أن يقيم في مكان أو يسافر الى أي مكان فله ما شاء بلا قيد أو شرط، فلا حدود اقليمية في الإسلام ولا قيود عنصرية ولا تمايزات لونية أو لغوية وبهذه الحرية تسقط: الهوية والجنسية وجواز السفر وجميع فروع ذلك، كما أسقطتها مجموعة الدول الأوربية ونفت هذه البدعة المقيتة عن شعبها وبلادها.

 

حرية الأنشطة الإجتماعية والسياسية:

حرية الخدمة الإجتماعية والحركات السياسية مطلقاً، ـ إلا ما حرمها الأسلام وهو قليل جداً فلا دوائر للتجسس إطلاقاً، إذ لا يجوز التجسس على أحد، فلا يوجد في الإسلام دائرة بإسم دائرة الإستخبارات وما أشبه ذلك إلا دائرة جمع المعلومات لصالح الأمة ولحفظ أمنها وصلاحها في الدولة الإسلامية كل أحد حر في قلمه وبيانه وكلامه وتكوينه الجمعيات والهيئات والتكتُّلات والأحزاب وجمعه المساعدات والتبرعات وإصداره المجلات والجرائد وتأسيسه دار الإذاعة والتلفزيون وغير ذلك.

 

حرية سائر الأنشطة:

حرية سائر أقسام الأنشطة الفردية والإجتماعية، فمثلاً: كل إنسان عارف بالسياقة حر في أن يسوق بلا إعطاء رسوم أو نحوها كما إن الميت لا يحتاج الى إجازة لكي يجهّز ويوارى بل لذويه القيام بتجهيزه ومواراته في أي مكان شاءوا أو أوصى به الميت بلا دفع ضريبة او رسوم او ما أشبه ذلك وهكذا بقية الأمور.

س: إنَّ ما ذكر يقتضي إلغاء الكثير من الدوائر؟

ج: نعم.. وكذا كانت الدولة الإسلامية، لا دوائر فيها إلا قليلة جداً ولذا إنَّ الموظفين في الدولة الإسلامية قليلون جداً وبمنتهى القلة وبسبب قلة الموظفين يخف عبأ الحكومة الإسلامية ولا يرهق كاهلها بالمال الكثير.

 

نموذج تطبيقي:

الحرية في ظل حكومة أمير المؤمنين عليه السلام

كان عصر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام عصراً نعم فيه الناس بالحرية الواسعة الاسلامية، خصوصاً بعد ان كان عهد عفان متميزاً بالقوة والفظاظة، حتى أن مثل الصحابي الجليل أبي ذر رضوان الله عليه الذي أطراه رسول الإسلام صلى الله عليه وآله كرات ومرات، كان لا يجد مجالاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهذه الحرية الإسلامية التي فسح لها المجال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام كانت أشبه شيء بالحريات التي منحها رسول الله صلى الله عليه وآله للناس في مفتتح الحكم الإسلامي، فكما كان يعيش في المدينة المنورة وحواليها حتى وفاة النبي صلى الله عليه وآله بجنب المسلمين المشركون، واليهود، والنصارى، والمنافقون، ومختلطين في دورهم وأسواقهم يتعاملون ويمارسون حرياتهم المتبادلة في ظل الإسلام العظيم.

كذلك كان المسلمون، واليهود، والنصارى، والمجوس، والمشركون، بل كل البشر يعيشون في ظل الإسلام عيشة محترمة هانئة، في عزة ورفاه في عصر علي عليه السلام، وقد أثر عنه عليه السلام في هذا المجال.

«الناس إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق» نهج البلاغة: الكتاب53.

هذه الكلمة الفذة العظمية الخالدة التي تفسح المجال لاحترام البشر بما هو بشر، لكي بنظر إليه الناس من هذا المنظار فتجمعهم جميعاً كلمة العدل وحق الإنسانية.

وبحق نقول: ان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام هو واضع الأسس العميقة للحرية ـ بعد النبي صلى الله عليه وآله ـ بأقواله، ومنفذ ثابت للحرية بأعماله وممارساته في أوساط الأمة.

ومما ورد في نهج البلاغة عنه عليه السلام في الحث والتحريض على الحرية قوله عليه السلام:

«ألا حر يدع هذه اللماظة» نهج البلاغة: الحديث456.

«لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا» نهج البلاغة: الرسالة31.

«أيها الناس ان آدم لم يلد عبدا ولا أمة، وان الناس كلهم أحرار، ولكن الله خول بعضكم بعضا» البحار:ج8 القديم ص393.

وهكذا كان علي عليه السلام هو الأقوال على حياته العملية وأسس حكومة إسلامية عادلة حرة، الناس فيها أحرار، على وتيرة رسول الله صلى الله عليه وآله تماما.

