رؤية واضحة وثوابت لا تخضع للمساومة

alshirazi.net

احمد جويد / مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث

 بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على اعدائهم اجمعين الى قيام يوم الدين.

وبعد:

«متى ما كانت السياسية تسيطر على التوجهات كانت الثوابت عرضة للمساومة»، هكذا نقرأ المشهد للمرجعية الشيرازية التي ترى إن السعادة تأتي من الالتزام بثوابت الإسلام كما يعبر عن ذلك المرجع الديني الكبير السيد صادق الشيرازي، فقد كرست المرجعية الشيرازية جهودها الفكرية والثقافية على نشر قيم حرية الإنسان وضمان أمنه ورفاهه، وتوطيد أسس العدالة بآفاقها الإنسانية والكونية، والعمل على إقامة دول السلام والأمان والازدهار في أجواء حرية الرأي والتعبير ورفض الاستبداد بكل أنواعه وأشكاله وأحجامه، واحترام تشريعات حقوق الإنسان ومبدأ السلم والتعاون بين الشعوب والدول، والإلتزام بمبدأ اللاعنف كطريق لحل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية والسياسية التي تحدث بين الأفراد والمجتمعات والدول.

 هذا التوجه هو الذي دفع أعداد كبيرة من الشيعة لإتباع هذه المدرسة التي يبلغ عمرها عقود من الزمن، كما إن وضوح الرؤية دفع المئات بل الآلاف من المسلمين أصحاب الميول المعتدلة من المذاهب الأخرى إلى إتباع هذه المدرسة والأخذ بأفكارها وأطروحاتها في العديد من دول العالم ومنها دول شمال أفريقيا وخصوصا في مصر بعد الإطاحة بنظام مبارك.

 فقد كان المرجع الديني الراحل الإمام السيد محمد الشيرازي يمتلك هذه القدرة، بطرحه لنظرية معرفية تعي ظروف العصر ومتطلباته، وكذلك نظرية اجتماعية وسياسية وقانونية تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الزمنية، وترتكز على ثوابت إسلامية استمدت من عمق الدين الإسلامي وتجارب النجاح والفشل التي مرت بها أمتنا الإسلامية عبر تاريخها الطويل، وقد عبر عن ذلك كله في كتبه القيمة التي تعتبر بحق أعظم الدلائل على كفاءته العلمية، إذ لم نرَ أحداً من الفقهاء في هذا العصر يمتلك تلك المعرفة وذلك الاطلاع على الثقافة والمجريات والنظريات العصرية، في الوقت الذي يمتلك فيه القدرة على استنباط الأحكام الشرعية.

 فقد كان للمشروع الحضاري الذي سارت عليه المرجعية الشيرازية الأثر الكبير في نفوس من اطلعوا عليه من دون تعصب أو أحكام مسبقة، وهي على طول مسيرتها-أي المرجعية الشيرازية- تتجه بمشروعها ضمن خطين متوازيين يكمل احدهما الآخر وهما:

أولاً: الخط الحضاري (القلم والقيم)

 ويتمثل في:

1- الجانب العلمي والفكري: فقد كّون الإمام الشيرازي مدرسة مرجعية استظل بهديها الكثير من الناس من بلدان مختلفة، ولاقت إنجازاته وأفكاره النجاح والرواج في مختلف تلك المناطق رغم التحديات التي وقفت أمامها من قبل بعض المناوئين، ومن الضغوطات السياسية المتنوعة، إلا أن الجهود والأفكار التي كان يطرحها راجت بشكل واسع جداً، وإننا نرى آثارها في الكثير من البلدان في وقتنا الحاضر، وهذا يدل على القدرة الإدارية والاهتمام بالتخطيط والطموح العالي الذي كان يمتلكه، ويتحدث أحد تلاميذ مدرسته عن تلك الروح بالقول: «كان الإمام الشيرازي محلقاً دائماً في طموحاته وتطلعاته، وقد يراه البعض خيالياً مثالياً فيما يطرح من مشاريع ومقترحات، وخطط وبرامج، لكنه يبرهن على إمكانية تحقيق أطروحاته بالإمكان العقلي، وبالتوجيه الديني، ـ الذي لا يأمر بالمحال ـ وبإنجازات الأمم والعظماء في غابر الزمان وحاضره، كما يقدّم بسيرته العملية وإنجازاته الفعلية دليلاً على إمكانية تحقيق ما كان يُستبعد تحقيقه».

2- الدفاع عن حقوق الإنسان وحرياته وحقه في الحياة كما أراد له الله سبحانه وتعالى أن يعيش بحرية وأمان وكرامة، فقد أكدت المرجعية الشيرازية رفضها المطلق لكل أساليب العنف والإرهاب التي تمارسها هذه الأيام تنظيمات وميليشيات وفصائل تدعي بأنها (إسلامية) في العراق وأفغانستان وعدد من دول العالم في شرق الأرض وغربها حيث يرى علماء هذا الخط المرجعي أن الإسلام دين يعمل على نشر الأمن والأمان والسلم والسلام في العالم، وانه دين يحرّم العنف والإرهاب، والغدر والاغتيال، ويحارب كل ما يؤدي إلى الذعر والخوف، والرعب والاضطراب في الناس الآمنين... كما أكدت المرجعية الشيرازية - وكانت رائدة في ذلك - على أنه ينبغي تجنب عمليات خطف الطائرات والأشخاص، وانتهاك حقوق الإنسان وقمع أصحاب الفكر المخالف، واعتقال الكتاب والمثقفين والباحثين وإشاعة الرعب والإرهاب التي هي من مصاديق العنف.

3- "لا" للتطرف: أطروحة المرجعية الشيرازية في مكافحة العنف المنتشر في العديد من المدارس الدينية المتشددة المتواجدة في العديد من الدول العربية والإسلامية أكدت على انه يمكن مكافحة العنف في المجتمع من خلال تعميم ثقافة اللاعنف، وتوضيح إن العنف نار تحرق الكل ولا تستثني أحداً، وعبر بيان مضار العنف النفسية والاجتماعية والدينية، وتوفير الحرية للمجتمع في الاختيار الفكري والعقائدي، فإنه في أجواء الكبت والإرهاب والاستبداد والديكتاتورية تنمو الاتجاهات المتطرفة والحركات التدميرية.

4- تعزيز الجانب الثقافي: يجب رفع المستوى الثقافي في الأمة الإسلامية، كما يجب السعي للوعي أي وعي المسلمين بدينهم الذي يأمرهم بالعدل والإحسان، لأن القراءة المنحرفة عن الإسلام هي التي تؤدي إلى بروز فكر كفكر الخوارج، قال الله تعالى: «فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ» الزمر: 17و18، وقال سبحانه: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا اِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ» الحجرات: 13، فالتقوى هي معيار الأفضلية كما أن ثقافة تقبل الآخر واستماع الرأي الآخر هي ملاك التعقل الذي كرر القرآن الكريم الحث عليه.

ثانياً: الخط العقائدي (المبادئ)

 هي التي لا يقبل المساومة أو المجاملة في أي حال من الأحوال حتى وإن ابتعد عنك الأقربون أو انتقدك الآخرون، فالالتزام بشرع الله سبحانه وتعالى وبرسالة رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وبمنهج أهل البيت عليهم السلام وبأحقيتهم في خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هي ثوابت لا يمكن الحيّد عنها بالمطلق.

وبذلك فإن تلك الثوابت يجب أن يلتزم بها المراجع والمقلدين على السواء، وقد وضع الإمام الشيرازي بعض المحددات للمرجع المتصدي، حيث لابد للمرجع لأن يتخذ احتياطياته لتكون حركته في هذا الاتجاه متناسبة مع مستوى التحدي القائم، منها:

1- لابد للمرجع من جبهة دفاع قوية، إذ أن أعداء الإسلام، نظموا أنفسهم في جبهة واسعة، وأصبحوا يهاجمون الإسلام بصورة منظمة ومركزّة، وإذا لم يشكل المرجع جبهة في المقابل، فإن عمله سينهار في أول مواجهة بينه وبين جبهة الكفر.

2- يجب على المرجع أن يكون شديداً في مواجهة الانحرافات، سواء كانت من قبيل الانحرافات العقدية التي يثيرها الملحدون أو الانحرافات الخلقية التي ينشرها المستهزئون أو الانحرافات الناشئة من عدم الالتزام بالشريعة الإسلامية، سواء على صعيد الدولة أو المجتمع.

وقد كانت المرجعية الشيرازية من اهم المرجعيات التي دعت الى الالتزام بخط وسيرة الشعائر الحسينية المقدسة باعتبارها الحصن العقائدي والثقافي الذي يحمي الامة من الانحرافات الفكرية والسلوكية، وقد قال المرجع الديني السيّد صادق الحسيني الشيرازي في كلمة اخيرة له إنّ الواجب الملقى على عواتقنا أن نسعى جاهدين في سبيل تحقيق هدف الإمام الحسين صلوات الله عليه.. وكل المجالس الحسينية ومراسيم العزاء الحسيني والشعائر الحسينية المقدّسة بكافّة أشكالها، هي بمثابة مقدّمات تفضي إلى تحقق الهدف الأصلي لسيّد الشهداء سلام الله عليه... واضاف: فهنيئاً لمن يستطيع أن يقدّم خدمة للإمام الحسين سلام الله عليه ولا يتقاعس، وتعساً لمن يستطيع أن يعمل شيئاً في هذا المجال ولا يعمل، فسيندم ويتحسّر يوم الحسرة والندامة.

وهذا يدلل على إن لا مساومة مع الانحراف عن شرع الله سبحانه وتعالى وبرسالة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أو تجاوز منهج أهل البيت وحقهم في قيادة الأمة الإسلامية وإتباعهم كما أمر الله بذلك في قوله تعالى: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) الشورى: 23، وكما أمر نبيه الكريم «إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وإنما أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له» العبقات ج 2 ص 711 من حديث السفينة.

والحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين.