الشباب المؤمن طرق التكامل واغتنام الفرص

قراءة من رؤى سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

alshirazi.net

 بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد.. قال تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ  يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).[1]

قال الإمام الشيرازي أعلى الله درجاته في التبيين: ( «رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ» أي في ذريتنا[2]، «رَسُولاً مِنْهُمْ» أي من نفس الذرية، لا من ذرية إنسان آخر، «يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ» كالقرآن الكريم، «وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ» فإن التلاوة مجرد القراءة، والتعليم جعل الطرف يعلمه أيضاً، «وَالْحِكْمَةَ» الشريعة المقتضية وضع كل شيء موضعه، حتى يستقيموا في دنياهم وأخراهم، «وَيُزَكِّيهِمْ» يطهرهم بقلع جذور المفاسد الاجتماعية والرذائل الأخلاقية).[3]

يتلخص مما سبق: إن من وظائف وأهداف النبي الهادي المبعوث من قبل الله سبحانه من ذرية إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام هي:

أولاً: إبلاغ آيات الله سبحانه وتلاوتها على الأمة.

ثانياً: تعليم الأمة وإنقاذها من ظلمات الجهل.

ثالثا: تطهير الآمة وتزكيتها بقلع جذور المفاسد الاجتماعية والرذائل الأخلاقية.

رابعاً: تفهيمها الشريعة الإلهية الحقَّة المقتضية لاستقامة الأمة في الدنيا والفلاح في الآخرة.

فبعثة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله فرصة الأمة لنجاحها وتحقيق أهدافها الحضارية المطلوبة والتي لا يختلف عليها العقلاء في أي عصر أو مصر، لكن لو تأملنا الواقع الذي بُعث فيه رسول الله صلى الله عليه وآله نجده كما وصفه الشهيد العظيم جعفر بن أبي طالب عليه السلام لملك الحبشة: «أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه».

وهنا التساؤل القائم: هل اغتنم الجميع فرصة بعثة المزكي العظيم فتطهر من رذائل الصفات أم فاتته الفرصة، وكما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «الفُرص خلس، والفوت غصص»[4]، وكذا قال عليه السلام: «الفرص تمر مر السحاب فانتهزوها إذا أمكنت في أبواب الخير وإلا عادت ندماً».[5]

والظاهر بل المقطوع به أن الكثير لم يغتنم الفرص في مقابل البعض الذين اغتنموا وجود الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ونجحوا أيما نجاح ولنا في أبي ذر والمقداد وسلمان وعمار وخباب بن الأرت وجعفر بن أبي طالب وغيرهم رضوان الله عليهم المثال الصائب، وفي المقام يقول سماحة السيد المرجع دام ظله: «إنّ الصفوة الخيرة من أصحاب مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله، أبي ذر وخباب بن الأرت وعمار وعثمان بن مظعون رضوان الله تعالى عليهم عاشوا في الدنيا فاستفادوا منها فصاروا صفوة خيرة».[6]

وفي موضع آخر قال سماحته: «إن العديد من الأشخاص صحبوا رسول الله صلى الله عليه وآله ولكنهم لم يستفيدوا منه كما استفاد أبي ذر. فأبو ذر وفي جلسة واحدة مع النبي الأكرم صلى الله عليه وآله صار أبا ذر الذي نعهده. بينما الكثير من الصحابة كانت لهم جلسات كثيرة مع النبي صلى الله عليه وآله، لكنهم لم يستفيدوا منها ولم يتغيّروا».

و فيما يخص زمننا نحن البعيدين ظرفاً عن عهد رسول الله صلى الله عليه وآله كيف يمكن لنا الإقتداء والاستفادة من الرسول الأكرم لاسيما وان الله سبحانه في كتابه العظيم امرنا بذلك قال عزّ وجلّ: (لَقَدْ كَانَ  لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ  وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)؟[7]

والإجابة واضحة لا تفتقر إلى مزيد مئونة، فالإطلاع على حياة الرسول الأعظم وصفاته وكلامه وفهم ذلك جيداً يحتاج إلى تعبئة علمية جيدة وراقية وبإخلاص عال فان توفر ذلك يستطيع طالب الكمال الوصول إلى ما وصل إليه الصحابة المنتجبين الأبرار، وفي هذا الصدد قال سماحته: «إن ملاك نيل ما ناله أولئك الأصحاب الخيرة هو: التعبئة العلمية والتقوى الحقيقة، فاعتبروا من حياة السلف الصالح من الأصحاب الخيرة ومن علماء التشيّع الماضين، وتعلّموا منهم كيف كانوا يغتنمون دقائق أيامهم، وليس ساعات أيامهم فقط، في طلب العلم والتحلّي بالتقوى».

إذاً فالبعد الزمني لا يكون مانعاً من الإقتداء والتأسي بالرسول الخاتم صلوات الله عليه وآله والاستفادة من ذلك في النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة، قال سماحته: «وأنتم الآن مثلهم، أي في الدنيا مع فارق واحد هو أنكم لم تعاصروا مولانا النبي صلى الله عليه وآله، ولكن هذا لا يكون مانعاً من أن تصلوا إلى ما وصل إليه أولئك الخيرة. فحاولوا أن تستفيدوا من الدنيا لتكونوا مثل عمار وأبي ذر وخباب وعثمان بن مظعون رضوان الله عليهم».

 

صلاح الأمة بصلاح أفرادها:

مما لاشك فيه إن صلاح الأمة بصلاح أبناءها، فإن أصلح الفرد نفسه وتكامل بما بينا من الإقتداء بالرسول وأهل بيته عليهم السلام ـ كما فعل ذلك الخيرة الصالحة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله ـ كان الفرد لبنة صالحة ومصلحة لغيرها وبذلك يتكون المجتمع الصالح، قال سماحته: «المجتمع الإسلامي هو المجتمع الملتزم بالأخلاق الإنسانية والآداب الاجتماعية التي جاء بها الإسلام».[8]

وقال دام ظله: «كلّ فرد من أفراد المجتمع الإسلامي ينبغي أن يكون مبلّغاً للإسلام وتعاليمه بقوله وعمله، وراعياً لكل فرد من أفراد مجتمعه وأمّته، ومسؤولاً عنهم، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو للإسلام وإلى حكومة إسلامية عالمية واحدة، بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل من أجل ذلك بالتي هي أحسن».[9]

فإيجاد المجتمع الصالح هو الغاية العظمى من إرسال الأنبياء وبعثتهم ولو فعلنا ذلك، قال سماحته: «لو أصلحنا أنفسنا فإن الإمام صاحب العصر الزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف هو الذي سيأتي إلينا قبل أن نذهب إليه».[10]   

والحمد لله رب العالمين.

_________

[1] ـ سورة البقرة: 129.

[2] ـ المقصود من ذرية إبراهيم الخليل عليه السلام.

[3] ـ تبيين القرآن: الإمام الشيرازي، ط2، دار العلوم 1423هـ،ج1، ص31.

[4] ـ مستدرك الوسائل، ج12، ص141، باب استحباب انتهاز الفرص.

[5] ـ نفس المصدر.

[6] ـ كلمة سماحته دام ظله أبان لقاءه جمع من الفضلاء وطلبة العلوم الدينية من المنطقة الشرقية في بيته المكرم بمدينة قم المقدسة بتاريخ الأحد الثاني من شهر جمادى الأولى 1433هـ.

[7] ـ الأحزاب: 21.

[8] ـ من عبق المرجعية، مؤسسة الرسول الأكرم، المجتمع الصالح.

[9] ـ المصدر نفسه.

[10] ـ نفس المصدر.