وأليك بعض الأمثلة لذلك:

 

أبن الكوا:

كان ابن الكوا رجلاً منافقاً خارجياً ملعوناً مشاكساً لعلي بن أبي طالب عليه السلام في أوج حكومته الواسعة التي كانت ذلك اليوم أوسع حكومة على وجه الأرض، وكان علي عليه السلام ـ بالإضافة إلى انه إمام من عند الله والرسول صلى الله عليه وآله ـ أكبر حاكم على كرة التراب. .

فكان يلقي اعتراضاته على أمير المؤمنين عليه السلام في اوساط العامة، وبصورة شرسة.

أخرج العلامة المجلسي رحمه الله عن كتاب المناقب بسنده:

كان علي عليه السلام في صلاة الصبح فقال ابن الكوا من خلفه: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) الزمر:65.

فأنصت علي عليه السلام تعظيماً للقرآن.

ثم عاد علي عليه السلام في قراءته.

فأعاد ابن الكوا: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

فأنصت عليه السلام أيضاً تعظيماً للقرآن.

فلما أتم ابن الكوا قراءة الآية للمرة الثالثة قرأ علي عليه السلام.

(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَيُوقِنُونَ) الروم:60.

ثم أتم السورة وركع عليه السلام، أنظر بحار الأنوار:ج41ص48.

أية حرية للناس هذه التي تسمح لرجل منافق أن يقدر الرد على الرئيس الأعلى للعالم الاسلامي وهو مثل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في حال الصلاة، ويتعرض له عليه السلام بالشرك والحيط. .

ثم ينصت له الإمام عليه السلام تعظيماً للقرآن الكريم.

ويتكرر الأمر ثلاث مرات.

ويتم الإمام عليه السلام صلاته دون أن يفعل بابن الكواء شيئاً.

ويعود ابن الكوا إلى مسيرته السابقة كأن لم يكن شيء مذكوراً.

أين هذه الحرية من حرية البلاد في عالم اليوم؟

وهل يجرأ إنسان عادي لمثل ذلك مع أي رئيس أو زعيم؟

وإن حصل هذا فهل يمر بسلام؟

لايجيب عليه التاريخ الا بالنفي، حتى في هذا اليوم، في أكثر بلاد العالم حرية، وهذا ماطبقة علي عليه السلام من الحرية الإسلامية.

فليسمع الذين يقولون لاحرية في الإسلام.

 

أبو هريرة:

كان أبو هريرة الذي تربى في بعض العهود السابقة على الدلال والشهوات جاءه عصر علي بن أبي طالب عليه السلام بمد الحق ودقة الإٍسلام وضبط العدل.. .

فلم يرقة ذلك، فوقف في وجه علي عليه السلام معاتباً مشاكساً يريد أن يعلم علي بن أبي طالب عليه السلام سياسة الإسلام وتطبيق حكم القرآن.

كأنه لم يسمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول عن علي عليه السلام الكثير .. والكثير من الفضائل والحسنات.

مثل قوله صلى الله عليه وآله: «علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار» الفصول المختارة: ص97.

وقوله صلى الله عليه وآله: «علي باب حكمتي» خصائص الأئمة: ص57.

وقوله صلى الله عليه وآله: «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها» الفصول المهمة: ص220.

إلى المئات .. والألوف من نظرائها.

كل ذلك من أبي هريرة.

أما من علي عليه السلام فلم يؤثر ذلك كله في أن يغير موقفاً منه تجاه أبي هريرة.

بل بالعكس كان علي عليه السلام يقضي حوائج أبي هريرة بعد ذلك أيضاً.

 

انظر هذه القطعة التاريخية:

أخرج العلامة المجلسي «قده» عن المناقب قال: «وجاء أبو هريرة إلى علي عليه السلام ـ وكان تكلم فيه وأسمعه في اليوم الماضي ـ وسأله حوائجه فقضاها. فعاتبه أصحابه على ذلك فقال عليه السلام: اني لأستحي أن يغلب جهله علمي، وذنبه عفوي، ومسألته جودي» بحار الأنوار:ج41ص49.

أبو ذر رحمه الله وهو الصحابي العظيم الجليل، يتكلم بالحكم الشرعي في مجلس عثمان وهو الرجل المعروف، فلم يكن له جزاء سوى الضرب، والحبس، والتهجير، الجوع، والاذلال، والموت.

أما أبو هريرة ـ هو المعروف بأحاديثه الكاذبة عن النبي صلى الله عليه وآله.

أولاً: يجرءآن يتكلم على علي بن أبي طالب عليه السلام في وجهه.

وثانياً: هو يعلم بالحرية الإسلامية التي يمارسها أمير المؤمنين عليه السلام فلا يخاف بطشاً ولا عقوبة.

وثالثاً: لا يعاقبه علي بن أبي طالب عليه السلام بالرغم من علمه بأن أبا هريرة عاصٍ ومذنب في هذا الصنيع، ساحق للحق، يبحث عن الباطل والظلم.

ورابعاً: يجرء أبو هريرة في الغد أن يطلب إلى علي عليه السلام حوائجه.

وخامساً: بالفعل يغضي علي عليه السلام حوائجه.

كأن لم يكن شيئاً مذكوراً.

ثم يعاتبه أصحابه على ذلك فيجيبهم بمنطق العلم والعفو والجود. .

هذه هي حرية الإسلام في هذا المستوى الرفيع.

 

عطاء الخوارج:

 الخوارج حاربوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

وشهروا السيوف عليه وعلى أصحابه.

وقتلوا الألوف. .والألوف من المؤمنين والمؤمنات من أصحاب علي عليه السلام وشيعته.

وأقاموا على علي عليه السلام حرباً عظيمة.

ومع ذلك كله حفظ التاريخ لأمير المؤمنين عليه السلام: «انه لم يقطع عطاء الخوارج من بيت المال» بحار الأنوار: ج8 (ط القديمة) ص385.

أية حريةٍ هذه وفي أي بعد؟

أين يوجد نظير لهذه الحرية في التأريخ، ما عدا رسول الله صلى الله عليه وآله ومن كان في خط الله تعالى وخط رسل الله وأوليائه؟

 

بايعوا ضباً:

أجمعت الأمة على بيعة أمير المؤمنين عليه السلام بعد مقتل عثمان بيعة ثانية بعدما كانوا قد بايعوه ـ قبل خمسة وعشرين عاماً ـ في غدير خم بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله في منصرفه من حجة الوداع.

وبايعه ثمانية من المنافقين فيمن بايعوه.

ثم خلعوا بيعته ـ بين أنفسهم ـ وبايعوا ضباً في الصحراء.

اقرء معي القطعة التاريخية التالية:

أخرج العلامة المجلسي رحمه الله في البحار عن ابن شهر آشوب في المناقب، والقطب الراوندي في الخرايج، والشيخ الصدوق في الخصال، والصفار في بصائر الدرجلات، وغيرهم عن الأصبغ بن نباته قال:

«أمرنا أمير المؤمنين عليه السلام بالمسير إلى المدائن من الكوفة فسرنا يوم الأحد، وتخلف عمرو بن حريث في سبعة نفر، فخرجوا إلى مكان بالحيرة يسمى الخورنق، فقال: نتنزه فإذا كان يوم الأربعاء خرجنا فلحقنا علياً قبل أن يجمع (أي: قبل أن يصلي صلاة الجمعة).

فبينما هو يتغدون إذ خرج عليهم ضب فصادوه.

فأخذه عمرو بن حريث فنصب كفه (أي: كف الضب) وقال:

بايعوا، هذا أمير المؤمنين.

فبايعه السبعة وعمرو ثامنهم.

ثم أفلتوه وارتحلوا.

وقال: ان علي بن أبي طالب يزعم أنه يعلم الغيب، فقد خلعناه وبايعنا مكانه ضبا.

فقدموا المدائن يوم الجمعة وأمير المؤمنين عليه السلام يخطب.

ولم يفارق بعضهم بعضا، فكانوا جميعا حتى نزلوا على باب المسجد، فلما دخلوا نظر إليهم أمير المؤمنين عليه السلام من فوق المنبر وقد قطع حديثه، فقال:

«يا أيها الناس ان رسول الله صلى الله عليه وآله أسر إلى ألف حديث لكل حديث ألف باب، لكل باب ألف مفتاح. واني سمعت الله جل جلاله يقول: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) الإسراء:61. وإني أقسم لكم بالله، ليبعثن يوم القيامة ثمانية نفر يدعون بإمامهم وهو ضب. ولو شئت أن أسميهم لفعلت».

قال الأصبغ بن نباته:

فلقد رأيت عمرو بن حريث قد سقط كما يسقط السعفة حياءاً ولؤماً، وجبناً وفرقاً.

كيف يأمن هؤلاء الثمانية أن ينكثوا بيعتهم؟

بيعتهم لأمير المؤمنين عليه السلام الذي اعتبره القرآن الحكيم نفس رسول الله صلى الله عليه وآله في آية المباهلة من سورة آل عمران:61.

ثم يتمادوا في غيهم فيبايعوا ضباً إيغالاً منهم في إهانة أمير المؤمنين قسيم الجنة والنار.

وموقف أمير المؤمنين عليه السلام منهم موقف العطف والرحمة، يعرفهم، ويخبر عنهم، ومع ذلك يحجم عن ذكر أسمائهم لكي لا يحطمهم الناس.

ومع ذلك كله يظل الثمانية على نفاقهم وضلالهم.

مثل هذه الحرية لا توجد إلا في الإسلام.

ولا يمثلها إلا حاكم إسلامي عادل مثل رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام، ومن كانت سيرته متابعة لسيرتهما.

 

وساطة في التزويج:

كانت الكوفة تجمع خليطاً من العرب، والفرس، وغيرهما من الأمم الذين دخلوا في الإسلام في العصور المتأخرة عن وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله. .

وكانت القومية قد ركزت في قلوب بعضهم، نتيجة ضعف أسس الإسلام العالمية في نفوسهم. .

لذلك: جعل بعض العرب يمتنع عن تزويج غير العرب.

فجاء غير العرب إلى أمير المؤمنين عليه السلام فذكروا له ذلك، وطلبوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام أن ينصحهم ويقوم بدور الوساطة في ذلك.

ففعل علي عليه السلام ذلك، ولم يستجب أولئك لعلي عليه السلام.

أية حرية هذه التي يسعى أمير المؤمنين عليه السلام في التزويج، فلا تقبل وساطته، ولا يحرك ساكن؟

هذه هي حرية الإسلام.

 

صلاة التراويح:

كان النبي صلى الله عليه وآله يصلي نوافل شهر رمضان فرادى ولم يجز أن يصلي جماعة، حتى أن المسلمين اجتمعوا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله في إحدى ليالي شهر رمضان فلما أتم الصلاة خرج من المسجد وذهب صلى الله عليه وآله إلى البيت ولم يسمح لهم في ذلك.. «راجع الطرائف:ص456».

وكان الوضع هكذا في عهد أبي بكر.

وهكذا فترة من عهد عمر بن الخطاب.

ثم رأى عمر أن تصلى هذه النوافل بجماعة وسميت بـ (صلاة التراويح) وجرى على ذلك عثمان بن عفان.

فلما جاء علي عليه السلام إلى الحكم منع عن التراويح كما منع عنها رسول الله صلى الله عليه وآله.

غير أن جماعة من المسلمين حيث كانوا قد تعودوا صلاتها سنين طوال خرجوا في مظاهرة ضد المنع عن التراويح.

فلما بلغ الخبر إلى أمير المؤمنين عليه السلام أمر بأن يتركوا ليفعلوا ما شاءوا.

وهذا من مصاديق الحرية في الإسلام حيث يدع الرئيس الأعلى للإسلام والمسلمين الناس يخالفونه، ولا يعاقبهم بشيء.

 

سؤال بتعنت:

أخرج المحدث القمي رحمه الله عن عبد العزيز الجلودي في كتاب الخطب قال:

خطب أمير المؤمنين عليه السلام فقال:

«سلوني فاني لا أسئل عن شيء دون العرش إلا أجبت فيه، لا يقولها بعدي إلا جاهل مدع، أو كذاب مفتر».

فقام رجل من جانب مجلسه وفي عنقه كتاب كأنه مصحف ـ هو رجل ادم ضرب، أي: خفيف اللحم، طوال، جعد الشعر كأنه من مهودة العرب ـ فقال رافعاً صوته لعلي عليه السلام: أيها المدعي ما لايعلم، والمقلد ما لايفهم أنا السائل فأجب.

فوثب إليه أصحاب علي عليه السلام وشيعته من كل ناحية، فهموا به.

فنهرهم علي عليه السلام، فقال لهم: دعوه ولا تعجلوه فالطيش لا يقوم به حجج الله، ولا به تظهر براهين الله.

ثم التفت عليه السلام إلى الرجل وقال له: سل بكل لسانك وما في جوانحك فإني أجيبك.

ثم سأله الرجل عن مسائل فأجابه.

فحرك الرجل رأسه وقال:

«أشهد ان لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله» سفينة البحار:ج1ص586.

هذا مفهوم الحرية عند علي بن أبي طالب عليه السلام.

منطق الكلمة .. لا منطق العنف.

منظق النقاش ... بدل منطق الرصاص.

حرية الكلام سمحت للسائل المتعنت ان يخضع فيكون مؤمناً مؤدباً.

ومنطق البرهان فسح المجال لليهودي العنيد أن يكون مسلماً خاضعاً.

وهذا هو منطق الإسلام، ومفهوم الحرية عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

والأمثلة والقصص في الإسلام وفي ظل حكومة أمير المؤمنين عليه السلام كثيرة لو أردنا الإسهاب لطال المقام بنا فعسى أن يكون فيما ذكر عظات وعبر والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.