تأملات في النهج المحمدي للإصلاح ومكارم الأخلاق

قراءة من رؤى سماحة المرجع الشيرازي

alshirazi.net

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله كما ينبغي ان يحمد والسلام على خيرة خلقه محمد وآله الأطهار الميامين الأبرار واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

قال الله عزّ وجل: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ) آل عمران:164.

الرسولُ الأعظمُ ـ صلى الله عليه وآله ـ نشأَ في ظرفِ الصحراءِ القاسي كغيرهِ من أبناءِ الباديةِ، فاعتادَ هجيرَها وسمومَها وبساطَتَها وفطرَتَها الأولى وجشوبَتَها المتأصلة، فصلبَ عودُهُ كجلمودِ الصخرِ لا تميلُهُ الرياحُ العاتيةُ، ولا تتقاذَفُهُ الأمواجُ العاليةُ، أنسَ الوحدةَ فلا توحشهُ المخالفةُ وتخالفُ الأهواءِ، فصَقَلَت نفسَهُ الأبيَةَ على الاستقلالِ وقوةِ الإرادةِ ومركزيةِ القرارِ والاستعدادِ للوحِي الإلهِي والأمرِ الربانِي.

 وإذا بابن الصحراءِ الخاليةِ والأصقاعِ المتراميةِ، والأمَّةِ الباديةِ، يصوُغُ من جهلِها علماً، ومن رمالِها جنوداً، ومن كُثبانِها دروعاً، ومن قفارِها قبلةً، ومن تلاعنِها أُلفةً، ومن تقاطعِها وحدةً، ومن تفرُّقِّها كفاً واحدةً، وعقيدةً واحدةً، وجسداً واحداً، وصوتاً واحداً، وهدفاً واحداً، وطموحاً انبثقَ من قلبِ الغارِ لإحياءِ أمةَ الصحراءِ والخمولِ، ليصولَ بها على نظيراتِها ذواتِ التاريخِ والأصولِ، ليُطأطأ كلُّ عظيمٍ لعظمتِهِ، ويخضعُ كلُ مهيبٍ لسطوَتِهِ، وكلُ جبّارٍ لهيبَتِهِ، وإذا بأمَّةِ الجهلِ منارُ العلمِ، ومركزُ الفكرِ وقبلةُ الحضارةِ، ورائدةُ الأممِ.

فهل لأمة من الأمم نضير رسول الله الأعظم ـ صلى الله عليه وآله ـ وهل في أمته من يدانيه منزلة أو يطابقه صفة فضلا عن ان يتفوق عليه، وفي المقام يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: «النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكبر وأفضل شخصية خلقها الله تعالى، حتى أن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عندما سئل: أنبيّ أنت؟ قال: أنا عبد من عبيد رسول الله صلى الله عليه وآله».

وقال سماحته ايضاً: «لا شكّ أن رسول الله صلى الله عليه وآله هو أفضل الخلق وأعزّهم عند الله تعالى، فهو أشرف المخلوقات، بل إن الله تعالى ما خلق الخلق إلاّ لأجله صلى الله عليه وآله، وهو الذي قال له يخاطبه ليلة المعراج كما في الحديث القدسي: يا أحمد لولاك لما خلقت الأفلاك».

 

الأخلاق العظيمة:

شهد العظيم سبحانه لعبده الأكمل بأخلاقه العظيمة قائلاً: (وَإِنَّكَ لَعَلَى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم: 4، فأخلاق بلحاظ العظيم عظيمة جديرة بالتقديس والإتباع فصاحبها مجمع الفضائل، قال المرجع الشيرازي دام ظله: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله مجمع الفضائل والمكارم، ومعقد الشرف والكرامة، وموطن العلم والعدل، والتقوى والفضيلة، ومدار الدين والدنيا، والأولى والآخرة».

ورغم ان رسول الله صلى الله عليه وآله تميز بالحكمة والتدبير والكياسة فاستطاع جذب الناس إليه ودعوتهم للإسلام ودخولهم أفواجا وبذلك أنقذهم من ظلمات الجهل وزكاهم ورفعهم مراتب، قال دام ظله: «دخول الناس أفواجاً إلى الإسلام في زمن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله لم يكن معجزة وعملاً غير طبيعي، بل كان نتيجة طبيعية لنهج وطريقة وأسلوب نبي الإسلام صلى الله عليه وآله»، الا ان الفضل في ذلك لما اتصف به من أخلاق عظيمة، قال دام ظله: «لقد جذب رسول الله صلى الله عليه وآله كثيراً من الناس بأخلاقه الرفيعة».

استطاع الرسول بناء امّة كانت من قبل طابعها التشتت والضياع، والتفرق والانصياع إلى الأهواء والشهوات، حاكمها الخوف من ان تتخطف من قبل الأمم الأخرى، فمنّ الله عليها برسول كريم زكّا أعراب الصحراء وعلمهم ورفع ذكرهم، لكن لو أطاعوه في كل ما جاء به لما فاقتهم امة أو شعب ولا استعبدهم الفقر ومنّاهم الطمع، وقتلهم الحقد والجشع، فما ان مضى المصلح العظيم إلى بارئه مظلوما شهيدا صلوات الله عليه الا والأمة انقلبت على أعقابها القهقرى الا أفراد قليلة وجماعة صابرة استمسكت بالحق وعليه سارت، والأمر ذاته مستمر فمن اتخذ نهج الرسول قانونا مقدساً ومتبعاً فاز بالعدل والرفاه والتقدم، يقول دام ظله: «على المسلمين، بل العالمين، إن أرادوا لأنفسهم خيراً، الاقتداء بسيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، والتأسّي بأخلاقه صلى الله عليه وآله»، ومن اعرض عن المنهج المحمدي الحق فحياة طابعها التعاسة والفقر والعوز قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً) طه: 124.

والحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين.