الغدير النهج الإلهي للتكامل الإنساني

قراءة من رؤى المرجع الشيرازي

alshirazi.net

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على اعدائهم اجمعين الى قيام يوم الدين.

وبعد:

قال تعالى: (اليوم أَكْمَلْتُ  لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ  الْإِسْلاَمَ دِيناً) المائدة:3

ان اليوم الذي اتمَّ الله سبحانه النعمة على عباده المسلمين وارتضى لهم الدين الاسلامي لهو اليوم الاعظم والعيد الاكبر، ومن المعلوم ان هذا اليوم جاء اثر تنصيب الأمام علي عليه السلام خليفةً ووصياً وأماماً وولياً واميرا للمؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله في يوم عُرف بيوم الغدير في الثامن عشر من شهر ذي الحجة الحرام.

ان الرضا الإلهي لهو اكبر النعم الربانية في الجنة قال تعالى: (وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا  الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة:72، ففي ذلك اشارة: ان اتبع الناس نهج الغدير فسيتمكنون من ايجاد الجنة في الارض حيث يكون سقفها رضوان الله تعالى، الامر الذي يفرض علينا بيان معنى الغدير اولا، ومن ثم بيان افقه بعد ذلك ثمرته وكذا ان تخلف الناس عن الغدير ماذا سيحصل نتيجة الاعراض.

 

معنى الغديروحقيقته:

المتبادر من مصطلح يوم الغدير هو الثامن عشر من شهر ذي الحجة الحرام ففي هذا اليوم امر الله سبحانه رسوله الاعظم صلى الله عليه وآله بتنصيب امير المؤمنين عليه السلام إماماً من بعده وولياً لذا حين التبليغ قال رسول الله صلى الله عليه وآله مخاطباً المسلمين: «ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى. فقال: من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، فنهض عمر بن الخطاب وقال: بخٍ بخٍ لك يا أبا الحسن أصبحت مولايَ ومولى كل مسلم ومسلمة».  النهاية لابن كثير:7 /386.

 لكن حين التأمل نجد ان للغدير معنى اوسع وفي هذا الصدد يقول المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله: «الغدير هو الوعاء الذي تصبّ فيه جميع تضحيات الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مخزن الأحكام والآداب التي أوحى الله تعالى بها إلى رسوله الأمين». وقال كذلك: «الغدير روضة الفضائل والأخلاق والمكارم والمحاسن بل هو المكارم بعينها». وقال ايضاً: «الأخذ بولاية أمير المؤمنين سلام الله عليه، له أثر تكويني، ويوجب سبوغ البركات والخيرات على الناس من الأرض والسماء».

وقال سماحته: «مما يثير الانتباه في الآية الكريمة: (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) أن الله تعالى قد ربط إتمام نعمته على الخلق بموضوع ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، أي كما أن تحقق كمال الدين ارتبط بالولاية فإن إتمام النعمة أنيط بإعلانها من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والمقصود بالنعمة جميع النعم، ظاهرها وباطنها مثل العدل والمساواة والاتحاد والأخوة والعلم والأخلاق والطمأنينة النفسية والروحية والحرية والإحساس بالأمن، وبعبارة موجزة جميع أنواع العطايا».

وقال سماحته: «حقيقة الغدير بجوهره وروحه يعني مدرسة أمير المؤمنين سلام الله عليه التي تصلح لإسعاد البشر أجمع».

 

أفق الغدير:

ومما تقدم يتضح ان افق الغدير في وسع الرسالة الاسلامية باجمعها وهي الدين الاوحد الذي ارتضاه الله سبحانه وبالتالي الارادة الربانية التشريعية ارتأت ان يعم نهج الغدير العالم بل الخلق كله، يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: «عيد الغدير ليس يوم أمير المؤمنين علي سلام الله عليه وحده، بل هو يوم الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم أيضا، بل يجب القول بأنه يوم الله تعالى. لقد أوحى الله تعالى عز وجل بالأحكام والواجبات الواحدة تلو الواحدة حتى ختمها بالولاية، لأنه عندما تم بيان هذا الحكم، أنزل الله هذه الآية (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)، وعلموا أن عليهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الامتثال لطاعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأبنائه الطاهرين سلام الله عليهم».

 

ثمرة الاخذ بنهج الغدير:

اذاً الغدير يمثل الاسلام المحمدي الاصيل المنبثق من المشيئة التشريعية الإلهية وبه يتحقق جميع اهداف الانبياء والمرسلين سلام الله عليهم وهو ما وعد الله سبحانه بتطبيقه حين ظهور المولى الحجة بن الحسن المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.

