الإضراب عن الطعام.. صورة من نجاح اللاعنف

 

(حركةُ اللاعنفِ وإنْ كانتْ صعبةً جداً على النفسِ لكنّها مثمرةٌ جداً في الوصولِ إلى الهدفِ، والعاقلُ يقدّمُ الصعوبةَ على الفشلِ)

الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي

 

احمد جويد/مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث

 بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

أضحت بعض الشعوب المسالمة والتي ترزح تحت نير (إرهاب الدولة) لا تجد لنفسها أي سلاح تمارس فيه الضغط على الحاكم أو تستطيع أن تعبر من خلاله عن رفضها لحالة الظلم غير استخدام (أمعائها) كوسيلة تستنهض بها ضمير العالم، وبخاصة إذا ما تم قمع هذه الشعوب بالأسلحة والاعتقالات والمطاردات الأمنية، ويبدو إن اسلوب الإضراب عن الطعام أصبح من وسائل التعبير القوية التي يتعاطف معها أصحاب الضمير الحي كونه يهز وجدان الأحرار في جميع دول العالم وفي مقدمتهم العاملون في الهيئات والمنظمات الحقوقية ذات الطابع الإنساني.

 إذ تنظر تلك الهيئات للإضراب عن الطعام على إنه وسيلة مقاومة أو ضغط لاعنفيَّة حيث يكون المشاركون في هذا الإضراب صائمين (ممتنعين عن الطعام) كعمل من أعمال الاحتجاج السياسي، أو لاستثارة الشعور بالذنب في الآخرين، وعادةً ما يصاحبه غاية لتحقيق هدف محدد، كتغيير سياسي معين.

 وكان الإمام الشيرازي (رحمه الله) صاحب نظرية "اللاعنف المطلق" قد أوصى ابنا الشعب الفلسطيني بترك العنف كاسلوب للمطالبة بحقوقهم وإتباع الوسائل السلمية مادامت تظهر المظلومية الكبيرة التي يتعرضون لها على أيدي السلطات الإسرائيلية، وهذا ما فعله بعض السجناء الفلسطينيون لدى إسرائيل بما بات يعرف بـ(معركة الأمعاء الخاوية) بتاريخ 17-4-2012، حيث امتنع 1600 أسير فلسطيني عن تناول وجبات الطعام لذلك اليوم وأعادوها إلى إدارة السجون في خطوة فضلوا فيها الجوع على الخضوع لسياسات وأفعال وصفوها بالتعسفية، باتت إدارات السجون الإسرائيلية تتخذها بحقهم.

 ومن خلال تلك الخطوة استطاع هؤلاء السجناء أن يهزوا ضمير العالم (الغربي بالخصوص) والذي عجزت عن هزه أحجارهم أو صواريخهم التي تطلق على المستوطنات الإسرائيلية بين الفينة والأخرى.

ولو وجهنا النظر إلى اتجاه آخر من المنطقة العربية وبالأحرى إلى البحرينية لوجدنا الشعب البحريني إنموذجا في اللاعنف وذلك من خلال المعطيات الآتية:

1- وجود سلطة مستبدة قائمة على القمع.

2- وجود شعب مسالم مسلوب الحقوق والحريات.

3- وجود تهميش وإقصاء لسكان البلد الأصلين.

4- قيام مسيرات سلمية تطالب بالإصلاح.

5- وجود وحشية كبيرة لتفريق المسيرات السلمية بوسائل لا تتناسب وسلمية المسيرات.

6- وجود تدخل عسكري خارجي استباح مدن محددة بعينها بدوافع وأحقاد مذهبية بعيدة كل البعد عن السبب المحرك الاحتجاجات.

ورغم ذلك كله لم يخرج اسلوب الاحتجاج أو الاعتراض في البحرين عن الطابع السلمي رغم محاولات السلطات جر المحتجين إلى مواجهات عنفية، فلم يجد أبناء البحرين بداً من استخدام اسلوب الإضراب عن الطعام للتعبير عن مدى الظلم والحيف الذي وقع عليهم كاسلوب لاعنفي ضمن مسيرة الاحتجاجات المستمرة وبخاصة الإضراب الذي قام به الناشط عبد الهادي الخواجة.

 لم يأخذ المشهد البحريني حقه وكفايته في الوسط الإعلامي فمن المهم، للحصول على درجة قصوى من التأثير، أن ترافق الإضراب عن الطعام أعمال تأييد وتضامن (إعلانات، توزيع منشورات، توقيع عرائض، تغطية إعلامية للقنوات الفضائية...)، كما يمكن الشروع بأعمال إضراب أخرى عن الطعام في أماكن أخرى للغاية نفسها، يبقى أن المضربين، بحكم فترة عملهم المحدودة، لن يكون في مقدورهم، في أغلب الأحيان، إيجاد توازن قوى كافٍ لكسب القضية، فإذا كان عملهم مبادرةً معزولة، يُخشى أن يكون وَقْعُه عابرًا، لذا ينبغي أن يُنظَر إلى الإضراب عن الطعام كحلقة من حلقات الأعمال المختلفة من سلسلة الكفاح اللاعنفي.

 ولا تبدو المسالة غريبة على الشعب البحريني الذي تأثر كثيراً بفكر الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي(رحمه الله) وبالذات دعوته لنبذ العنف ونظريته المعروفة بـ(اللاعنف)، ففي كتاب "هكذا ربانا الإمام الشيرازي" للكاتب حسن آل حمادة يورِد تعريف اللاعنف عند الإمام الراحل بالقول: (أن يعالج الإنسان الأشياء سواء كان بناء أو هدماً بكل لين ورفق، حتى لا يتأذى أحدٌ من العلاج، فهو بمثابة البلسم الذي يوضع على الجسم المتألم حتى يطيب)، وخلال تاريخ سكان البحرين الأصليين لم يحدث أنهم انتهجوا العنف كوسيلة للمطالبة بحقوقهم، لا لعدم شجاعة فيهم بل هو تربية وسلوك سارت عليه أجيالهم إلا إذا اضطرتهم الظروف إلى غير ذلك.

 لقد جعل الخواجه كـ(بحريني) لإضرابه عن الطعام عمل قويُّ الشخصَنة كونه ناشط معروف في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، وبالتالي فإن إسمه وشخصيته تمثل عناصر جوهرية في عملية استنهاض الرأي العام وتوعيته، فكان إضرابه يمثل عمل تضامني مع جميع الأشخاص الذين تم الاعتداء عليهم من قبل السلطات البحرينية، وبذلك العمل جعل نفسه لسانَ حال الذين يعانون الظلم والذين يكافحونه في آن معًا، لذا جاء التضامن سريعا معه من قبل أبناء الشعب البحريني والعديد من منظمات حقوق الإنسان حتى لا يتعرض عمله للإخفاق.

ومن خلال تلك التجارب لاسلوب الاضراب عن الطعام نكون قد استخلصنا ما يلي:

أولاً: لا يمكن للإنسان أن ينتزع حقه أو يسترده من خلال العنف.

ثانيا: وسائل اللاعنف تجعل العالم المنصف متعاطفاً مع القضية التي يتم المطالبة بها.

ثالثاً: اللاعنف يجنب المجتمع خسارة الأرواح وإراقة الدماء التي تثير الضغائن بين أطياف المجتمع.

رابعاً: إتباع اسلوب اللاعنف في المطالبة بالحقوق يُظهِر مظلومية أكبر للذين ينتهجونه ويكشف للآخرين مدى ظلم الطرف الآخر.

من خلال ما تقدم يتضح بأن شعوب العالم ميالة إلى السلم ونبذ العنف، لأن النتائج التي تترتب على العنف غير محمودة فالسلام والاستقرار هي غاية الشعوب حتى تلك التي يضطرها حكامها للخروج عليها، ولابد لها أن تصل في يوم من الأيام إلى غاياتها ومبتغاها كما عبر عن ذلك الإمام الشيرازي الراحل بالقول (إنَّ كلَّ من يلتزمُ بقانونِ السلمِ واللاعنفِ لا مندوحةَ لهُ إلاّ وينتصر في الحياةِ).

* مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث

http://shrsc.com