شهر رمضان والتهذيب النفسي والأخلاقي قراءة من رؤى المرجع الشيرازي

alshirazi.net

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) 1 .

النفس الإنسانية بما تتضمن من قواها الأربع ـ العقلية الملكية، والغضبية، والشهوية، والشيطانية، ـ في حال صراع مستمر للسيطرة على مملكة الإنسان، وحينما تسيطر احدها تكون القوى الأخرى لها تابعة ولأوامرها طائعة، وبدورها النفس تتشكل وفق القوة المنتصرة فمن انتصرت قواه الملكية مثلاً وترأست مملكة البدن أضفت صفتها الملائكية على الإنسان وظهر بمظهر القديسين وكان من الخواص بل ربما خواص الخواص. أما إذا الغلبة كانت للقوة البهيمية كانت النفس متصف بصفتها وهي بالدواب والبهائم أشبه منها بالإنسان فترى صفات البهائم فيه ظاهرة ومع توالي الأيام والسنون عليه مسيطرة فلا يستطيع ترك الطعام والعلف ساعات من نهار 2 .

الإسلام والتكامل النفساني:

الإسلام الحنيف هدف إلى إنقاذ الإنسان من حضيض البهيمية والشيطانية والغضبية إلى صفاء العقلية الملكية وسموها لذا أوجد العديد من عوامل الارتقاء بالنفس ففرض الصلاة بما فيها من التسليم لله والخضوع والتذلل له للابتعاد عن التكبر الشيطاني، وفرض الصوم للارتقاء بالإنسان عن البهيمية، لذا فالشهر الفضيل رمضان المبارك موسم لتهذيب النفس وتقويمها وفي هذا الصدد قال سماحة المرجع الشيرازي دام ظله الوارف: «إن شهر رمضان هو شهر الله سبحانه وتعالى، اختص به دون باقي الشهور، شهر لتنظيم حياة الإنسان، والتغيير نحو الأفضل، من كل دنس، والطاعة لله سبحانه»، وقال كذلك: «مهما كان الإنسان بعيدا عن الخير والصلاح والتقوى، يمكنه أن يستفيد من أجواء شهر رمضان المبارك لتغيير نفسه، فإن الله تعالى أودع هذه القدرة في الإنسان، وشهر رمضان فرصة مناسبة جدا لهذا الأمر»، وقال كذلك: «من الممكن أن يغير الإنسان نفسه ولو خطوة خطوة، وشهر رمضان مناسبة جيدة جدا للتغيير. نحن, جميعا, بحاجة إلى ترويض وانتباه بحيث إذا دخل أحدنا شهر رمضان وخرج منه يكون قد تغيّر ولو قليلا, وملاك التغير هو العمل بالمستحبات وترك المكروهات, وهي السور الثاني أو القنطرة الثانية التي ينبغي اجتيازها إذا اعتبرنا الواجبات والمحرمات السور أو القنطرة الأولى».

مراتب الصائمين:

تتوالى السنون والمواسم الرمضانية فينبغي ان يكون الإنسان وفقها قد ترقى وانتقل من مرتبة إلى أخرى وان شهر رمضان خير موسم لذلك يقول سماحة السيد المرجع في هذا الصدد: «لقد خص الله عز وجل شهر رمضان الفضيل بالخصائص العظيمة دون سائر الشهور, لذا فهو فرصة مهيأة من أجل الاهتداء والهداية».

وان أدنى مراتب الصوم هو كف النفس عن الطعام والشراب وغيرها من المفطرات بحيث إذا ما انتهى يوم الصيام وحان وقت الإفطار هرع إلى شهوات النفس مرضيا إياها بكل ما طاب من الشراب والطعام والجنس وغيرها فنلحظ انه أثقل نفسه بقليل ترويض، اما اذا اعتبر من صيامه وفوائده وفلسفته ترقى صومه بحيث يصبح الإفطار لديه كلاإفطار ووفق ذلك تتوسع دائرة المفطرات لديه وفي هذا المقام يقول سماحته: «إن هناك فريقا من الناس لا يتورعون عن المعصية ويكفون عنها وعن المحرمات فحسب، بل يتورعون عن التفكير فيها أيضا، فهم يصومون عن المفطرات العامة، وتصوم جوارحهم عن ارتكاب الذنوب، كما تصوم جوارحهم عن التفكير فيها، وهذا صوم خاص الخاص، وهو أعلى مراتب الصوم وأقسامه».

وعليه إذا ما أراد الإنسان الارتقاء بصومه لبلوغ صوم الخواص أن يراقب نفسه خلال الشهر الفضيل ويحاسبها يقول سماحته: «ينبغي التوجه في شهر رمضان الكريم إلى محاسبة النفس كل يوم ولو لدقائق يستعرض الشخص فيها ما قال وعمل, وما سكت عنه وترك, خلال يومه وليلته».

ندعو الله سبحانه ونحن في أيام شهره المبارك رمضان الفضيل ان يوفق جميع المؤمنين إلى تهذيب النفس والارتقاء بها والسمو إلى مراتب الفضل والقداسة والطهر ومحل المكرمين من عباده والتنزه عن رذائل الصفات النفسانية انه سميع مجيب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

_______________________

1- سورة الشمس: الآيات من 7ـ 10.

2- جامع السعادات، الشيخ الجليل محمد مهدي النراقي،منشورات الاعلمي بيروت ، الطبعة السابعة، ج1، ص 61.