لكن هل امتثل المسلمون الامر الإلهي ام عصوا الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله؟ واقع الحال انهم تخاذلوا وعصوا وانقلبوا على الاعقاب قال سبحانه وتعالى: (وَمَا مُحمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏  أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً  وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ) آل عمران:144.

وبذلك اقصى المسلمون امير المؤمنين عليه السلام فأقصوا بذلك نهج الغدير وما زالوا مستمرين على ذلك، ولو انهم امتثلوا الأمر لبلغت الإنسانية اوج عظمتها وتطورها وكمالها، وفي هذا الصدد يقول سماحته دام ظله: «لو حكم الإمام علي عليه السلام وتحقق الغدير لأكل الناس من فوقهم ومن تحت أرجلهم رغدا إلى يوم القيامة».

وقال سماحته ايضاً: «لو كان الإمام علي عليه السلام يحكم كما أراد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتحقق الغدير، لما وجد اليوم مريض لا سجين واحد في العالم، ولا أريقت قطرة دم ظلما ولا وجد فقير ولا تنازع زوجان ولا قطع رحم...».

ورغم ذلك الاقصاء الا ان الإمام علي عليه السلام حين علم المسلمون خطأهم وندموا وبايعوه ـ وان لم يكن الجميع بل افتعلوا الحروب وعرقلوا مسيرة التكامل التي انتهجها سلام الله عليه ـ حقق عليه السلام في ظرف السنوات الخمس التي حكم فيها رغم الصعوبات المعترضة كما تقدم ما لم تستطع اي حكومة الى اليوم تحقيقه، وفي المقام يقول سماحته: «لقد أوصل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام خلال أقلّ من خمس سنين من حكمه البلاد إلى حدّ لم يعلم وجود فقير واحد حتّى في أطرافها النائية عن العاصمة، حتى أن وجود مستعط غير مسلم كان غريباً وشاذّاً».

وقال كذلك دام ظله: «في مجال الاقتصاد، وضمان معيشة الأقلّيات، لم يدع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أيام حكومته فقيراً واحداً حتى من أهل الكتاب إلا وضمن معيشته».

وقال حفظه الله: «لقد ساوى الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إبّان حكومته في القضاء الإسلامي بين الحاكم الأعلى وفرد عادي من أفراد الأقلية».

وكذلك قال: «لم يأذن الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام أيام حكومته بقطع عطاء محاربيه بعد هزيمتهم في ساحة القتال، بل نهى عليه السلام من أن يسميهم أحد آنذاك بالمنافقين، مع أنهم كانوا أظهر مصاديق المنافقين».

وقال ايضاً: «من عدل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ورحمته أنه وبعد ما أن وضعت الحرب أوزارها في (الجمل) و(صفين) و(النهروان) لم يعاقب مثيري الفتنة، ومشعلي نار الحرب، مع انتصاره عليهم، وتمكّنه من رقابهم».

فإين تجد ـ ايها القارئ الكريم ـ حكما كحكم امير المؤمنين عليه السلام، ورغم ذلك بعد شهادته عليه السلام اقصوا اولاده الائمة بالحق والمنصبين من قبل الله تعالى عن الحكم الظاهري وبذلك كان اقصاء للغدير ونهجه مرة اخرى لاسيما وان للزمن الدور الفعال في تطبيق النهج الإلهي فلا يعترض احد بان الامير خلال السنوات الخمس لما لم يحقق الاهداف التي ذكرتموها آنفا؟ والجواب واضح فالتطور لابد ان يكون تدريجيا، وكذا عدم وجود المعوقات الشيطانية من قبل اولياء الشيطان كمعاوية ومن سبقه ممن اقصوا الغدير ونهجه السماوي الخلاق.

وفي الختام نقول: ان لم يعترف االعالم لاسيما المسلمون بخطأهم ويرجعوا الى الغدير فان مستقبل الانسانية في تقهقر مستمر وتسافل دائم، وان كل نهج سياسي او اجتماعي كان او اقتصادي او فكري او ديني لم يأخذ من الغدير معينه فهو باطل وخاسر  ومضل للناس وفي المقام يقوزل سماحته دام ظله: «عقيدة لا تغرف من معين الغدير فهي ليست على شيء».

والحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين.